نشرت الصحف يوم السبت الماضي البيان الذي أصدرته وزارة التخطيط حول الأهداف العامة والأسس الاستراتيجية للخطة الخمسية السابعة (1420/1425),.
وقبل الخوض في التحليل الموجز للأهداف العامة والأسس الاستراتيجية,, أود التمهيد - في عجالة - باسترجاع التطور التاريخي لجهود التخطيط العلمي الشمولي وتقويم الخطط السابقة,, مؤكدا بوضوح على أن الانطلاقة الفعلية للتخطيط الوطني التنموي في المملكة بدأ في عام 1380ه وليس في عام 1390ه كما يشير معظم الكتاب معتمدين على أن الخطة الخمسية الأولى بدأت في عام 1390ه، ملغين عقداً كاملاً من جهود وعمل وطني دؤوب,, فلقد صدر المرسوم الملكي رقم 50 في عام 1380ه الذي قضى بإنشاء المجلس الأعلى للتخطيط,, وحدد صلاحياته على النحو التالي: تخطيط ورسم سياسة الإنماء الاقتصادي والإشراف عليها ومتابعة تنفيذها.
وفي عام 1384ه صدر المرسوم الملكي رقم 90 بإنشاء الهيئة المركزية للتخطيط ويرأسها رئيس برتبة وزير ويرتبط مباشرة بالملك,, وكانت هذه الهيئة هي التي أعدت الخطة الخمسية الأولى,, التي بدأت في عام 1390ه وانتهت في عام 1395ه, كما أعدت الخطة الخمسية الثانية (1395 - 1400ه) ولكن هذه الخطة صدرت من قبل وزارة التخطيط بعد أن صدر المرسوم الملكي رقم 326/أ في 13/10/1975م بتحويل الهيئة المركزية للتخطيط إلى وزارة التخطيط.
ولقد كانت الخطة الأولى,, شأنها شأن أي بدايات أولية,, محدودة في حجمها ونطاقها,, ولكنها شكلت الأسس المطلوبة والتجربة المؤسسة لانطلاقة حركة التخطيط التنموي الوطني,, ثم جاءت خطة التنمية الثانية في ظل وفرة مالية,, وطفرة نقدية واسعة نتيجة لارتفاع أسعار البترول وعائداته,, ولقد تم تحقيق الكثير من المنجزات التنموية وتنفيذ العديد من المشاريع الكبرى خلال السنوات الخمس لهذه الخطة,, وتواصل تنفيذ البرامج والمشاريع خلال الخطة الخمسية الرابعة التي بدأت في عام 1400ه وانتهت في عام 1405ه ولكن بصورة نسبية أقل من سابقتها.
ومع بداية الخطة الرابعة,, بدأ الاهتمام بصيانة المكتسبات التنموية,, وتقنين الانفاق الحكومي,, الذي تأثر بتراجع أسعار البترول,, واستمر ذلك التوجه خلال سنوات الخطة الخامسة.
أما الخطة السادسة (1415-1420ه) التي نعيش مرحلتها النهائية - شهورها الأخيرة - فلقد ركزت بصورة أساسية على ترشيد الانفاق ورفع الكفاءة الانتاجية والتحول إلى القطاع الخاص (التخصيص) والسعودة.
وعندما نستقرىء الأهداف العامة والأسس الاستراتيجية لخطة التنمية السابعة,, نجد أن سمة العمومية تتطلب تحديداً قابلاً للقياس في الأهداف التفصيلية.
واسترجع في هذا الصدد تعريف المفكر العالمي روبرت جونسون للتخطيط العلمي الحديث بأنه مرحلة التفكير العلمي الذي يتناول بالتحليل العلاقة بين المستقبل والاستعداد له، بحيث يتجاوز وضع السياسات والأهداف العامة إلى التحديد الدقيق لآليات التنفيذ والقياس والتقويم,, وهذا ما نتطلع إليه في الخطة السابعة.
نتطلع إلى خطة تتفق مع عصر العولمة والثورة المعلوماتية والاتصالاتية,, حيث لم يعد مقبولا ونحن ندلف إلى عتبات الألفية الثالثة,, أن نستخدم جملا إنشائية وتوصيات عامة,.
لقد ظل (تنويع مصادر الدخل) هدفاً أساسياً في جميع خطط التنمية الست,, منذ الأولى وحتى الحالية,, فماذا تحقق في هذا الأمر الحيوي؟! حيث ما زال اعتمادنا أساسياً على مصدر وحيد ناضب.
إن قضية استيعاب خريجي الثانوية وخريجاتها,, وقضية البطالة وارتفاع أعداد المواطنين الداخلين إلى سوق العمل,, وكذلك نقص موارد وامكانات خدمات المرافق العامة,, هل أعطيت في الأهداف العامة والسياسات الاستراتيجية الأهمية التي تتناسب مع أبعادها الخطرة على المستوى الأمني والاقتصادي والاجتماعي.
فهي قضايا تؤرق المجتمع وأفراده,, وسوف تزداد عمقا في المستقبل,, فهل سيتم معالجة هذه القضايا بطريقة علمية سليمة من خلال خطة مدروسة,, ورغم أن للتخصيص أهمية في المرحلة القادمة إلا أن من المعروف عالمياً أن الهرولة نحو التخصيص قد تقود إلى عواقب عكسية وخيمة,, الأمر الذي يتطلب التأني والتدرج في عمليات التخصيص,, فالتخصيص هو وسيلة وليس غاية في حد ذاته,, وتبعا فإن من المناسب أن يكون هدفا دون أن يكون خيارا استراتيجيا.
ويجدر بي أن أشير إلى أن الأهداف العامة والأسس الاستراتيجية تضمنت جوانب تفاعلية مع المتغيرات المستجدة,, من خلال التأكيد على التطور التقني وتوفير قاعدة علمية تقنية وطنية,, وكذلك توسيع قاعدة الإيرادات من خلال استثمار الجانب الاقتصادي لخدمات الحج والعمرة,, وكذلك الاهتمام بحماية البيئة وربطها بالتنمية وتطوير أنظمتها.
وأخيراً فإنني آمل أن تكون الأهداف التفصيلية والبرامج التنموية في الخطة محددة تحديداً واضحاً,, وقابلة للقياس,, متضمنة آليات محددة للتنفيذ الفعلي,, وهذا ما يتطلبه عصر العولمة وهو ما يطلبه جيل التنمية.
داعياً المولى عز وجل أن يديم على هذه البلاد كريم نعمائه,والله الموفق .
د, عبدالإله ساعاتي