عندما عرض الغايكنت بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا خطته تهويد فلسطين على السلطان العثماني عبدالمجيد بن محمود عام 1840م كان واضحا جداً ان هذه الخطة تعتمد على تهجير اليهود من مختلف اقطار العالم الى فلسطين، لكن لم تؤد الجهود التي بذلتها بريطانيا والاجراءات القانونية العثمانية التي كان الهدف منها تشجيع اليهود على الهجرة الى فلسطين الى اية نتائج في حينه لانه لم تكن لليهود اي روابط وجدانية بفلسطين وذلك لسبب بسيط جداً وهو ان الطوائف اليهودية في مختلف اقطار العالم ينتمون انتماءً تاماً الى تلك الاقطار التي خُلقوا فيها وعاش اجداد اجدادهم على ترابها منذ القدم، فأي شيء -مثلاً- يربط اليهودي الخزري بفلسطين؟.
ولنفرض ان هناك نسبة ضئيلة من يهود العالم هاجر آباؤهم قبل الفي سنة من فلسطين افلا تكفي عشرون قرناً لتوثيق روابط انتمائهم في تلك الاقطار التي هم فيها؟ ولذلك لم يلتفت اليهود الى تلك الخطة البريطانية التي وافقت عليها الدولة العثمانية لانه ليس من المعقول ان يترك اليهودي الجرماني -مثلاً- بلاده التي ينتمي اليها ومصدر رزقه ورفاهيته ويذهب الى بلد ليست له بها روابط وجدانية لاسيما انه يعلم يقيناً انها من افقر بلاد العالم ولذلك كان اليهود الذين يعانون في اي قطر من اقطار العالم او الذين يبحثون عن مستويات معيشية افضل او يطمحون الى مزيد من الثراء يهاجرون الى الولايات المتحدة الامريكية وكندا وامريكا اللاتينية واستراليا او ينتقلون من قطر الى قطر داخل اوربا، اما فلسطين فانها كانت آخر ما يمكن ان تخطر في بال طالب الهجرة اليهودية آنذاك.
وكان هذا باعثا لليأس بالنسبة لخطة تهويد فلسطين لكن الانجليز الذين هم اكثر امم الارض مقاومة لليأس واقواهم صبراً ومجالدة للصعاب بحثوا عن وسائل تضمن لهم انجاح خطتهم الماكرة فكانت هذه الوسائل هي توجيه الزعماء اليهود والمنظمات اليهودية الانجليزية لتقوم هي بالدور الذي من شأنه ان يبعث المشاعر اليهودية باتجاه فلسطين وتكوين مجتمع يهودي استعماري فيها بواسطة الهجرة الجماعية فكان موسى منتيفيوري رئيس الطائفة اليهودية في بريطانيا وكان الاتحاد اليهودي الانجليزي هما اول من استجاب لتلك الخطة بعد ست عشرة سنة وقد حذا حذوهما العديد من الشخصيات والمنظمات اليهودية في بريطانيا وغيرها من الاقطار الاوروبية قبل ان تظهر المنظمة الصهيونية الى الوجود حيث وحدت العمل في هذا السبيل واعطته دفعاً حيوياً منظماً بعد ان حققت الجهود المتفرقة بعض النجاح فابتدأ بذلك عهد ما اسماه المؤرخون اليهود ب الهجرة المنظمة 1
والمقصود بالهجرة المنظمة هو اخضاع الهجرة الى خطة سرية محددة قامت عليها في العهد العثماني لجنة خاصة من المنظمة الصهيونية، اما في عهد الانتداب البريطاني فقد انيطت هذه المهمة بالوكالة اليهودية التي تولت جمع الاموال من الهيئات والافراد اليهودية في العالم ومن الحكومات المتعاونة والمتعاطفة معها وتولت انفاقها على استقدام اليهود من مختلف البلدان وتوطينهم في فلسطين بالتنسيق مع حكومة الانتداب البريطاني.
وقد وضعت المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية شروطاً للهجرة لا تخدم تطلعات اليهود التي بدأت تظهر نحو فلسطين بشكل عام وانما تخدم اغراض عتاة اليهودية العالمية بشكل خاص والتي كانت تهدف الى تحويل فلسطين الى وكرٍ للارهاب الدولي ومصدر للعنف الدموي والتخريب الفكري ليس ضد شعب فلسطين والعرب وحسب، بل ضد العالم والخير في العالم بأسره.
وتتلخص تلك الشروط بان حق الهجرة ومشروعيتها لا تصح لأي يهودي يرغب فيها، وانما تختار الوكالة اليهودية من بين الراغبين في الهجرة ممن تتوفر فيهم واحدة من اربع مزايا: اولها: ان يكونوا عمالاً او مزارعين شباباً اقوياء ممن ادوا خدمة عسكرية او نالوا حظاً من التدريب العسكري او الفني او تكون لديهم الاستعدادات النفسية والجسمية المطلوبة, وثانيها: ان يكونوا حزبيين صهيونيين متعصبين للفكرة القومية!! اليهودية محترفين في حرب العصابات متفرغين لها تدربوا تدريباً عسكرياً كافيا, وثالثها: ان يكونوا من اصحاب الاموال الذين بامكانهم ان يقيموا المستوطنات الزراعية والمشروعات الاستيطانية التي تعطي الهجرة اليهودية الى فلسطين معنى الاحتلال الاستعماري وتثبت لهم جذوراً عمرانية في عمق تربة فلسطين كما لو كانوا سكاناً محليين فيها منذ آلاف السنين، ورابعها: ان يكونوا من ذوي الكفاءات العلمية حتى لا يحتاج اليهود في فلسطين الا الى اقل قدر ممكن من المعلمين والخبراء من غير اليهود.
وقد اوصدت الوكالة اليهودية ابواب الهجرة امام كبار السن المسالمين والنساء والاطفال والمفلسين والاميين، ونسقت الوكالة اليهودية مع سلطات الانتداب البريطاني عملية قبول المهاجرين والاذن لهم بدخول فلسطين على هذه الاسس، فأي مهاجر لا تتوفر فيه المزايا المذكورة ترفض الوكالة اليهودية ان توثق قدومه الى فلسطين بالوثائق اللازمة وبالتالي تعتبره سلطات الانتداب البريطاني مهاجراً غير شرعي فيعاد من حيث أتى.
ولقد لجأ بعض اليهود المهاجرين بغير موافقة الوكالة اليهودية اختيارها ورعايتها!! الى رشوة الموظفين الانجليزي كي يتغاضوا عن دخولهم الى فلسطين فأثار ذلك نقمة الوكالة اليهودية وعمدت الى نسف عدد من السفن التي تحمل مهاجرين يهود في عرض البحر بواسطة عصاباتها المتخصصة بالارهاب، من ذلك - مثلاً- السفينتان باتريا و ستروما , 2
ويبرر احد المسؤلين في الوكالة اليهودية قتل هؤلاء المهاجرين انهم لم يكونوا من الذخيرة القاتلة، فيقول ذلك المسؤول اليهودي: ان عامل الانتقاء يعتبر عاملاً لا مفر منه في التعامل مع مشكلة الهجرة الى فلسطين وذلك لان الانتقاء يعني اختيار الشباب والشابات المدربين في اوربا لاغراض انتاجية اما في مجال الزراعة او الصناعة وفي نفس الوقت هم مدربون على الحياة في فلسطين والتي تحمل في طياتها مهام يجب ان يكونوا مستعدين لها نفسياً وجسمياً .
ان الاعتبارات العاطفية تعتبر حيوية وكل منا يرغب في انقاذ كل يهودي يمكن انقاذه من اتون اوربا ولكن عندما يكون المرء مرتبطا ببرنامج مثل برنامج الهجرة السرية فينبغي الا يكون هناك ذخيرة ميتة تعطى لاعداء الصهيونية,, فليس على فلسطين ان تمتلىء باناس كبيري السن او بغير المرغوب فيهم , 3
ان هذا التقسيم المقيت يثير في النفس الاشمئزاز والنفور ويجافي كل التعاليم الخيرة والاخلاق الفاضلة ويهوي بالانسان الى درك احط من درك الحيوانات المفترسة، فكيف يجوز لمسئول في الوكالة اليهودية ان يقسم اليهود الى ذخيرة قاتلة لها الحق ان تهاجر الى فلسطين برعاية الوكالة اليهودية وذخيرة ميتة تحرم من هذا الحق وان لم تنصع الى ذلك تباد؟ وكيف يجوز للعالم ان يقبل ادعاء اليهود بانهم بالهجرة الى فلسطين انما يمارسون حقاً يهودياً مشاعاً ومشروعاً؟ وكيف يصدق العالم او المخلصون في العالم ان هذه الهجرة اليهودية الى فلسطين لم يكن الهدف منها هدفاً عدوانياً؟
فاذا علمنا ان المهاجرين اليهود الذين قال عنهم مسئول الوكالة اليهودية بانهم ذخيرة ميتة وانهم بالتالي لا يحق لهم الهجرة الى فلسطين، اذا علمنا ان هؤلاء المهاجرين هم ممن كتبت لهم السلامة من الاضطهاد النازي وان النازيين اعطوهم فرصة للحياة فحرمهم قادتهم من هذه الفرصة بنسف سفنهم في عرض البحر، اذا علمنا ذلك وغيره فانه يحق لنا ان نطرح السؤال التالي، ايهما اظلم النازية ام الصهيونية؟.
ان الذي يطلع على الصفحات 85-118 من كتاب روجيه جارودي الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية يحكم بدون تردد ان الصهاينة اظلم من النازيين الف مرة.
لقد ادرك اليهود اهداف قادتهم العدوانية الارهابية من وراء الهجرة الى فلسطين وان هذه الهجرة لا تستقدم الا الذخيرة القاتلة ونتيجة لذلك فانه قد تدنى مستوى الاقبال على الهجرة وظهرت احتجاجات وافكار داخل صفوف اليهود ابدت تخوفها من المغامرة الارهابية التي تقدم عليها المنظمات اليهودية ضد شعب فلسطين وان نتائجها ستكون وخيمة على اليهود طال الزمان ام قصر لان الشعب الذي يتعرض للعنف والارهاب وتغتصب ارضه لابد ان يجد نفسه مضطرا للمقاومة ورد العنف بعنف مثله او اشد منه وهذه منطقية عملية وتاريخية اكثر ما تجلت في تاريخ اليهود انفسهم وعلى ارض فلسطين نفسها منذ عشرات القرون حيث كان اليهود يدخلون فلسطين كغزاة ثم يطردون منها أذلاء ملعونين بعد ان يفسدوا فيها كل فساد, 4
ورغم خداع السلطات البريطانية في فلسطين وتطميناتها للاهالي من ان الهجرة اليهودية الى فلسطين محدودة وانها تستهدف تطوير البلاد والرقي بها الى مستوى بلد متقدم الا ان الفلسطينيين ادركوا خطورة المقاصد الصهيونية وكذب السياسة البريطانية فاخذوا يتأهبون للمقاومة ولكن من واقع ضعف وبشكل يفتقر الى التنظيم الجيد والتلاحم الاستراتيجي، ولكن ومع ما كان ينقص المقاومة الفلسطينية من الامكانيات المادية ولاسيما السلاح والذخيرة فان الفلسطينيين اثبتوا ان فلسطين ليست ارضاً بلا شعب وليست شعباً بلا مقاومة كما كان يزعم الصهيونيون.
وقد كان لتضامن بعض الحكومات العربية والرأي العام العربي مع اخوانهم الفلسطينيين في محاولة ايقاف الهجرة اليهودية الى فلسطين صدى عالمياً وتأثيراً بالغاً على امتناع اليهود عن الهجرة الى فلسطين وقد بدا ان المنظمات اليهودية ليس بامكانها ان تستقدم ملايين اليهود من الذخيرة القاتلة كما كانت تريد لان اليهود الذين فقدوا مراكزهم ومصالحهم في اوربا بسبب متغيرات ما بعد الحرب العالمية الاولى تحولت حركة هجرتهم الى الولايات المتحدة الامريكية وكندا واستراليا وامريكا اللاتينية ولم تعد الهجرة الى فلسطين بالنسبة لاكثرهم الا مصيدة تمكن العصابات الصهيونية المتعطشة للدماء من رقابهم والزج بهم في اتون حرب ارهابية لها اول وليس لها آخر 5 .
وقد هدد عزوف اليهود عن الهجرة الى فلسطين مشروع الوطن القومي والدولة اليهودية بالفشل حيث تدنى مستوى الهجرة شيئاً فشيئاً حتى سجل في عام 1927م ارقاماً تحت الصفر، وذلك ان عدد اليهود الذين غادروا فلسطين كان اكثر من اليهود الذين قدموا اليها، وكان واضحاً ان المشروع الصهيوني اصبح على حافة الانهيار وان اليهود اداروا ظهورهم اليه كما اصبحت القيادة الصهيونية في موقف لا تحسد عليه من الحرج والضيق، هذه فلسطين وقد منحتها بريطانيا لكم فأين اليهود الذين تطالبون لهم بوطن قومي؟ 6
وعن تلك الفترة التي تدنت فيها مستويات الهجرة اليهودية الى فلسطين تتحدث مختلف المصادر التاريخية عن اجراءات وتدابير ارهابية اتخذتها القيادات اليهودية بالاتفاق والتنسيق مع دول الحلفاء تم بمقتضاها اقفال جميع ابواب الهجرة امام اليهود الا الى فلسطين، وقد افتعلت هذه المنظمات ما سمي بحادث البراق حيث قامت مجموعة يهودية ارهابية وبتخطيط متقن بالتجمع في الاماكن المقدسة بالنسبة للمسلمين في القدس وقاموا بممارسات وبذاءات استفزازية متعمدة تسيء الى مشاعر المسلمين فوقعت احداث ومصادمات دامية ادت الى نتائج اججت مشاعر اليهود في الاتجاهات التي تخدم مشروع الهجرة والاستيطان ولكنها ادت في الوقت نفسه الى ظهور مقاومة فلسطينية عملية.
وفي سبيل ضمان تدفق هجرة الذخيرة القاتلة الى فلسطين فقد ركزت المنظمات اليهودية جهودها على ثلاثة محاور رئيسية:
الاول: هو الايقاع بين اليهود والدول التي يقيمون فيها في اوربا وفي البلاد العربية بهدف ان يصبح اليهود فئة مضطهدة فيضطرون الى طلب الهجرة فتقوم المنظمات اليهودية بانتقاء الذخيرة القاتلة وتزج بها الى فلسطين.
الثاني: العمل على ضمان ان تكون ابواب الهجرة اليهودية من اية دولة الى الدول الاخرى مقفلة الا الى فلسطين.
الثالث: استقطاب مشاعر اليهود الدينية الى ما يجري بين طلائع المستوطنين اليهود في فلسطين وبين اهالي هذا القطر حول الاماكن المقدسة او التي يزعم اليهود انها مقدسة بالنسبة لهم وتضليل اليهود في جميع انحاء العالم الى ان حائط المبكى في خطر في حين ان حائط المبكى لم يكن في خطر قبل الهجرة اليهودية الاستيطانية الحديثة بالاضافة الى انه لا قيمة دينية له ولا حتى عند اليهود انفسهم وانما المنظمات الصهيونية الملحدة الحديثة هي التي اخترعت لحائط المبكى قدسية منذ احداث عام 1927م فقط لتوحيد مشاعر العداء للفلسطينيين ولتوجد لنفسها مبرراً مختلقاً تبرر به ارهابها ضد الفلسطينيين ولمحاولة الاستحواذ على المسجد الاقصى.
فعلى المحور الاول تمكنت المنظمات اليهودية من ضمان الاستمرار في الهجرة باعداد ضئيلة حتى عام 1933م وعلى المحور الثاني تمكنت هذه المنظمات من منع الهجرة المعاكسة ومن حصر اليهود من الهجرة الا الى فلسطين تختار منهم الذخيرة القاتلة فقط وتترك الباقين يواجهون مصيرهم المحتوم تحت أقسى الظروف واصعبها، وعلى المحور الثالث تمكنت من استثارة مشاعر اليهود ضد عرب فلسطين سواء فيما يتعلق بالاقبال على الهجرة او بدفع التبرعات لتمويل اعمال الارهاب والاستعداد لها وتدريب العصابات على ممارستها او فيما يتعلق بالانخراط في تلك العصابات واستيعاب تعاليمها والانصياع لاوامرها.
في عام 1933م فاز الحزب النازي في المانيا بالانتخابات العامة وتسلم السلطة وبدأ فوراً باتخاذ الاجراءات التي وعد بها الناخبين الالمان في برنامجه الحزبي والانتخابي في ان يخلصهم من سيطرة اليهود على مقدرات بلادهم وتحكمهم في القرار العام وتشويه الفكر وبلبلة الرأي العام، وكان الحزب النازي واضحاً منذ البدء في مناهضة اليهود واثبات انهم عدو خطر لا يمكن اتقاء شره الا بالتخلص منه، وقد طرح ادولف هتلر مؤسس الحركة النازية وقائدها في كتابه كفاحي المسألة اليهودية في المانيا والعالم طرحاً فكرياً جيداً وعالج منهجيتهم المنحرفة معالجة لا مداهنة فيها وبين بجلاء تام ان نجاح حزبه في الوصول الى السلطة سوف يعني تلقائياً تطهير الوطن الالماني من الوجود اليهودي لانهم كما قال ضيوف ثقلاء فتحت لهم المانيا مجال العيش فيها فكانوا وبالاً عليها في جميع الظروف.
وكانت مناهضة الحزب النازي لليهود والماركسية هما اهم عوامل صعوده واقبال الجماهير الالمانية على الانخراط في صفوفه واخيراً حصوله على اكبر نسبة من اصوات الناخبين الالمان، وذلك يعني ان وصول الحزب النازي الى السلطة موافقة الالمان على رفض وجود اليهود بين ظهرانيهم وبالتالي فان ذلك كان يعني قناعة يهود المانيا بان عليهم الرحيل عن بلد استضافهم فكادوا له فاصبح ينقم عليهم لكن اين المفر؟
لقد اغلقت الصهيونية كل سبل الهجرة من المانيا الا الى فلسطين والهجرة الى فلسطين محددة من قبل سلطات الانتداب البريطاني باعداد معين بحيث لا تزيد على ثلاثين الف مهاجر في السنة ومحددة من قبل الوكالة اليهودية من حيث نوع المهاجرين بحيث لا تشمل الا الاثرياء والشبان والشابات اي الذخيرة القاتلة كما قالوا.
لذلك فقد رحبت الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية بوصول النازي الى الحكم في المانيا لانه سيوفر لها مزيداً من المهاجرين، فاليهود الالمان يزيدون على خمسمائة الف نسمة سوف تختار منهم الوكالة اليهودية خمسين الف مهاجر من الذخيرة القاتلة وتترك الباقين يتعذبون او يموتون.
وقد جاء ترحيب الصهيونية على لسان حاخام برلين وهو صهيوني متعصب حيث قال: ان حكم هتلر هو بداية عودة اليهودي الى يهوديته 7 ويورد الدكتور عبدالرحيم احمد حسين في كتابه النشاط الصهيوني ان المؤتمر الصهيوني الثامن عشر الذي عقد عام 1933م استبعد مناقشة اضطهاد النازيين لليهود وعارض اصدار قرار يدعو الى مقاطعة البضائع الالمانية وانه مقابل ذلك سمح النازيون للاتحاد الصهيوني الالماني بممارسة نشاطه علناً وبحرية تامة وان النازيين التفتوا الى التعاون مع المنظمة الصهيونية وانه نتيجة لذلك ازداد توزيع المجلة الصهيونية في المانيا من خمسة آلاف نسخة الى اربعين الفاً كما سمح للاتحاد الصهيوني بجمع التبرعات من يهود المانيا وانه وقعت اتفاقية نقل متبادل بين الطرفين النازي والصهيوني بتاريخ 2/8/1933م يتم بمقتضاها تصدير السلع الالمانية الى فلسطين مقابل اموال اليهود الذين يتم اختيارهم من قبل الصهيونية للهجرة الى فلسطين وتصدير الحمضيات من فلسطين الى المانيا، ولقد ساهمت تلك الاتفاقية في تسهيل هجرة ستين الف يهودي الماني الى فلسطين في السنوات ما بين عام 1933-1939م وبلغ اجمالي المبالغ التي حولت على هيئة بضائع المانية اكثر من اربعين مليون دولار امريكي, 8
فاذا علمنا ان يهود المانيا كانوا بحدود 500-600 الف فان المنظمات الصهيونية قد اختارت منهم ستين الف نسمة فقط وتركت الباقين يواجهون العذاب الشديد، وقد استمرت الاتفاقية المذكورة معمولاً بها وكذلك العلاقات الصهيونية النازية الطيبة حتى عام 1944م حيث عقدت اخر صفقة هجرة فخرية بين الصهيوني كستنر والنازي ادولف ايخمان بتهجير 1680 يهودياً اذ ارتضى كستنر الصهيوني تسهيل مهمة قتل بني جلدته من اليهود مقابل انقاذ عدد محدد من اقربائه ومن بعض الصهيونيين, 9
ان الامر الذي لا جدال فيه هو ان المنظمات اليهودية والمسؤولين فيها والمفوضين عنها في الدول الاوربية قبيل الحرب العالمية الثانية وأثناءها وبعدها كانوا قد الزموا كل الدول المتحاربة بعدم قبول مهاجرين يهود بموجب اتفاقيات مكتوبة وغير مكتوبة وعقدوا اتفاقيات مكتوبة وغير مكتوبة على تهجير من تختارهم هذه المنظمات من بين اليهود الى فلسطين بالطرق التي يسمونها مع سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين مشروعة وبالطرق غير المشروعة، ولما كانت المنظمات اليهودية الصهيونية ترفض تهجير المسالمين وكبار السن والاميين من اليهود وتعمد الى نسف السفن التي تحملهم في البحر اذا حاولوا الوصول الى فلسطين لانهم ذخيرة ميتة كما قالوا ولانهم لا يريدون فلسطين ان تمتلىء بامثال هؤلاء حتى لا يكونوا عالة عليها، ولما رفضت المنظمات اليهودية الصهيونية قبول عروض الدول المختلفة لايواء اعداد من اليهود اللاجئين في كل مكان اثناء الحرب العالمية الثانية فانه كان لابد من ان يواجه هؤلاء اليهود الموت الجماعي باسباب الامراض وسوء الاحوال الصحية والجوع والقتل احياناً عند محاولات الهرب او تخلصاً من اعاشتهم في معسكرات الاعتقال والتحفظ.
لقد كانت القيادات اليهودية منهمكة في عملية غزو فلسطين والاعداد لحرب الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني وضد شعوب المنطقة كلها فاستغلت وصول النازيين للحكم في المانيا وظروف الحرب فيما بعد حيث تحول يهود جميع المناطق التي احتلها النازيون في اوربا الى لاجئين ومعتقلين فأخذت تنتقي منهم الذخيرة القاتلة.
لذلك فان ستة الملايين يهودي الذين يزعم انهم لاقوا حتفهم موتاً جماعياً او قتلاً في بعض الاحيان، انما تقع مسئولية فنائهم بتلك الصورة المفزعة على عاتق المنظمات اليهودية نفسها قبل ان تقع على عاتق النازيين او سواهم من الجهات التي تعاونت مع النازيين او مع الصهيونيين كل لمآربه الخاصة لكن اقبح تلك المآرب هوالمأرب الصهيوني كما ان اقبح هؤلاء القتلة هم القتلة الصهاينة لماذا؟ لانهم غدروا ببني جلدتهم.
