Tuesday 17th August, 1999 G No. 9819جريدة الجزيرة الثلاثاء 6 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9819


ملزم بالقيادة
د, عبدالله فهد اللحيدان

اهتم الامريكيون منذ نهاية الثمانينيات بمصير بلادهم بعد انهيار او بدء انهيار الاتحاد السوفيتي ودار جدل كبير في الدوائر الاكاديمية بين علماء السياسة والعلاقات الدولية والاقتصاد والتاريخ حول طبيعة العلاقات الدولية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وحول دور وقوة الولايات المتحدة في النظام الدولي الجديد, وخرج لنا بول كينيدي بكتابه الشهير قيام وسقوط القوى العظمى, وفي هذا الكتاب حاول كينيدي من خلال دراسة تاريخية مطولة وتفصيلية اثبات تأثير حجم الانفاق العسكري على ازدهار القوى العظمى,, وادعى كينيدي ان الولايات المتحدة في طريقها للانحدار بسبب ضخامة انفاقها العسكري بسبب التزاماتها المفرطة في الساحة الدولية وطالب بتقليل الانفاق العسكري من خلال تأهيل حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا للدفاع عن انفسهم, لقد تم نشر عدد كبير من الكتب والمقالات في الثمانينيات عن انحطاط أو بدء انحطاط الولايات المتحدة, وفي عام 1985م كتب الاقتصادي وليم اثارو تقف الولايات المتحدة اليوم حيث كانت تقف بريطانيا عند بداية القرن العشرين,, ولكن لقد دامت روما ألف عام والامبراطورية البريطانية 200 عام فلماذا تنزلق الولايات المتحدة في 50 عاماً فقط , وفي نهاية الثمانينيات عزا عالم السياسة ديفيد كاليو عجز امريكا المالي الى نفقاتها العسكرية الكبيرة ولذا اقترح كاليو سحب القوات الامريكية من اوروبا ومساعدة الحلفاء على تكاثر انتقائي للاسلحة النووية, ولقد طالب العديد من علماء السياسة الامريكيين دولتهم بخفض التزاماتها الدولية بما يتناسب مع قوتها المتناقصة.
لكن جوزف ناي الابن خالف كل وجهات النظر تلك واعتقد ان على الولايات المتحدة ان تستمر بالوفاء بالتزاماتها الدولية، ومع انه لم يعارض في خفض تدريجي وقليل للانفاق الدفاعي إلا انه اصر على ضرورة بقاء الولايات المتحدة وبقوة على الساحة الدولية لأن هذا هو الذي سيدعمها سياسيا وكذلك اقتصاديا, ويذكر ناي من خلال كتابه Bound to Lead أو حتمية القيادة والذي قام بترجمته عبدالقادر عثمان ومن منشورات مركز الكتب الأردني 1991م، يذكر ناي بأن الولايات المتحدة خرجت من الحرب العالمية الاولى وهي تملك القدرة على الهيمنة عالميا إلا انها اختارت سياسة العزلة عندما رفض الكونغرس الموافقة على الانضمام لعصبة الامم, لقد أدت سياسة العزلة الى جعل الولايات المتحدة لاعبا ثانويا في احداث السياسة الدولية, وهكذا اصبح النفوذ الامريكي في عام 1928 اقل من عام 1918 ولكن ليس لأن امريكا فقدت موارد قوتها ولكن لأن قياداتها اختارت العودة لسياسة العزلة ثم يعود ناي للتذكير كذلك بأن نفقات الولايات المتحدة العسكرية تظل معتدلة كنسبة من اجمالي الناتج المحلي الامريكي, ويوضح انه حتى في ظل برنامج البناء العسكري الكبير في عهد الرئيس ريجان وبعد استئناف الحرب الباردة بعد غزو السوفيت لافغانستان، ظل في حدود ستة بالمائة فقط من الناتج المحلي الاجمالي, وكان هذا الانفاق العسكري يقارب العشرة في المائة في عهدي ايزنهاور وكينيدي, ويجب ان نتذكر ان العبء العسكري الامريكي لا يقارن بما كان لدى قوى دولية سياسية مثل فرنسا واسبانيا في الايام الاخيرة من فترات مجدهما, لقد كرس فيليب الثاني ملك اسبانيا ثلاثة ارباع مجمل النفقات الحكومية للحرب, وخصصت فرنسا في عهد لويس الرابع عشر وروسيا في عهد بطرس الاكبر ما بين 75 - 85 بالمائة من عوائدهما من اجل الحرب والمؤسسة العسكرية, اما في الولايات المتحدة يقول ناي فإن الانفاق على الدفاع لا يتجاوز 27 بالمائة من الميزانية الفيدرالية بما في ذلك ما يتلقاه المحاربون القدامى من معاشات ومنافع, كما ان التزامات الولايات المتحدة في الخارج لا تتضمن ولا تشتمل على احتلال وادارة بلدان تمت هزيمتها.
ثم يؤكد ناي على ضرورة التوازن بين القوة الخارجية والعسكرية من جهة والقوة الداخلية والاقتصادية من جهة اخرى, على انه من الممكن ان يشهد بلد ما انحطاطا في احد جانبي القوة ولا يشهده في الجانب الآخر، فعلى سبيل المثال ازدهرت هولندا القرن السابع عشر داخليا ولكنها انحدرت من حيث قوتها العسكرية لأن امما اخرى اصبحت اقوى منها, أما اسبانيا فقد خسرت قوتها العسكرية الخارجية نتيجة لانحطاطها الاقتصادي المطلق في الفترة من 1620 - 1690م, ويؤكد ناي على ان وجهي القوة مترابطان فالتدهور الداخلي يمكن ان يسهم في فقدان القوة الخارجية كما ان ضعف القوة الخارجية او بروز قوى دولية اقوى قد يضعف القوة الداخلية والاقتصادية خصوصا في ظل تزايد الاعتماد المتبادل في نهايات القرن العشرين.
ولكن لماذا يشغل الامريكيون انفسهم بالسلطة والقوة؟ لماذا لا يركزون على رغد العيش كالسويديين والكنديين؟ ويجيب ناي"ان الولايات المتحدة ليست في نفس الموقف الجيد سياسياً كالسويد وكندا, انها لا تستطيع ألا تهتم بالسياسات العالمية, وإذا ما تخلى اكبر بلد في العالم عن القيادة كما فعلت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الاولى فستكون العواقب وخيمة على الجميع, ويطالب ناي بتأسيس مفهوم جديد للقوة لأن موارد القوة تختلف من عصر إلى آخر ويعتقد ان المشكلة الامريكية ليست مشكلة انحطاط داخلي مثل تلك التي واجهت بريطانيا ولا هي مشكلة تحد من منافس صاعد مثل تلك التي واجهت المانيا، ويرجح ان الولايات المتحدة ستبقى القوة القيادية لكنه يوجّه (بتشديد الجيم) النظر الى ظهور مشاكل جديدة تتعلق بزيادة الاعتماد المتبادل من خلال نمو التجارة العالمية وظهور مشاكل جديدة مثل البيئة والمخدرات والارهاب والايدز ويطالب بقيام تنظيمات جديدة تتضمن توزيع القوة بعيدا عن الدول مع بقاء جدول الاعمال الجيوسياسي الكلاسيكي للامن الدولي جنبا إلى جنب مع مشاكل الاعتماد المتبادل الجديدة.
ونحن نتساءل في نهاية هذا المقال هي يعني ناي اضعاف الامم المتحدة وبناء تنظيمات دولية تجارية وأمنية بعيدا عن سلطتها مع بقائها الرمزي كمخلفات من الصراع الدولي الذي دار في القرن العشرين.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
القوى العاملة
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved