تبعثر تلك الصور تلمع تلك البراويز,, ثم تعيد تصفيفها وتشكل ترتيبها بشكل آخر,, بعد ان تقبل كل واحدة على حدة.
وبقبلات الأمنيات ان يكون لها ولو واحد من مثل هذه المجموعة لهذا الكم من الصور والتي بدأت جمعها منذ سنوات منذ بدأت تشعر بذلك العطش,, عطش الأمومة الى الطفولة.
عطش يكاد يفتت حنايا صدرها كما بدا يتآكل معه عماد صبرها,, جفاف ترتعد منه شرايين قلبها والشوق الى الطفولة يحشو اروقة قلبها الظمأى وبشكل لا ارادي تنسحب خلف رغبة أذنيها حينما يشدها شدو الأطفال وهم يغردون كالعصافير فتقف امام الشباك بلا شعور بالممل الى ما شاء الله بابتسامة من شفاه ارهقها الحنين حتى ينصرف آخر طفل من عند باب مبنى الروضة المقابلة لمنزلهم.
لم تيأس يوما من كرم الله,.
ولكن التعصب الجاهلي قد نسجت عليه العنكبوت خيوطها في ذلك الرأس الذي يحمله من يعد زوجها شكلا ولم يشعر بمعاناتها يوما,,
هي تضحي بعمرها,.
أياماً تحترق تحت لهب الانتظار,.
تحلم حلما أزليا لم يزل في قيود الأسر,.
يثور بهياج لو حاولت ان تفتح معه الموضوع.
يقول لها: إن زيارة الطبيب طعنة لكرامته من خنجر العار وأنه أصلا ليس بحاجة لتلك الزيارة.
ويختصر الطريق لأقرب الحلول: أن يعرض فكرة زواجه من أخرى,, ليكتم أنفاس الأمل في بريق عينيها ويسكت هاجسها المزمن,, ثم يتراجع عن تلك الفكرة مظهرا بطولة أخرى مزيفة في ساحة اللامبالاة بمشاعر تلتهب,, أجل ان ما يمنعني من ذلك هو حبي لك واحترام خاطرك ومع انها لم تقتنع تماما، إلا انها تحاول الانشغال بحمل أكواب الشاي من أمامه: وتضيف بانسحابها محاولة أخرى وقد وئدت في مهدها تضاف الى سابقتها,, وذات يوم كانت تعد القهوة لزوجها وأمه، فصفعت مسامعها كلمات أمه حين قالت: الشجرة التي لا تثمر ياولدي قطعها ابرك أو على الأقل غرس ما يثمر بجانبها, رد عليها بنبرة المغلوب على أمره: ما باليد حيلة ياأمي طال الله عمرك,, وش يمنعك,, ما عليك إلا تأشر وبس والباقي اتركه علي,, أجابها وهو يقلب صفحات الجريدة ليتوه الموضوع بين صفحاتها: بعدين ياأمي: بعدين,, اهتز قلبها المرهق من صدى تلك الصفعة,, لم تكن تتوقع ان تنعت بتلك الصفة من إنسانة اعتبرتها في منزلة والدتها ولم تأل جهدا لراحتها وخدمتها منذ زواجها لابنها الذي قطفت له من ثمار قلبها الحب وإخلاص العطاء,, احسست ان عطاء سبعة عشر عاما وهو عمر زواجهما لم يشكل أي رصيد في قلب تلك الأم التي لم تحسن انتقاء النصيحة لابنها,, وخالجها الشك أيضا في الرصيد الذي يكمن في قلب زوجها,, وفي صباح ذات يوم من ايام اجازته افاقت على صوت رنين الهاتف وأيقظته ليرد على من طلبه في تلك المكالمة,, بعد المكالمة قام مسرعا: هيا أسرعي واحضري حقيبة السفر الكبيرة واعدي اغراضي وجهزيها قبل المساء فأنا مسافر مع (الربع),, اخفت المفاجأة بين أهدابها: ولكن الحقيبة الكبيرة تختص برحلات أوروبا,, قاطعها: أجل سنسافر لأوروبا هذه المرة وربما تطول الرحلة,, حاضر سأحضرها من المخزن وانظفها فهي لم تستخدم منذ سنوات وستكون جاهزةذذذذذ, وضعتها على السرير لتضع فيها ملابسه,, فتحت احد ادراجها ولمحت ظرفا قد أثر فيه الضغط لطول المدة تناولته وفتحته بتوجس وجدت فيه مجموعة أوراق يحتويها ملف صغير قرأت بعض العناوين المكتوبة باللغة العربية (فالغالب عليه اللغة الأجنبية) فهمت منها انه ملف طبي قرأت اسم من يخصه فوجدته اسم زوجها باللغتين,, حاولت بلهفة ان تقرأ ما كتب باللغة الأجنبية قدرما تستطيع اتسعت حدقة عينيها,, أسرعت دقات خافقها,, ارتجفت يداها,, همست بحروف مرتعشة: إذاً هذا ما يجعله يؤجل العمل بنصيحة والدته في إحضار شجرة مثمرة أخرى,, واكتفى بخنق الثمار على افنان الشجرة الأسيرة لديه وقتل البسمة على ثغر ازهى حتى لا يكون لها حق الاختيار لاحتواء الندي واستقبال المطر وانتاج الثمر ذات يوم,, مرة اخرى أعادت النظر الى ذلك الملف,, اردفت بهمس تغرقه الدموع: تحاليل عملت في أوروبا النتائج المخبرية سلبية ومنذ عشر سنوات.
دلال عبدالله الدايل - الرياض
بدأت دلال قصتها بداية موفقة تبشر بقصة ناضجة ومحكمة، لكنها لم تكد تتقدم مع قصتها سطور قليلة حتى تحولت الى شكل آخر للكتابة أفلت من بين يديها تلك الفرصة المواتية, تحديدا بدأت القصة برصد مرهف الحس للأحداث دون التدخل لاصدار أحكام على تلك الأحداث، والتزمت دلال في هذا الجزء بدور حيادي مناسب لمهمة الكاتب,, ان تنقل الحدث وتترك لنا حرية الاكتشاف والفهم كما نشاء، بل لقد حرصت ان يكون الرصد بسيطا مما أفسح المجال كله للحدث ذاته يحتشد بامكانية الدلالة: تبعثر تلك الصور,, تلمع البراويز وسنعرف بعد ذلك ان هذا الفعل البسيط قد كان يجري بفيض من المشاعر وبلجة من الأحلام المحيطة دون حاجة الى من يدلنا الى هذه المعرفة، ثم يأتي تحول دلال سريعا عن الأحداث ذاتها الى مهمة أخرى للوصف والشرح والتحليل: عطش (الى الأمومة) يكاد يفت في حنايا صدرها، كما بدأ يتآكل معه عماد صبرها,, الخ وبدءا من هنا كانت دلال قد قررت ان تتخلى عن بطلتها لتضع نفسها مكانها وتتحدث نيابة عنها، ولهذا سيطر صوت الراوية بشكل سافر بعد ان كان خافيا نكاد لا ننتبه اليه في مطلع القصة، ليت دلال استمرت على نحو ما بدأت لتكون قد قدمت لنا قصة فريدة في التجربة الفنية والموضوعية معا.
حين تبني قصة قصيرة نفسها على الدفع بأحداث صغيرة متتالية، يبقى بداخلنا ذلك التوق الإنساني الفطري الى معرفة النتائج التي يمكن ان تنصرف إليها الأحداث، ومن ثم نظل مشدودين الى المتابعة بشغف,, هذه ميزة فقدتها دلال بكتابتها الوصفية والتعليقية، ولعلها قد شعرت بهذا نفسها، مما اضطرها الى التخطيط لتوجيه السرد الى مسار شبه بوليسي يعتمد على المفاجآت والمفارقات,, مفاجآت في اكتشافات مواقف الزوج ومواقف أمه غير المنتظرة او المتوقعة، صحيح انها تكرس لزيادة تأزم البطلة النفسي ولكنها في معظمها تفتقر الى التبرير الموضوعي والمنطقي في هذه المرحلة او تلك من تقدم القصة وقبل ان تنتهي بالمفاجأة الكبرى في اكتشاف التقرير الطبي, والمشكلة في استخدام هذا الأسلوب انه يسلب من القصة أهمية المعنى والهدف، ليستأثر بها لنفسه حيث يصبح هو في ذاته القوة المسيطرة على ذهن القارىء اثناء القراءة، وموضوع التأمل والمراجعة بعد الفراغ من القراءة.
خارج هذه الملاحظات على شكل الكتابة وأسلوبها تعرض علينا دلال مشكلة اجتماعية على غاية من الأهمية نظرا الى انها تمس جوهرا في إنسانية الإنسان، وحقه المشروع في صون الكرامة والحفاظ على ذلك الجوهر، فها هي بطلة دلال المغلوب على أمرها تحرم من انسانيتها بقسوة دون اعلان واضح لهذا الاعتداء وكأن أحدا لا يمسسها بسوء, هذه نقطة تضاف الى منجز صديقة الصفحة دلال عبدالله الدايل في هذا العمل تقلل من وطأة الإحساس بما خسرته في أسلوب المعالجة.
تملك دلال ايضا لغة جيدة، بقليل جدا من الاهتمام ستبلغ مكانة مميزة في كتابة القصة, هذه ليست مجرد أمنية طيبة ولكنها ايضا ثقة نودعها في صديقة الصفحة الحريصة على تواصل دائم معها.
|