* أمريكا- عبدالعزيز ابانمي
لم يكن الكثير من افراد الشعب الالماني قبل الثالث عشر من شهر مارس من عام 1998 يبدون اية مخاوف حقيقية تجاه مشكلة العام 2000 اذ كانت المشكلة في نظرهم مجرد اشكالية بسيطة يمكن حلها من خلال التاكد من ان الساعات الحاسوبية لن يختلط عليها الامر فتقرأ العام 2000 على انه العام 1900 غير ان الاختبار التجريبي الذي اجرته شركة الكهرباء المحلية في مدينة هانوفر في ذلك التاريخ قد شد انتباه الالمان وجعلهم يدركون ان المشكلة ليست بتلك البساطة!
وما حدث هو ان مسئولي الشركة المسؤولة عن تزويد الطاقة لهذه المدينة قد دعوا وسائل الاعلام لتغطية هذا الاختبار التجريبي وهم واثقون من ان كل شيء سيكون على مايرام وماحدث هوان الامور قد جرت على مايرام في اول الامر غير انه ما ان مضت بضع دقائق بعد منتصف الليل حتى بدأت اجهزة الحاسوب في اطلاق آلاف الرسائل الخاطئة اعقب ذلك تجمدها جميعاً وتوقفها عن العمل في الوقت الذي انطفأت فيه جميع الشاشات,, الشيء المفرح هو ان المدينة لم تغرق في الظلام غير ان مسؤولي الشركة ظلوا غير قادرين لعدة دقائق ان يراقبوا الشبكة الكهربائية كما فقدوا قدرتهم على ان يتتبعوا اعطال المكائن اما الامر الاكثر مرارة فهو ان المسئولين احتاجوا الى سبعة اشهر حتى يتخلصوا من جميع المشاكل!!
ومع كل النتائج السلبية التي تمخضت عن هذه التجربة تحول هذا الاختبار التجريبي الى حد فاصل بين الواقع والخيال اذ انخفضت نسبة رضا الشعب الالماني عن الحلول المقدمة لمعالجة هذه المشكلة الالفية كما انها المرة الاولى التي تطلق فيها احدى شركات الطاقة الالمانية تحذيرا صريحاً بشأن هذه المشكلة.
وحسبما يقول المثل العربي الشهير رب ضارة نافعة فقد سارعت الحكومة الالمانية عند ظهور هذه المشكلة في مدينة (هانوفر) الى اجراء تقييم بشأن هذه المشكلة خصوصاً بعد ان اظهرت الدراسات الكشفية التي اجرتها شركات التأمين ان غالبية الشركات لم تشرع بعد في النظر في هذه المشكلة!
وفي الوقت الحاضر تبدو المانيا والعديد من الدول الاوروبية المتقدمة تقنيا في سباق مع الزمن لتعويض ما ضاع من الوقت لاستدراك المشكلة اذ تقوم الشركات بصرف بلايين الدولارات على اعادة برمجة اجهزة الحاسب فيما احدثت المكاتب الحكومية العديد من الخطوط الهاتفية للرد على الاستفسارات التي يطرحها العامة ويبدو ان جميع القطاعات العامة والخاصة تحرز تقدماً في التغلب على هذه المشكلة وهو مايبعث الثقة لدى معظم الخبراء باستمرار في ان اوروبا لن تتأثر بالمشكلة الالفية اذ مرت تجربة العام (2000) المتعلقة بمعظم البنوك الاوروبية الكبرى بسلام فيما اشارت خطوط الطيران والمطارات الى انها مستعدة للتغلب على هذه المشكلة.
غير ان قطاعاً اخر يتمثل في العديد من المنشآت التجارية الصغيرة والمعاهد العامة يبدو وكانه في سباق خاسر مع الزمن ففي احصاء حديث اجراه المجلس الالماني للتجارة والصناعة تبين ان 45% فقط من الشركات قد استعدت جيداً لمواجهة هذه المشكلة فيما تشير احصائية اخرى اعدتها احدى شركات التأمين الى ان 60% من الشركات الالمانية لم تشرع حتى نهاية الخريف الماضي في وضع تصوراتها لحل المشكلة.
ويشير والتر شميت جامين مدير شركة هيرميز للتأمين الى نسبة حالات الافلاس والبالغة 1% يمكن لها ان تتضاعف في العام 2000 .
اما الاجراءات الاستعدادية للتغلب على هذه المشكلة في دول اوروبا الغربية فهي تختلف كثيرا عن الوضع في المانيا فحكومات وشركات بريطانيا وهولندا والعديد من الدول الاسكندنافية بدأت منذ اكثر من عامين في بذل المحاولات للتغلب على المشكلة اما القطاعان الحكومي والخاص في كل من فرنسا والمانيا فتحتاج محاولاتهما الى الكثير من الحيوية غير ان هاتين الدولتين تبدوان في موقع افضل من دول اخرى فقيرة كا سبانيا والبرتغال اللتين مازالتا تصارعان من اجل التغلب على المشكلة الالفية.
وعلى الجانب الاخر تبدو دول وسط اوروبا ذات الطابع الاشتراكي سابقاً وروسياً وكأنها متأخرة كثيراً عن حل المشكلة فقد اعلنت شركة الخطوط البولندية مؤخراً انها ستلغي 70 رحلة ليلة سنة 2000 نتيجة مخاوفها من اشكالات قد تتسبب فيها اجهزة الحاسب اما في روسيا فقد ذكرت الحكومة ان 33% من البنوك قد استعدت جيداً اما دول اوروبا الغربية فتبدو وكأنها قد استعدت بشكل جيد مع وجود بعض العوائق التي تبعث على القلق.
ومعلوم ان 11 دولة من بين دول الاتحاد الاوروبي التي تبلغ 15 دولة قد اتخذت من اليورو عملة موحدة كما انها اقتصادياً مرتبطة بالعديد من الشبكات المعلوماتية اضافة الى ذلك فان هناك نموا كبيراً في عمليات بناء شبكات الألياف البصرية عبر الحدود فيما تقدم شركات الطاقة بشراء وبيع الكهرباء عبر انظمة الاتجار الكهربائي ورغم كل هذا النشاط التجاري المتبادل فإن معظم الاستجابات التي حصلت عليها شركات صناعة السيارات من موزعيها في جميع انحاء العالم بخصوص مايمكن فعله تجاه هذه المشكلة لم تقدم الكثير من المعلومات المفيدة وهو الامر الذي اضحى مصدر قلق متزايد في المانيا اذ أصيب المديرون التنفيذيون في شركة اوبيل للسيارات التابعة لشركة جنرال موتورز بالفزع عندما اكتشفوا ان الروبوتات الصناعية التي اشتروها عام 1997 لاتزال تعاني من المشاكل الفنية الناتجة عن اشكالية العام 2000 عندها قررت الشركة في شهر اغسطس من عام 1998 ان تبدأ في ارسال العديد من المختصين في هذه المشكلة الى مختلف شركات التوزيع الرئيسية.
ويشير المنسق العام لمشكلة العام 2000 في شركة اوبل الى ان الهدف من هذه الزيارات هو طرح مجموعة من الاسئلة التي يمكن من خلالها معرفة ما اذا كان الموزعون الرئيسيون يعرفون ما الذي يدور الحديث حوله.
وكانت شركة اوبل قد شرعت خلال الاشهر القليلة الماضية في ارسال الخبراء التقنيين الى معظم المصانع الرئيسية التي تمدها بالسيارات وخصوصاً تلك المصانع التي ترتبط خطوط انتاجها مباشرة بشبكة الحاسب الخاصة بالشركة الام اوبل ، غير ان الهم الآخر الذي يقلق مسئولي الشركة يتمثل في المشاكل التي قد تكون خارج سيطرتهم كانقطاع خطوط الطاقة الكهربائية وهو الامر الذي يؤكده مسؤول شركة الكهرباء في هاتوفر الذي يشير الى ان قطاع صناعة الطاقة قد استغرق في نوم عميق لم يصحو منه الا في شهر يوليو من عام 1998 اي بعد 4 اشهر من فشل الاختبار التجريبي عندما قدمت الجمعية الالمانية لخدمات الطاقة الكهربائية النصيحة لاعضائها بالبدء حالاً في محاولة معالجة مشكلة العام 2000 .
وفيما يشير خبراء مشكلة العام 2000 الالمان الى ان احتمالات حدوث اعطال شديدة تبدو ضئيلة الا انها لاتبدو مستبعدة وكنتيجة لذلك فإن العديد من كبرى الشركات الالمانية تعمل حالياً على تخفيض انتاجها تدريجياً كي تعزل نفسها عن اية صدمة قد تتسبب فيها مشاكل انقطاع التيار الكهربائي ! فيما قررت احدى الشركات ان تغلق العديد من انظمتها ليلة رأس سنة 2000 حتى تعتمد على الطاقة الكهربائية التي تقوم هي بانتاجها.
وهذا التخطيط المسبق من قبل العديد من الشركات في تخفيض نسبة استهلاك الكهرباء ليلة رأس السنة 2000 يجلب القلق في ان يتسبب ذلك في حدوث العديد من الاعطال.
وعلى العموم فإن واحداً من الفروق الرئيسية بين مختلف الدول الاوروبية بالنسبة لمشكلة العام 2000 يتمثل في مدى ارتباط حكوماتها بهذا الامر ففي بريطانيا قام رئيس الوزراء توني بلير بإنشاء برنامج ضخم يهدف الى رفع درجة الوعي بهذه المشكلة مع ارشاد الشركات صوب افضل السبل لحل المشكلة اما هولندا فقد بدأت برنامجاً مشابها جعلها واحدة من افضل الدول استعدادا للتغلب على هذه المشكلة جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة وبريطانيا.
وعلى النقيض من ذلك فإن الزعماء الالمان لم يبدأوا في التركيز على هذه المشكلة الى قبل عدة اشهر فيما نشرت احدى المجلات نتائج مسح اظهر ان المدن الالمانية لم تجهز نفسها بعد لحل المشكلة وانه يتعين على 50% من هذه المدن ان تجري اختبارات عديدة على جميع مستشفياتها.
|