Tuesday 27th July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 14 ربيع الثاني


أسواق النفط العالمية ومخاوف الانهيار الكبير

عاشت أسواق النفط العالمية مراحل مختلفة كانت وما تزال محل اهتمام الكثير من صناع القرار الاقتصادي والسياسي في البلدان المصدرة والمستوردة للنفط على حد سواء, ومما لاشك فيه فقد كان لكل فترة ومرحلة خصائصها الاقتصادية والسياسية الخاصة التي ساهمت في تشكيل العناصر والمتغيرات الرئيسة المؤثرة في عمليات انتاج وتصدير وتسعير النفط في اسواق النفط العالمية, فبعد مرحلة سيطرة الشركات النفطية الكبرى جاءت مرحلة سيطرة منظمة الدول المصدرة للنفط لتعطي للدول المصدرة نفوذاً اقتصاديا وسياسيا كبيرا لم تكن تتوقعه ولم تكن في اعتقادي مهيأة لاستغلاله الاستغلال الامثل مما ادى إلى انحسار هذا النفوذ وتردي الاوضاع الاقتصادية في هذه الدول وبشكل سريع ومفاجئ.
وفي هذه الايام نعيش مرحلة قد يعتقد البعض أنها جديدة تتصف بالارتفاع التدريجي والمستمر في اسعار النفط العالمية حيث اقتربت الاسعار من المعدلات التي يتطلع إليها معظم الدول المنتجة خاصة إذا أخذنا في الاعتبار كون السعر الذي تحقق في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات يعتبر استثنائيا لا يعتقد بأنه سيتكرر في المستقبل, وهنا يجب الاشارة إلى بعض النقاط الهامة التي اعتقد انها قد لعبت دوراً كبيراً في حدوث الارتفاع الحالي في الاسعار النفطية:
1- الانخفاض الكبير في اسعار النفط العالمية الذي شهده العالم خلال عام 1998م مما ادى إلى تعرض الدول المصدرة للنفط إلى خسائر مالية كبيرة ساهمت في عجز هذه الدول عن تحقيق الحد الادنى المطلوب لتلبية احتياجاتها التنموية, ومما لاشك فيه فقد كان لهذا الوضع الاقتصادي المتردي الذي واجهته الدول المصدرة للنفط دوراً كبيراً في إقناعها بضرورة اتخاذ كافة التدابير اللازمة لتلافي استمرار هذا الوضع ولعل تنسيق الجهود والسياسات النفطية للدول المصدرة يمثل احد اهم هذه التدابير, وهنا نشير إلى ان شعور الدول المصدرة للنفط بأي تحسن في اوضاعها المالي قد يضعف من رغبتها في الالتزام بما تم الاتفاق عليه مما قد يؤدي إلى تسابق الدول الى زيادة انتاجها النفطي والذي بدوره سيؤدي إلى انهيار سريع للاسعار النفطية, لذا نرى ان يكون هنالك آلية أخرى مساندة تكفل استمرار التزام الدول المصدرة للنفط بالاتفاق بغض النظر عن النتائج قصيرة الاجل التي قد تبدو مقنعة في الوقت الحاضر.
2- الجهود الدولية الكبيرة التي بذلتها المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول المصدرة للنفط من داخل وخارج المنظمة والتي كان لها دور بارز ومؤثر في تحقيق ما تحقق على الساحة النفطية, إلا انه يمكن القول بأن هشاشة الوضع في اسواق البترول العالمية قد تتطلب مواصلة بذل الجهود للتذكير بأهمية الاتفاق وضرورة الالتزام بمكوناته المختلفة, وهنا نتساءل ماذا سيكون عليه الحال في ظل عدم استمرار مثل هذه الجهود الدولية؟ وهل تمتلك السوق آلية مناسبة تكفل استقرار السوق في المستقبل؟ اعتقد ان التاريخ القريب يعطينا قناعة تامة بأن اسواق النفط العالمية تعاني من صراع سياسي واقتصادي رهيب بين الدول المصدرة من جهة وبين الدول المستهلكة من جهة اخرى وبين الدول المصدرة ذاتها مما ادى إلى صعوبة التنسيق بين وجهات النظر المبطنة بأهداف غير معلنة والذي بدوره قاد إلى ضعف واضح في الهيئة الدولية التي يستظل بها أكبر وأهم الدول المصدرة للنفط, لذا نرى ان تدعيم الاتفاق الحالي بجهود تنسيقية مستقبلية امر حتمي حتى تستطيع الدول المصدرة على الاقل المحافظة على او تلافي الانهيار الكبير المتوقع في حالة فشل الاتفاق الحالي.
3- المشاركة الفاعلة للدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة مما ساهم في اقناع دول المنظمة على المشاركة الفاعلة في الاتفاق لقناعتها بأنها لن تكون الوحيدة التي تدفع الثمن او تتحمل تكلفة تصحيح الوضع, وهنا نشير إلى ان حصة المنظمة في السوق النفطي لا تتجاوز 27% تقريبا مما يعني عدم قدرتها على تحقيق التأثير المطلوب على الاسعار النفطية ما لم يشاركها في ذلك اهم الدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة, وهنا نرى أن الدول الكبيرة نفطيا في المنظمة مطالبة ببذل الجهد المستمر والمتواصل في سبيل تفعيل دور المصدرين من خارج المنظمة في صياغة القرارات النفطية العالمية حتى تزداد قناعتها بمسؤولياتها المشتركة عن تصحيح الخلل الكائن في اسواق النفط العالمية, يجب ان يكون المسار بالاشتراك بدلا من انفراد دول المنظمة بالقرار خاصة وانها لم تعد قادرة على تحقيق التأثير المطلوب لانحسار نفوذها النفطي الناتج عن زيادة الاستثمارات النفطية خارج إطار المنظمة.
4- التحسن النسبي في الاوضاع الاقتصادية الآسيوية بعد حالة الانهيار الكبير التي ألقت بظلالها على معظم اقتصاديات النمور الآسيوية مما ساهم في زيادة معدلات الطلب على النفط وبالتالي امتصاص جزء من الفائض في المعروض العالمي, وهنا اعتقد ان الاوضاع الاقتصادية العالمية خاصة في الدول النامية يمكن ان تساهم في استمرار توفير الدعم المطلوب لتنفيذ اتفاق خفض الانتاج الذي تم بين الدول المصدرة للنفط خاصة وان التقارير العالمية تشير إلى تحسن ملحوظ في معدلات النمو الاقتصادي لتلك الدول مما قد يساهم في زيادة او على الاقل استمرار معدلات الطلب الحالية على النفط, وبالتالي نرى أن المسؤولية الكبيرة تقع بلا شك على الدول المصدرة للنفط خاصة وانها قد وضعت نفسها في موقف حرج بعد نجاحها النسبي في الوقت الحاضر حيث استطاعت عن طريق تنسيق السياسات النفطية تحقيق ما يصعب تحقيقه في ظل الظروف السياسية والاقتصادية السائدة.
5- التقارب السياسي بين الدول المصدرة للنفط مما ساهم في تقريب وجهات النظر والتقليل من نقاط الاختلاف التي قد تحول دون اتمام اي اتفاق نفطي دولي, وهنا اعتقد ان فقدان هذا التقارب قد يعجل بالانهيار السريع مما يعني ضرورة العمل على تنقية الاجواء السياسية والاقتصادية من عوالق الخلاف التي ساهمت في السابق في التقليل من فرص نجاح اي اتفاق نفطي بين الدول المصدرة للنفط.
وأخيراً : أعتقد اننا يجب ان نبقى بعيدين نسبيا عن التفاؤل الذي قد يعيقنا عن اعادة النظر في استراتيجيتنا النفطية, لقد أكد خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله ضرورة العمل على تخفيف الاعتماد على النفط كمصدر وحيد ورئيس للدخل لتجنيب اقتصادنا التقلبات الحادة التي تتعرض لها اسواق البترول العالمية, اعتقد اننا دفعنا الثمن باهظا عندما اقتنعنا خلال سنوات الطفرة ان آبار النفط تدر ذهبا لا ينضب ولا يتذبذب وبالتالي يجب ان يكون التحسن الحالي في الاسعار النفطية فرصة لنا لتصحيح الخطأ لا الاستمرار فيه, يجب ان نعي أن الوقت قد حان لخلق قاعدة اقتصادية جديدة تقوم على تفعيل مبدأ القيمة المضافة بدلا من الاعتماد على تصدير السلعة الاولية, يجب ان يكون دور الشركات الاجنبية الراغبة في الاستثمار على الارض السعودية مقننا ومفيداً وناقلا للخبرة والمعرفة الفنية والمهنية بدلا من المشاركة الهامشية المتمثلة في الحصول على جزء من العائد المادي المطلق, باختصار يجب ان تكون نظرتنا للنفط من خلال مشاركته في دعم القوة التنافسية لسلعنا الوطنية ومن خلال الميزة النسبية التي يمنحها لمنتجنا المحلي لا من خلال النظرة المحدودة التي تعتبر النفط سلعة نهائية جاهزة للتصدير.
د, مفرج بن سعد الحقباني
أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved