كنت استمع الى اغنية لمطربة مصرية شابة تقول فيها للحبيب (لما الناس قالوا انك جاي، شفت أنا احلوّيت ازاي؟), ورثيت لأحوال اغانينا التي خرجت من اطار البكائيات لتدخل دائرة (قلة الحيا!) من مثل قول احدهم وهو شبه مطرب اماراتي (اضحكي,, الضحكة ميزان الدلع!) يقولها هكذا دون ان تطرف له عين ولو حتى (خجلا) من المصور الذي امامه دعك من المشاهد والمستمع الذي يمارس الخجل بدلاً منه!.
أرأيتم كلمات الأغنية المصرية, كم فيها من البلاغة, وكم فيها من الحب!! البنت التي تنتظر حبيبها لم تقدم فاصلاً من النواح او تتدنى فتطلب منه ان يضحك لها!, فقط: احست انها (احلوّت) عندما قال الناس انه قادم وهذا يكفي لكي تأسرك الأغنية بهذا اللطف والمعنى غير المسبوق الصادق العفوي الذي يعيدك الى شجيرات الحب الأولى واقحوانه, بعد ما مارس ضدها مطربو هذا الزمان المجدب كل شيء يجلب الغثيان!.
هناك مطربون تعلموا الغناء بدون ان تكون لديهم خلفية او ارضية الفن ولا الابداع, ولا يتوافر لديهم حس المغامرة والتطوير والأدهى انهم يبدون كما لو كانوا بلا تاريخ فني وبلا مطربين عظماء وموسيقيين عباقرة, طويت صفحة اولئك وفتحت مغاليق الأبواب لهؤلاء, ولم نعد نستطيع ان نسمي ما يحدث: (ظاهرة)! فمطربة مثل (ديانا حداد) عرض عليها الغناء باللغة الانجليزية في (امريكا) نفسها بواسطة احد العاملين في الحقل السينمائي الذي يقول بلا تحفظ (انه اعجب بجمالها!) والا فهي تغني اغنية يرددها حتى الأطفال تقول كلماتها (أمّنيه أمَن الأمّانه) وكما تلاحظون فهي كلمات بلا معنى خاصة عندما تكملها قائلة (ليش انا زعلانة)!.
(نبيل شعيل) لوحده هو ابلغ تعبير عما وصل اليه انحطاط الذوق العام في الوطن العربي! فصوته يخرج بصعوبة من حلقه كصوت صراخ الرضيع ومع ذلك فهو وامثاله القاهرة: في دار الأوبرا للأسف!) ويظن البعض ان اغنيات الشاب خالد هي اغنيات تغنى في (لندن) و(باريس) و(راقية) قياساً على من ذكرنا, والحقيقة انها ليست بأغنيات, هي نوع من الرقص البدائي الذي يمكن تسميته بالفولكلور من الناحية (الانثروبولوجية) لا (الفنية!!) وعمر الصراخ والرقص البدائي ما كانا الشيء الذي يهفو اليه قلب متعب من التباريح, ملتمساً فيه رفيق دربه والمتحدث الرسمي باسمه!.
في القنوات التي تلهث في سباق محموم مع بعضها مجال خصب لأشباه المطربين, يعرضون من ضمن ما يعرضون بدلات تشعرك بالنفور من ذوقهم في الاختيار, ومرة عرضت لأحد المطربين اغنية يرافق فيها امرأة على ظهر قارب وهو بْ(الفانيلة العلاقي) فاستحق عن جدارة لقب (اول مطرب عربي يغني بلا أكمام!).
إن مأزق الأغنية الحالي وان كان الكثيرون لا يشعرون به يتلخص في ان الذين يسوقون كمطربين ما هم في الحقيقة سوى موهومين بنعيم الوسط الفني الذي لا يخفى على أحد.
|