(1)
بدّل الصحب وعاف الطربا وجفا من أمسِه ما اغتربا قرأ الفنجانَ فارتاد الدجى ووراءَ الغيمِ ذاق السَّغبا وارتدى موعدَ صحوٍ هامسٍ فجره شوق يناجي السحبا ورمى سهم الهوى في لحظةٍ فسبى الغيدَ بأطرافِ الخِبَا ورنا يزهو فهذي نارُهم تطفىءُ الحربَ وتمحو الحجبا قال: قُل إن شئت ما خطَّ الألى إن تعش دهراً ستروي العجبا عُد إلى دارِك وافتح صفحةً في عقولٍ لا تحبُّ الكذبا وأعد للسّمعِ أصواتَ الورى أنا من خُيِّر فاختار الإبا وانسَ ما قال حبيبٌ مرةً عن سيوفٍ تتحدى الكُتُبا,. |
* * *
(2)
** شاء أنِ يَهدأ في الطرح، أو يُهدِّىء اللعبَ، ووعد - في الصيف - أن أربعاوياتة ستكون برداً و سلاماً على من اتهموه بالغموض ، أو التعقيد ليُثبتَ لهم و بهم أن الحكاية ليست هذا ولا ذاك، وإنما هو الزهد في قراءة المطولات ، و النأي عن إشغال الفكر وسط مشاغل الحياة ,,!
** مضت أربعاويات حزيران و تموز وأقبلت أخواتُها في آب ، وسيظلُّ - كما وعد - موقناً بأنهم سيظلون كما كانوا، و الفرق - فقط - أنه زمن لا تصفو فيه الرُّؤية فلا غرو إن اغتربت العبارة .
** لا داعي لتذكيرهم بمفارقة هذه النتيجة مع مقدمة النفّري حتى لا يسأموا قبل أن يبتدئوا الألفباء ولا تقوم عليهم حجة الركض في ميدان الخواء ,,!.
** فكّر وقدر، ورأى أن يخصص هذه المساحة لمطالعات سريعة في شيء من قراءاته التي أتاحها له قعودُه مع الذين خُلِّفوا، فضاقت عليهم الأرض إلا من مُخلّفٍ مثله لم تحتمل ميزانيتُه وعثاءَ السفر فاختار تنميطَ المنظر و آخرُ لها بالشعير فهجره الشعور ، و ثالثٌ لجأ الى الشعرِ ووجد في وقته فسحةً لتأمل فاختار من الرف ما خففَ حرارة الصيف !.
** وإذن فهو لم يكتب هذه المقالة بل كتبت نفسها.
** وإذ أراد التراخي فقد شاءت الاسترخاء !.
** وحين قرر الاجازة جاء اقتراحها ان لا بأس أن يقتطع منها مطالعات من بعض الكتب وليس فيها ,,!
** وأدرك أنه أمام أربعاويةٍ غير عادية تُحاول ان تقرأ مِمّا وقع تحت أنظار صاحبها لا أن تقرأ فيها ,,!
** كم هي المسافةُ مضنية بين حرفي خفض لم يزالا مفترقين ,,! فلنغادر في - هذا الاربعاء - إلى مِن ! ل دقائق بين الكتب!.
* * *
(3)
** لم يَعِد بجديد، فهو يعرف أن مكتبته مليئةٌ بما راكمه فيها دون أن يتاح له سفرٌ اليها، وكان أن امتدت يدُه إلى محمود درويش في يوميات الحزن العادي ، وهو كتابٌ صدر قبل أعوام روى فيه شيئاً من إسقاطات جيل الخروج والتشريد بعد هزيمة 1948م وقرأ معه:
* هذا هو طعم عكا الأول، دائماً أبحث فيها عن شيء لا أجده، فتشت فيها عن أمي فكانت قد عادت الى القرية، وبعد سنين فتشت فيها عن حبيبتي فكانت تُزفّ الى رجل آخر، وفتشت فيها عن عمل فكان الفقر يلاحقني، وفتشت فيها عن شعبي فوجدت الزنزانة والضابط الوقح، كانت آخر حدود العالم، وأولى المحاولات والخيبة، وكان سورها يتآكل في الزمن ,, (ص 31/ ط الخامسة - دار العودة).
** صورة ناطقة لواقع العربي الذي اغتالته المنافي وهو يعايش السقوط المريع للحلم في وقت المد الطليعي الباحث عن ضوء نجمة في ليلة عاصفة تائهة بين الريح و المطر ,,!
** عاد مع درويش إلى شعره بعد نثره ، واستعاد من ديوانه: (أرى ما أريد)::
* أنا من هنا، أنا ه هنا، وأُمشِّط الزيتونَ
في هذا الخريف,.
أنا من هنا، وهنا أنا
دوّى أبي، أنا من هنا
وأنا هنا، وأنا أنا، وهنا هنا، إني أنا،
وأنا هنا، وهنا أنا، وأنا أنا، وهنا أنا،
وأنا هنا، إني هنا، وأنا أنا
ودنا الصدى، كسر المدى، قامت قيامتُهُ،
صدى وجد الصدى، دوى الصدى، أبداً هنا أبداً هنا
وغدا الزمان غدا
بدا شكلُ الصدى، بلداً هنا ورد الردى
فاكسر جدار الكون يا أبتي صدى حول الصدى
ولتنفجر
أنا من هنا
وهنا هنا
وأنا أنا
وهنا أنا
وأنا هنا,.
(ص 26/27 الطبعة الاولى دار الجديد)
* * *
(4)
** هكذا شاءت له استهلالاته القرائية إذ يعرف أنه يُحبُّ محمود درويش فهو شاعرٌ - أولاً - وهو صاحب قضية ثانياً وحتى عاشراً، وقد وجد أنه يتنقل بين ما توافر في مكتبته من أعماله، ولأنها كُثُر، و الأربعاوية لا تحتمل فقد آثر وداعه بأبيات من ديوانه (مديح الظل العاتي).
أشلاؤنا اسماؤنا لا,, لا مفر
سقط القناعُ عن القناعِ عن القناعِ
سقط القناعُ
لا إخوة لك يا أخي لا أصدقاء
يا صديقي، لا قلاعُ
لا الماءُ عندك، لا الدواء، ولا الدِّماء
ولا الشراعُ
ولا الأمام ولا الوراءُ
حاصر حصارَك لا مفرّ
سقطت ذراعُك فالتقطها
واضرب عدوَّك لا مفرّ
وسقطتُ قربَك، فالتقطني
واضرب عدوك بي فأنت الآن حرّ
قتلاك او جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب بها، اضرب عدوّك لا مفر
أشلاؤُنا اسماؤنا
حاصر حصارَك بالجنونِ وبالجنون وبالجنون
ذهب الذين تحبُّهم ذهبوا
فإما ان تكون أو لا تكون
سقط القناعُ عن القناعِ عن القناعِ
سقط القناعُ ولا أحد
إلاك في هذا المدى المفتوحِ للأعداء والنسيانِ
فأجعل كلَّ متراسٍ بلد
لا,, لا أحد
سقط القناعُ
عربٌ اطاعوا رومهم
عربٌ وباعوا روحهم
عرب وضاعوا
سقط القناعُ
كن أنتَ,, كن حتى تكون
لا,, لا أحد
(ص 22/ 24 الطبعة الرابعة / دار العودة).
** قال القصيدة عام 1982م في أثناء حصار يهود لبيروت، وحينها تداعت كل الحصون فهوت الراية وتوارى الواثقون من النصر وأيقن العربيُّ أنّ الغدَ ملك غيره، فليتهمش ما شاء لنفسه، و الساعة ستوقظه حين تجد دقاتها أصداءً في دواخل صدئة .
** واذ هي كذلك فلن تدق
** وإذن يكفي أن تدقوا باب الخزان ,, ثم تقرءوا - معه - للمرة المائة - رواية غسان كنفاني (رجال تحت الشمس).
* * *
(5)
** بعكس درويش جاء الروائي البرازيلي العالمي جورجي أو جورج أمادو ليثبت انتصار الخير في النهاية فهو يرى أن الباطل لا يدوم، وأن نكهة الحياة في غلبة الحق أخيراً حتى لو جاء متأخراً ,,!
** وقد قضى صاحبكم مع صاحبنا المتفائل شطراً من نهارات و مساءات بين روايتيه (زوربا البرازيلي: خيمة المعجزات) ترجمة (ممدوح عدوان) - إصدار دار العودة - و البَزَّةُ والرداء وقميص النوم : حكاية خرافية من أجل (إضاءة أمل) ترجمة (عوض شعبان) وإصدار دار الفارابي.
** وهذه الاخيرة أو الرواية الأسطورية تمثل مسيرة أديبين في حربهما ضِدَّ النازية الهتلرية خلال الحرب العالمية الثانية، أما الأولى فيكفي عنوانها وأنها عن زوربا ومن لا يعرف شبيهه بل أصله اليوناني الذي يُحبُّ الحياة والمتعة والمغامرة، ويعشق الناس فكلُّهم أهله - كما يقول ممدوح عدوان - وهو شاب ورجل، والناس كلُّهم أبناؤه وهو شيخ وعجوز و زوربا البرازيلي لا يختلف كثيراً فقد استطاع بدرو أرشانجو أن يدافع عن شعب باهيا البرازيلي ويترافع عنه ويقف مع ثقافته وتقاليده وتراثه ضد هجمات التغريب (أو كما يسميها عدوان: الأَوربة) والانسلاخ الثقافي والتقزُّم أمام الآخر المستعمر,,!.
** في هاتين الروايتين بحث عن منطق التميز فالأمة بكينونتها، والجريُ خلف كل ناعق سمةٌ لمن مسَّه المسخ فأضحى بلا هوية أو عنوان,,!.
** إن جورج أمادو يرفض الوصاية الخارجية على امته وينطلق من أعماق الشعب ليمثل المثقف حيث يتفوق وحين يخفق وليروي حكاية الانسان حيث يصنع النصر وحيث يتجلى الانتماء:
* قبل أن يموت بيتل العجوز
تكلم بوضوح شديد,.
وقال:
لا تسمح لأحدٍ بإزاحتك يا بني
اذا كنتَ تريد ان تشابه أباك
(ص 17/ الطبعة الاولى - دار العودة).
* من منكم يريد أن يشابه أباه؟!
* * *
(6)
** بين درويش و أمادو يقف الشاعر العامي أحمد فؤاد نجم ليتجلى في (بيان هام) يقول فيه شيئاً عن الهوية وشيئاً عن المصادرة وشيئاً عن الاستشراف .
** يعزف على الجراح ويغني للأمل، ويؤمن بدور الكلمة :
اذا الشمس غرقت
في بحر الغمام,.
ومدت على الدنيا
موجة ظلام
ومات البصر
في العيون والبصاير
وغاب الطريق
في الخطوط والدواير
يا ساير يا داير
يابو المفهومية
مفيش لك دليل
غير عيون الكلام.
(ص 49/ ط الثالثة/ دار الفارابي)
** ترى,, ماذا يمكن أن يكون احمد فؤاد نجم لو كان مستقيم البيان,,؟!.
** لم يَقِلَّ شأنُه لفساد لغته فهو لم يعش مرتزقا كما لم يُهَوِّم مبتذلاً كما في عاميات هذه الايام التي تمتلىء بها صفحات و مجلات ما يسمونه شعراً شعبياً وهو ناءٍ عن الشعب بكل فئاته ، غارق في رداءته و تردياته !.
** إن نجماً كان سيعلو أكثر بصلاحه وصراحته مع جميل فصاحته أو هكذا يظنّ صاحبكم، فقد أوجع وأجزع ليحكي حال العرب,,!
* * *
(7)
** بين (رسائل جبران التائهة) او تسع عشرة رسالة يكشف عنها للمرة الأولى، و(الشعلة الزرقاء) وهي رسائل جبران إلى مي زيادة كان التوقف استرخاءً في محطات القلب الظامىء للوجد، والعقلِ الباحث في الوجود ,,!
** كان جبران استثناء، وكانت مي مختلفة، ومن يتأمل في خطاباتهما يدرك كيف يتوارى الجسد حين ينطلق الذهن,,!
** والأجمل انها تحكي الهمّ كما كان قبل ثمانين عاماً وكأنه هو - اليوم - بعد هذه العقود الطويلة، واقرءوا - إن شئتم - واحدةً من رسائله إليها مؤرخة في 30 آذار 1925م:
* ,,, أما قولك يا مريم الحلوة إن صاحب السائح ناقم عليك لأنك لم تبعثي إليه بمقال لعدده الممتاز فمن المبالغات الهائلة، أتظنين ان رجلا في نيويورك ينقم عليك طالما أنا في نيويورك, قد قلت ألفَ مرة ومرة: نحن لسنا بمعامل ادبية، نحن لسنا آلات تلقمونها الحبر والورق من جهة لتستخرجوا المقالات والقصائد من جهة ثانية, نحن نكتب عندما نريد أن نكتب لا عندما تريدون أنتم فاعملوا المعروف فنحن في عالم وأنتم في عالم آخر,,.
(الشعلة/ الطبعة الثانية، مؤسسة نوفل).
** وعنّا ومِنّا لعنايةِ من حولوا أنفسَهم بأنفسِهم إلى معامل رديئة لقول لا شيء في زمن الشيء ,,!.