Tuesday 27th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 14 ربيع الثاني


تصوير معاني الرحيل في لك علي

جميل من الشاعرة/ شروق السعيد ان تعبر عما يختلج في نفسها من مشاعر فياضة تجاه استاذتها، وتترجم كل احاسيسها بهذه اللغة العذبة التي تدل على اخلاص ووفاء قل ما يوجد في هذا العصر الذي بليت فيه البشرية بالماديات والمصالح وجميل ايضا ان تعبر عن هذه المشاعر في قالب عروضي ألفته الاذن العربية وتراقصت على انغامه وايقاعاته المتزنة، فالقصيدة من بحر البسيط وهو اصلح ما يكون لمناسبة كهذه، كما ان القافية التي اختارتها الشاعرة تقليدية وان كان ايقاعها الممتد والطويل يوحي بارتباط كبير مع موضوع القصيدة الرحيل .
يبدو ان هاجس الرحيل يسيطر على الشاعرة في كل ابيات القصيدة هذا الرحيل المر الذي يؤدي الى فراق الاحباب الامر على النفس, كل هذه المعاني تراها بوضوح في كل تقاطيع القصيدة الداخلية والخارجية.
وما يلاحظ جليا ان كل انواع الرحيل او السفر مرسوم في احداث هذه القصيدة الجميلة ولكن الشيء الاكثر وضوحا هو ما تعج به القصيدة من مفردات ترتبط كثيرا بالحياة البدوية التي يمثل الرحيل فيها نمطا مهما، فحياة البدوي كلها اسفار ورحيل بحثا عن الحياة الاجمل ولكن هذا الرحيل احيانا قد يكون داء عضالا ومرضا فتاكا وسحابة من الحزن على الراحل او من يفارقه فمثلا مفردات (الصحراء - الكثبان - البيد - الخيمة) كلها دلالات مكانية على هذه الحياة البدوية الجميلة ومفردات (الشمس والصيف ) دلالات زمانية ومفردات (الابل - الناقة) هي الحيوانات التي يعيش معها البدوي ومفردات (الاشعار - الربابة) مما يرتبط كثيرا بحياة البدوي فهو محب للشعر عاشق له ويحفظ منه الكثير يدندن به في رحلاته البرية وراء ماشيته او ناقته، والربابة هي ما يسليه في ليله الطويل و(الامطار) هي ما يرحل من اجله ومفردات (رحيل واسفار) تصور حياة البادية المتنقلة دائما بحثا عن الماء والكلأ اذن هذه القصيدة مشهد متكامل الابعاد الزمانية والمكانية وايضا رسم كامل لخلفيات هذه الابعاد وان كانت المفردات متباعدة الا انها تبعث في النفس كوامن التخيل للحياة البدوية والرحيل ولابد ان نشير هنا إلى ان الشاعرة قد نجحت بشكل كبير في جعل القارىء يستحضر كل معاني الرحيل ومشاهده المؤلمة من خلال هذه الصور المتلاحقة.
ويبقى الرحيل مسيطرا على الشاعرة فهي تنتقل من السفر البري الى ابعد من ذلك فترى مفردات مثل (مرافىء - شطآن - بحار) فهي وان كانت تصب في صلب الموضوع الا انها انتقلت الى الرحيل بحرا وذلك لتعزيز هذا المعنى وتقويته في ذهن المتلقي .
وتأبي الا ان تكمل حلقة الرحيل الثلاثية، فمفردات (الطير - الاشرعة) تحمل معاني الرحيل جوا ، والرحيل فراق وبعد عن الاحباب مهما اختلفت انواعه او صوره.
ومما يلاحظ على القصيدة بجلاء هو حب العطاء بغير حدود ولعل القصيدة باكملها دليل على ذلك فهي رمز محبة ووفاء لاستاذتها وربما كانت ايضا صفة جميلة من صفات العرب والبدو بشكل خاص وهي الكرم وحسن الضيافة، وتعالوا معي لنستقرىء هذه الكلمات (ينثرها - يمطرها - اسكب - سكبت - معطار) فينثر عليه عبارات الترحيب، ، ويمطره بالمحبة والكرم، ويسكب له القهوة، ويعطره بالطيب الفواح, أليست هذه معاني رائعة نستلهمها من مفردات القصيدة ولنعد الى مطلع القصيدة؟ فمن وجهة نظري ارى لو انها بدأت بقولها.
ماجئت ارتق في الصحراء أشرعتي
بل جئت اسكب ما عست له الدار
لكان اجمل واكثر وقعا في النفس وذلك لانها تبرر هذا المجيء فهي لم تأت من أجل رتق الاشرعة وانما من اجل سكب ما عاشت له الدار ثم تمضي في وصف ما يختلج داخلها من احاسيس ومشاعر.
ويجب ان اشير هنا الى بعض الاختلالات العروضية ولعلها حدثت في الطباعة فقولها (وقد نأيت وما سلاني تذكار).
هذا الشطر مكسور، ولو قالت: (اسلاني) لصار الشطر سليما كما ان قولها: (فما يلام طبع البدو اسفار) مكسور ايضا، ولو قالت: (فطبع) لأصبح سليما ايضا.
ومما تجدر الاشارة اليه عدم ملاءمة بعض الكلمات للقافية كقولها: (والصيف اخيار) هنا كلمة (اخيار) لم تضف شيئا جديدا، للمعنى بل بالعكس فقد اصبح الشطر متنافر اللفظ متباعد المعنى.
في قولها:
انني عهدتك فخارا صلابته
باتت تزيد وقد كيلت له النار
لم تتفق الصورة مع المعنى الذي تريده الشاعرة فالفخار ليس صلبا وحتى بعد وضعه تحت النار فهو قابل للانكسار.
كل هذا لا يذهب من جمال القصيدة شيئا فقد استطاعت ان تحلق بنا على اشرعة السفر والرحيل، وهي اجمالا مشاعر نبيلة من طالبة الى استأذتها ارجو ان اكون قد وفقت في قراءتي الانطباعية هذه ودعواتي للجميع بالتوفيق.
حسن أحمد محمد الصلهبي
جازان

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved