مر في كليمة للأستاذ محمود طه شيحة: أن العلم لا وطن له، فما يستحدث من نظريات في أمة من الامم لا يضير أن تفيد منه بقية الأمم.
قال أبوعبدالرحمن: ها هنا أمور:
أولها: أن النظرية غير المنتجة معرفةً لغائب كوني (العلم الاكتشافي)، أو إيجاد صناعة جديدة (العلم الاختراعي): لا تسمى علما، بل هي نظرية فكرية قابلة للخطأ والصواب، وخطؤها قابل لحسن النية وسوئها، فنظرية دارون كذبة صلعاء مخالفة للحس والعقل وما أجمعت عليه الأديان، ووراءها سوء نية، إذ هي ترويج يهودي تبنته الصهيونية في برنامج خلخلة الأديان.
وثانيها: أن النظريات - الصواب منها والخطأ - أمشاج ثقافات علمية عالمية، فيمكن ان توصف بالعالمية بالنظر الى مصادرها ومكوناتها، لأنها ثقافة وقد أسلفت أن الثقافة عالمية,, ولكن نتيجة النظرية لا تكون عالمية برهانية.
وثالثها: ليس بصحيح ان العلم لا مكان له، بل من سبق إلى اكتشاف أو اختراع فمكان العلم دماغ من هدى إليه نظريا، والأنامل الماهرة التي صنعت نتاج النظرية,, إن هويته الرقعة والجنس اللذان ينتمي إليهما الرواد,.
وانما العالمي استيراد مواد الاختراع وتوريدها كمختلف المصنوعات,, هي عالمية كما هو كائن في الممارسة، وهي عالمية كما ينبغي أن يكون إذا زكّاها البرهان.
ورابعها: ان من العلم الذي ينبغي أن يكون عالميا - في امتلاك تطبيق نظريته، او اقتناء مواده - ما هو غير عالمي، بل هو محلي محجور عليه أشد الحجر، محوط بسرية المهنة والحراسة الشديدة لرجال الاكتشاف والاختراع من العلماء أن يتسربوا الى خارج صقعهم.
وخامسها: ان من العلم ما هو مبذول - تعليما، وتطبيقا واقتناء - ويود المفسدون في الارض أن يكون عالميا، ويسعون بالاغراء والضغوط الى عولمته,, ولكن سواد الشعوب وعقلاءها يأبونه، فليس هو عولمة برهانية، لأنه من العلوم الجائرة على الفطرة,, فطرة الإنسان، وفطرة الطبيعة.
وسادسها: أن من العلم ما يطمح قادة العولمة الى حجب تطبيقه مهارة، وتعلمه نظريا،و إنما تُعَولِم تصدير نتاجه بأبهض الاثمان وبضغوط وهو فوق حاجة المستهلك، او مضر به، فما كان عالميا - كما ينبغي أن يكون - محظور، وما كان غير برهاني فهو معولم بالإغراء والإكراه.
وسابعها: أن من العلم ما لا ينبغي تعلمه وتحقيق وجوده مما اشير إليه في الأمر الخامس، ومنه ما ينبغي الحد منه لما له من اثر فاحش في إفساد البيئة، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقنهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) سورة الروم: 41 ، ومنه ما ينبغي توظيفه للعدل والتوازن والدفع، لتحقيق السلام، ورفع الظلم,, وذلك هو أسلحة الدمار الهائلة، فعولمة كل ذلك مشروط بالبرهان.
قال أبوعبدالرحمن: وهكذا السياسة والاقتصاد اللذان ذكر الاستاذ محمود قابليتهما للعولمة، فهي قابلية وجود مؤقت بإكراه وإرغام، وليست هذه القابلية قابلية عولمة كما ينبغي ان يكون لأن مطامح الشعوب ان تتمتع بحرية خصوصياتها، وأن تتعامل مع الآخرين بالرضى الحر الذي هو شريعة المتعاقدين ,, ولا يستقيم نظام الخلق إلا بالعدل وما أنتجه البرهان,, وحقيقة العدل والبرهان هيمنة دين الله على وجه الأرض يوظف الحق والنافع الجميل من مواد الحضارة والعلم المادي ولا يلغيه,, فإذا تخلف ذلك لعجز من أهل الدين فتظل سيادة الدين بين أهله، ويظل التعامل مع الآخرين وفق الإنساني المشترك الذي ألمحت اليه كثيرا، وهو أن يكون برهانيا.
قال أبوعبدالرحمن: والعولمة القطبية الإرهابية هي ضد المحلية بلا ريب، ولا جديد في هذا، بل هو تحصيل حاصل، وإنما المهم ان لمحليات الشعوب والأمم إيجابيات تدعم الإنساني المشترك بيد ان عولمة الإرهاب تخنق ذلك,, وأهم عناصر الخير المخنوقة شعوب العالم الإسلامي التي تملك وحدها - من دينها، وتاريخها - البرنامج الإصلاحي، لأن دينها عالمي يوجب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله دون تفريق بين احد منهم عليهم الصلاة والسلام,, وهم يقيمون الحجة من الأديان الربانية السابقة على ان الله ختم الاديان بكتاب ورسول مصدقين لما قبلهما شاهدين على من فرَّط في كتب الله، إذ استحفظوها فضيعوها بالتحريف والتبديل والتأويل والكتمان، وكانوا يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم بالوصف كما يعرفون ابناءهم، لأنهم مبشرون برسول بعد عيسى اسمه احمد عليهما الصلاة والسلام، وفي كتبهم وصف أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما في آخر سورة الفتح,, وهم يرون أن أمم العالم الكبرى يختنق مفكروها من تفكك الأسر والإباحية وإلغاء اواصر القربى والبر والمرحمة والنفقة، والاستعاضة بحياة العزوبية البهيمية والمخادنة، وظلم المرأة بفقدان جناح رحمة يرفرف عليها، فتكون ربة بيت، وسيدة ولد واحفاد وأسباط قرن الله حقها عليهم بحقه سبحانه على عباده، فكانت بين ذئاب تخنق ولا تأكل، فإذا ذبلت زهرتها في المواخير رميت في دار العجزة والمسنين، أو أنست الى كلب او قطة لعلهما يبددان وحشة الوحدة والغربة,!! لقد رأت الأمة المحمدية - أمة الإجابة - العالم الكبير في الكشف والاختراع والصناعة المادية العظمي (المرهبة، والنافعة، والمسلية) عالما صغيرا حقيرا في إنسانيته، وفيما ينبغي إعداده، بعد الحياة الأخروية من الحياة الابدية بعد حياتنا الاولى,, رأوا استعبادا للنفس والجسد - ببلغة العيش، وملاذ الشهوات، ويكثر فيهم القلق والجنون والانتحار والموت على الارصفة والمواخير، والمادية والأنانية، وغثيان المذاهب الفلسفية المحبوكة بتضليل وكيد عنيد، فأفرزت الهيبيز، والانتحار الجماعي، وفشو الجريمة بلا رادع مؤثر!
قال أبو عبدالرحمن: اي عاقل، وأي ذي قلب يرضى العولمة لحياة القردة والخنازير الحقيرة؟,, وأي فكر إصلاحي أحق بالعولمة من الجانب الدعوي الإصلاحي الإسلامي الذي لم تسقط أمته كلها في الوحل كما سقط غيرها من الأمم، ضمانة من الله لطائفة منصورة لا يضرها من خذلها الى يوم القيامة؟!!
قال أبوعبدالرحمن: تردد كثيرا وصف العولمة بالقوى الكونية كسوق العالم الكونية,, ولا ينبغي التعبير بمثل هذا، لأن قوى الكون ما جعله الله ناموسا في الطبيعة لا حيلة للبشر في خرق نظامه كانتظام حركة الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار,, والتعبير الأوفق أن يقال: هيمنة النفوذ الامريكي وحلفائه، أو هيمنة العالم الأقوى، والضغوط البشرية الخفية التي تعمل تحت الكواليس.
قال أبوعبدالرحمن: وليس من الشرط ان نعرف حقيقة هذا الخفاء (بمعرفة المكان، والاشخاص، وخطة العمل الجهنمي)، وانما المهم ما يشهد به الحس من وجود مجمعات سرية انتجت ثمراتها القبيحة كالماسونية وما يحميها وينفذ برنامجها - ترغيبا، وترهيبا - من إعلام، واحتجاز ذهب وصرف للمواهب في كيد البشرية (1) ، وألف مافيا.
ومن السذاجة ان يوصف التغيير العولمي بأنه معجوز عن تفسيره، وأن توكل مهمة التفسير لعلم الاجتماع التقليدي,!! بل أصل العولمة العالمية لا العلمانية، وهي إنباء شرعي صادق يرفض العولمة الراهنة,, وأصل العولمة الراهنة ميتافيزيقيات منسوبة الى دين الله كذبا,, بدأت بتحريفات وتبديلات في كتب العهد القديم والجديد من انتظار (المسيا) وهو الملك العالمي من آل داوود، فتكون اليهودية دين العالم أجمع، ويبقى غير اليهود من الأمم (المحظور عليهم ان يكونوا يهودا)، في فراغ، ويكونون جوييماً عبيدا لليهود,!! وفكرة هذا التنبؤ الجهنمي اسفار التلمود الآثمة المكذوبة.
قال أبوعبدالرحمن: ولسوء الحظ ان مثقفي العرب عرَّبوا الصالح والطالح وحرموا امتهم ترجمة اسفار التلمود كاملة، فلم يوجد معربا إلا ما نقله الخيرون من نماذجها الرديئة,, وتلاحقت الكهانة - ودين اليهود كهانة - إلى عهد نوسترادا موس (ميشال دو نوتردام) الذي يحاول البسطاء والكائدون حجب يهوديته,, وقد تنبأ بالدولة العالمية والملك الداوودي ثم نهاية العالم عام 1999م,, وكان قد هلك غير مأسوف عليه عام 1566م.
وكان أهل الكتاب الآخرون ينتظرون عودة المسيح بن مريم عليه السلام، لتكون له الدولة العالمية.
وعلم المسلمون بالدين الصحيح ان لليهود آخر الزمان مسيحا دجالا يقضي عليه عبدالله ورسوله عيسى بن مريم عليه السلام، يحكم بدين عالمي هو دين الإسلام الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ناسخا لكل الاديان.
وخلط اليهود - عمدا، وتبديلا - بين المسيح الدجال لعنه الله والمسيح بن مريم عيسى عليه السلام، ولم يعترفوا برسالة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
وعلم اليهود من بعض دينهم الصحيح الذي بدلوا أكثره أن نزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام بعد فساد عام، فحسدوا عيسى على هذه النعمة، فزعموا أن المراد ملك من اليهود من آل داوود,, وكانوا يقدرون نهاية العالم من رموز الأديان بحساب الجُمَّل، وبالكهانات، فكلما قدروا أمدا لنهاية العالم أكذبهم الواقع، فامتدوا في كفرهم، ونسبوا الى ربهم الأمر بالفحشاء والنهي عن المعروف، وقالوا: لن ينزل الملك العالمي،و لن يوجد الدين اليهودي العالمي إلا بفساد العالم، وقدَّرنا أجل فساد العالم أكثر من مرة فلم يقع، فلا بد لنا ان نحقق وعد الرب بإفساد العالم حتى ينزل الملك الداوودي ويوجد الدين الهيودي العالمي، فولدت فكرة الصهيونية السياسية العلمانية الكافرة التي تأذى منها متدينو اليهود أنفسهم، وإلى لقاء.
(1) قال أبو عبدالرحمن: الوعي بهذا متأجج في عقول مفكري العالم، ولكن النفوذ الصهيوني اليوم أقوى من القدرة على البوح، ووضع النقاط على الحروف، لسلطة الإعلام والمال والقانون وألف مافيا,, ولكل أجل كتاب.
|