كثيرون من الشعراء يعمدون الى بعض قصائدهم فيمزقون ابياتها لتساير هذه المزق شعر التفعيلة، واقدم من فعل هذا عندنا محمد حسن عواد - رحمه الله -.
ومن المتأخرين الدكتور غازي القصيبي.
والشاعر احمد الصالح (مسافر) من الشعراء المحسنين، وله اهتمام ظاهر بشعر التفعيلة ولكنه ينزع ايضا الى ذلك التمزيق الذي من حسناته او سيئاته - لا ادري- تعدد الدواوين ولا اريد العودة الى ما سبق ان ذكرته مرارا عن هذا الاسلوب في الابداع ولكني اقول:
لماذا لا تدعون السليم سليما على الاقل؟
وهذا الديوان: انتفضي ايتها المليحة كان حبيبنا الشاعر احمد الصالح قد اهداه الي، ولا ادري,؟
لماذا سبقه في العرض ديوان آخر له اتى بعده
- لندع هذا ولنأخذ بشيء من حديث عن هذا الديوان الذي نشر سنة 1403ه في 111 صفحة من القطع دون المتوسط.
ويشتمل على سبع وعشرين قصيدة كثير منها اتى على نظام التفعيلة واغلب هذا النوع من هذا الرمز الذي لا نفقه منه شيئا كأنك في قراءته تلعب (لعبة الدلَّالة) ولنأخذ منها على سبيل المثال: في ضيافة ابي الطيب هذه القصيدة التي لولا وجود بعض الاشارات لظننت ان ابا الطيب هذا احد عشاق الرمز المنغلق من المعاصرين وهذه الاشارات في قوله ص48:
يا ابا الطيب,,!!
ما أنضجت جلد الآبق المخصي
ما كشَّفت عن سوءاته
انَّ احداث (ابي المسك)
تعاويذ حواةٍ
وتعاويذ القوافي - يا ابا الطيب -
اقوى أبجدية
***
يا ابا الطيب,,,!
هذا,, تخت بلقيس
وكافور,,؟!
يبيع التخت في سوق المزادات
كأسلاب سبيّة
ان في عينيه أمراض النخاسات
وفي أذنيه,, يدمى الجرح
ما اهتزت به النخوة,, يوما
أو سرت في نبضه روح الحمية
***
يا ابا الطيب,,؟!
- عفوا -
بح صوت الشعر
والحراس,, باقون على الافواه
كافور,,؟؟
- سخين العين
يسقي ربه الخمر
وخيل الله,,؟؟
تبكيها عيون بعد مازالت صبية
بعد,, ما زالت عيون عربية,,
اما صدرها فمنه ص45:
قالت: (حذام):
امرتهم امري بمنعرج اللوى
نفضوا ألقهموا
وداكوا الامر فيما بينهم
وتذكروا,,,؟!
مأساة (صفين)
وللاحداث رائحة النسيء
والخيل,,,؟
عاكفة على أكفان (بلقيس)
نسف دموعها
والنوق,,؟؟
أغطش حزنها شمس الظهيرة
والمروءة لا تجيء
***
قالت (حذام)
انهم لم يستبينوا النصح
واتخذوا (حديث الافك)
بعض حديثهم
و(أبي ابن سلول),,؟؟
عن عوراتهم,, لما يفيء
(وبنو قريضة),,؟!
أولمت (كافور)
عجلا لا يخور
وقدمته الى (عزير),,؟!
تائبا,, عن خير ما يؤتى
وفي شفتيه رائحة السبيء,,
ولست أنكر اني فهمت شيئا مما قد لا يستساغ قوله هنا هذا الفهم الذي ان صح فانه يدل على ان هذه نظمت في اواخر القرن الماضي - الرابع عشر للهجرة بل ان تاريخ نظمها في 27/12/1397ه.
على ان في هذا الديوان من القصائد ما يروق ذوقي المتخلف عن اذواق بعض مريدي الشعر صح ام لم يصح.
ومن اوائل هذه القصائد (بلقيس) التي جاء في صدرها ص 21:
يا شاعري,, جرحك الغالي يسيل دما
وناظراك على المأساة,, كم كتما
الحزن يكبر في جنبيك,, فاجعة
وكنت في أعين العشاق متهما
ما أطهر الجرح في أحشاء عاشقة
كانت بقلبك حبا,, والنساء دمى
ويرق شاعرنا حينا حتى لتكاد تسمع في شعره نجوى ابن زيدون او شكوى بشار واكثر ما تجيء هذه الرقة العذبة في شعر الغزل على نحو من قوله ص33:
حلولك,, في قلبي,, وبوح مشاعري
وفي النبض كم تأتين,, نفثة ساحر
سرت بي,, الى دنياك,, عين بصيرة
وتأبى الليالي,, ان تكوني,, مسامري
نهاب الهوى,, ان ينشر الشوق بيننا
ونخفي حديث الحب,, عن سمع عابر
***
أعيذك,, من إثم الصدود وظلمه
ومن رحلة النسيان,, عبر مشاعري
أعيذك ,, ان يغتال ظنك,, طيبتي
ومثلك,, في سمعي,, وانسان ناظري
اليك الحروف الخافقات,, بأضعلي
تناهت معانيها,, فضجت,, بخاطري
لعينيك,, عتبي العاشقين,, وعشقهم
وكم جئت,, في بالي,, قصيدة شاعر
وان شئت فانظر البيت ص 34:
اليك الحروف الخافقات,, بأضلعي
تناهت معانيها,, فضجت,, بخاطري
كيف صور لك تلجلج الحروف وخفقها في صدره وقد بلغت معانيها غاية الاشتياق حتى صار حنينها ضجيجا، انها صورة رائعة الحسن وليست بالفريدة بل لها كثير من النظائر في شعر هذا الشاعر المحسن, وهنا قصيدة يبدو فيها الشاعر متحدثا عن اللغة العربية ومبلغ اهتمام دار العلوم بها وهي قصيدة فيها روح الغزل الطرية الندية لولا بعض من تلك الكلمات التي تخرج عن الاطار الشعري وبخاصة انه لم يصحبها شيء من الانسجام وملاءمة المقام مثل كلمة (تصيح) في آخر هذا المقطع من صدر القصيدة: ص77
أفضت الى دار العلوم كأنما
للحسن في اهدابها,, تسبيح
ألقت الى روادها,, بفتونها
فاذا الفؤاد متيم,, وجريح
فلدى الرفوف لها حديث هامس
ولها بقلب المستهام,, صروح
يغفو كتاب الشعر في احضانها
وتكاد ابيات الغرام,, تصيح
ثم يختمها بصورة من المدح كأنما هي قطعة من الغزل نسجت لحسناء ذات دلال: ص78
يا من اليك,, تلفتت عين الرضا
وتساءلت ,,؟؟
فاذا الجواب شحيح
يقتادني,, هذا الدلال,, كأنني
طفل لديك حديثه مفضوح
ماذا تركت ,,؟!
أنا ,,, كتاب شاعر
وقصيدة,,!!
عنوانها,, التبريح
لا اشتهي,, الا يديك تضمني
تأتي,, كخفق مشاعري وتبيح
وفي الديوان قصائد مناسبات مررنا ببعض منها، ونقف هنا وقفة عجلاء عند احداها وهي في رثاء والده.
ومع ان مثل هذا الموضوع يستثير الشجون ويستحث العواطف والمشاعر فان شاعرنا هنا لم يستطع مواكبة عظم الحدث الا في ابيات من القصيدة منها: ص 82:
قلبي,, اذا اخذ الزمان حبيبه
فهواه بين جوانحي,, أمار
واذا ترصدت المنون لدربه
فله الى الدرب السوي مسار
حبي الكبير,, وفي الفؤاد من الردى
أسف له بين الضلوغ اوار
اما صدر القصيدة فانه أشبه بالنظم يجيء على نحو من قوله: ص81:
حبي الكبير,, استوحشتك الدار
والاهل,, والاصحاب,, والسمار
ومدينتي,, تبكي رفيق كفاحها
وشبابها,, وشيوخها الابرار
ومرابع ضوّعت طيب أريجها
والنخل بعد,, دموعهن غزار
على ان المصيبة - كفانا الله واياكم شر المصائب - اذا عظمت أوهنت القوى وربما حجبت القدرة على التعبير.
وللبلدان نصيبها من اهتمام شاعرنا فلقد غنى لابها وعنيزة والاحساء وحائل هذه التي يقول في مطلع قصيدته فيها ص99:
عاد هذا الهوى,, كما كان بكرا
والحديث القديم,, قد طاب نشرا
ومشى في (أجا) شميم الليالي
منشدات,, معاني الحمد,, شعرا
يوم (ماوية) تحوط قراها
وقرا (حاتم) سماحا وبشرا
لبدة (لم تزل) لماوي دارا
ولها من (أعيرف) خير مسرى
وهي قصيدة نظمت لامسية شعرية اقيمت هناك وهذا هو ما كنت انادي به اعني ان ينسج للامسيات قصائدها فلا يكون ما يلقى فيها معادا كما هي الحال في الامسيات حيث اعتاد الشعراء اعادة شيء من قصائدهم بل اذكر اني سمعت من احدهم انشاد قصيدة معينة في اكثر من عشر مناسبات وليتها كانت فصيحة.
أ,د, محمد بن سعد آل سعد