ان الابادة الجماعية التي تعرض لها يهود اوربا ابادة حقيقية ولكنها لم تكن بالصورة التي زعمها اليهود لامن حيث العدد ولامن حيث الوسائل المستخدمة لتنفيذها ومهما كان من امر فهي عار في جبين البشرية لكنها لم تكن نتيجة مخطط نازي كما ادعت وتدعي الصهيونية وانما نتيجة مخطط الهجرة اليهودية الى فلسطين الذي رسمته ونفذته الصهيونية بجميع منظماتها المتفرعة عنها, 10
لقد حصلت المنظمات اليهودية على ما يقارب مائتي الف مهاجر يهودي من المانيا نفسها ومن البلدان التي تعرضت للاجتياح النازي وكان ذلك قد تم باعتماد المنظمات اليهودية على توثيق علاقاتها مع الحكم النازي الذي اعطى لها حرية الاختيار في تهجير الاف اليهود من ملايين اليهود الالمان وسوقهم الى فلسطين كما تم ذلك ايضاً باعتماد المنظمات اليهودية على انصياع دول الحلفاء للادارة الصهيونية في قفل ابواب الهجرة امام اليهود الى اي بلد تحت سيطرتها ما عدا فلسطين.
لقد تواطأت جميع دول الحلفاء وحتى دول المحور مع الصهيونية العالمية على حصر اليهود بالاجراءات العسفية اللاانسانية كي ينصاعوا للمطلب الصهيوني القاضي بتهجير الذخيرة القاتلة منهم الى فلسطين وتسليم ارواح الباقين الى منجل الفناء، صحيح ان النازيين كان في صلب اعتقادهم تطهير المانيا من اي وجود يهودي، لكن هذا التطهير كان سيتم بواسطة التشريع الذي حددت منطلقاته على اساس ان مواطنة الرايخ الثالث يجب الا يتمتع بها الا الجنس الآري وبالتالي فان اي يهودي او غير يهودي من الاجناس البشرية غير الآرية سوف يفقد حقه بالمواطنة الالمانية تلقائياً وبالتالي لا يكون من حقه ان يقيم في المانيا الا بموجب انظمة اقامة الاجانب، وقد بدأت هذه التشريعات منذ ان وصل النازيون الى الحكم عام 1933م ولهذا فقد فتحت المانيا الابواب على مصارعها لليهود كي يغادروا المانيا تلقائيا الى اي بلد يختارونه, 11
وحيال ذلك سعت الصهيونية بكل ما اوتيت من خبث ودهاء الى اقناع الحلفاء باقفال ابواب الهجرة امام اليهود الا الى فلسطين، ثم سعت من جهة اخرى الى توثيق علاقاتها مع الحكم النازي من اجل تهجير اليهود الى فلسطين وقد رحب النازيون بالتعاون مع المنظمات اليهودية بهذا الشأن الذي لم يكن هناك سبيل غيره لاخراج اليهود من المانيا بعد ان اقفلت دول الحلفاء ابواب الهجرة اليها والى مستوطناتها ما عدا فلسطين.
ولما اتضح للنازيين ان المنظمات اليهودية لا تختار للهجرة الى فلسطين الا فئات معينة من اليهود هم الذخيرة القاتلة وهم اقل من 10% من اليهود وتترك الباقين ليكونوا عالة على المانيا وعلى البلدان التي دخلتها المانيا اثناء الحرب بنت لهم المعسكرات الضخمة وجمعتهم فيها ليسهل عليها امر اعاشتهم وللحيلولة دون تحولهم الى المقاومة ضدها وبالتالي اعدادهم للترحيل الى البلدان الاخرى متى ما اتيحت لهم فرصة لذلك، وقد ابدت المانيا استعداداً لترحيل اليهود الى اية دولة تقبلهم وفي نفس الوقت ابدت كثير من الدول استعدادها لقبول اعداد كبيرة من اليهود لكن المنظمات الصهيونية عارضت كل مبادرة من هذا القبيل, 12
وهكذا جنت الصهيونية وعصاباتها الارهابية على بني جلدتها فتركتهم لمناجل الموت تحصدهم في معسكراتهم جوعاً وبرداً ومرضاً وفي بعض الاحيان قتلاً بسبب تمردهم داخل المعسكرات او بسبب محاولاتهم الهرب منها او بسبب الغارات الجوية والقصف المدفعي من قبل الحلفاء.
لم تكن ابادة اليهود نتيجة لمخطط ابادة من اجل الابادة اذ لم يقم حتى الآن ولا دليل علمي واحد على ذلك لامن خلال الوثائق والمستندات الالمانية الرسمية التي استولى عليها الحلفاء والتي لم يعثر فيها على أي دليل او خطة توضح أي النازيين نفذوا خطة ابادة ضد اليهود من اجل الابادة ولا من خلال محاكمات رؤوس النازية في محكمة نورمبرج الذين لم يعترف اي منهم بانه اصدر امراً او نفذ خطة بابادة اليهود, 13
بل بالعكس من ذلك فان الادلة والقرائن قد ظهرت ضد المنظمات اليهودية تدينها بإبادة اليهود من اجل الهجرة وهي ابادة اذا ما دققنا النظر من اجل الابادة، وما نسف السفينتين باتريا و ستروما الا شاهدان على ذلك، ومن هنا فان اليهودية العالمية عندما شنت حملتها الدعائية ضدالنازية بعد نهاية الحرب وليس قبلها او اثناءها وحملتها مسئولية ابادة ستة ملايين يهودي وابتدعت ان النازيين استخدموا افران الغاز لقتل اليهود وغير ذلك من التلفيقات انما ارادت ضرب عصفورين بحجر واحد.
الاول: التغطية على الدور المخزي للمنظمات اليهودية في قتل اليهود والذي اقدمت عليه هذه المنظمات في سبيل الحصول على مهاجرين يهود الى فلسطين من الذخيرة القاتلة، والثاني استدراء عطف العالم للحصول على التأييد المعنوي لقضيتها ضد العرب وللحصول على مزيد من التبرعات والمعونات المالية وللحصول على المزيد من المهاجرين من الذخيرة القاتلة, 14
لو اردنا الاحاطة بهذا الجانب من حقيقة تحويل فلسطين الى مستعمرة يهودية واقامة دولة لقيطة فيها وتكوين مجتمع من شذاذ الافاق على ارضها الطاهرة لما اتسعت له الصفحات الكثيرة لكني اختم هذه الفقرات من بحثي حقيقة اسرائيل بخطة اول رئيس لوزراء اسرائيل دافيد بن جوريون والخاصة بارهاب يهود العراق وهم اكبر جالية يهودية في المنطقة العربية وذلك عن طريق القاء القنابل والمتفجرات على محلاتهم وبيوتهم ومعابدهم في بغداد بواسطة عملاء يهود جندوا لهذا الغرض بشكل سري ثم شنت وسائل الدعاية الصهيونية حملة شعواء ضد العراق ادعت انه يعمل على ابادة اليهود وكان القصد من هذا العمل ارهاب يهود هذا القطر من اجل اجبارهم على الهجرة الى فلسطين كما حدث بالفعل, 15
للموضوع بقية
المراجع:
1- مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث ص 75 الدكتور عبدالعزيز محمد عوض.
2-3 النشاط الصهيوني خلال الحرب العالمية الثانية ص 100 ص 217 الدكتور عبدالرحيم احمد حسين.
4-5 جذور الارهاب واهدافه ص 106ص 107 للباحث.
6- نشاط الوكالة اليهودية لفلسطين ص 130 الدكتور محمد عبدالرؤوف سليم.
7-9 النشاط الصهيوني ص 178،182،222.
10 - الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية ص 120-200 روجيه جارودي.
11- جذور الإرهاب ص 111.
12- النشاط الصهيوني ص 209-220.
13- الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية ص 120- 200.
14- جذور الارهاب ص 113.
15- جريدة الشرق الاوسط بتاريخ 12/9/1986م مقالة بقلم الاستاذ عرفات حجازي.
- الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية ص 108.
|