Friday 20th August, 1999 G No. 9822جريدة الجزيرة الجمعة 9 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9822


المال في نظر الملك عبد العزيز
د, محمد بن سعد الشويعر

الملك عبد العزيز -رحمه الله- مع كونه رجل سياسة ودولة، وموفق في جميع اعماله، فإنه رجل اقتصاد، يرى ان المال يجب ان يبذل في أوجهه فهو يسخر كل ما وصل اليه من مال في حالة العسر واليسر الى مصالح الامة ويهتم بكل ما ينظم مداخل المال ومخارجه لأنه يراه وسيلة لا غاية وسعادته بما يدخل على الناس من سرور وبما يعطيهم.
وسيرته التي رصدها الكاتبون عنه - رحمه الله - تنبىء عن كرم متناهٍ، واهتمام في بذل المال لما يسعد افراد المجتمع ولا يشدّد في هذا السبيل، فقد ذكر عبد الله الزامل في كتابه اصدق البنود في تاريخ الملك عبد العزيز آل سعود: أن رجلاً شكا اليه من مضايقة الدائنين له، وأن عليه مائة جنيه ذهباً، وطلب من جلالته المساعدة لسدادها، فأمر الملك ان يحقق عن مقدار الدين، فثبت أنه مائة جنيه كما قال: فكتب الملك بخطه على الطلب بإعطائه مائة جنيه، ولكنه تغلب عليه الكرم فكتب ثلاثة اصفار بدلاً من صفرين، يعني ألف جنيه، ولما وصل الأمر الى ابن شلهوب، مدير مال الخاصة الملكية، لاحظ ذلك الغلط، فذهب الى جلالته لتصحيح الغلط الملحوظ حيث ان اساس الدين على المذكور والذي طلب سداده ما هو الا مائة جنيه.
ولما شرح الأمر لجلالته أجابه - رحمه الله- بقوله: ليس القلم بأكرم مني، فاصرفوا له ما قسمه الله له,, فأعطي الرجل الالف جنيه فأخذها وانصرف داعياً, ]ص 448[.
- وقد اورد الزركلي نقلاً عن سمو الأمير عبد الله الفيصل ان الملك عبد العزيز لما استولى على الأحساء، جاء اليه ابراهيم القصيبي وهو على فرسه لم ينزل من على ظهره بعد، ومع القصيبي رجل قدمه للملك قائلاً: هذا محمد افندي مدير مالية الحسا، فسلم وقال: يوجد في القصر عشرة آلاف ريال، فقال الملك: لا يكون المهاجمون نهبوها؟ فقال: لا, انا مررت على القصر ووجدت الأقفال سليمة, فبعث معه بعض رجاله وقال لهم: حافظوا عليها اذا وجدتموها، وبعد ذهابه نزل عبد العزيز عن فرسه وسجد لله شكراً، إذ ملّكه يوماً من الأيام عشرة آلاف ريال.
ثم قال الزركلي بعد ذلك: وبهذه المناسبة قال له بعض الناس، انك تعطي كثيراً فلو اقتصدت؟ فقال: ان الله عوّدني عادة ان يتفضل عليّ، وعودت عباده عادة أن أوسع عليهم، فأخاف ان اقطع عادتي فيقطع الله عادته عني, وأنا لن ابني بها قصراً ولن اشتري بها مزرعة، كل ما يرد أنفقه على المسلمين وهذا حق لهم ]شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز للزركلي 3/919[.
فالمال في نظر عبد العزيز وسيلة وليس غاية، ولم يدخل حبه قلبه، وانما كان في يده، فنراه ينفق بدون حساب لينطبق عليه القول المأثور: أنفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب, يروى عنه انه ينفق كل ما يصل اليه ولا يتأسف عليه كما كان يلقن ابناءه منذ نعومة اظفارهم حب الانفاق، والتعود على الكرم، يوضح ذلك الزركلي بقوله: وبينما هو في احدى نزهاته بالرياض ومن خلفه في السيارة: اخوه عبد الله بن عبد الرحمن، والسيد حمزة غوث وأنا، ومعنا أحد صغار ابنائه عبد المجيد وسنّه يومئذ حول الخامسة، أعطاه عبد العزيز قبضة من الاريل، وارتقب ماذا سيفعل بها، وبدأ عبد المجيد يلعب بالأريل فقال له: اعط اخوانك يا عبد المجيد، فوزعها علينا، ونحن بدورنا دفعناها للعبدين الواقفين على رفرفي السيارة من الجانبين، وادّخر حمزة بعض ما اخذ فدسه في جيبه، وبعد هنيهة التفت عبد العزيز سائلاً: أين الاريل يا عبد المجيد؟ فمدّ هذا يديه فارغتين، فقال: أنفقت ما معك, قال: أي, قال: لا تخف يعوضك الله عنها, وأعطاه غيرها، وما زال يعطيه وعبد المجيد يوزع حتى ادركنا أن الاب يلقن الابن درساً عملياً في الكرم ويشعره منذ الطفولة بأن الجود لا يفقر ]السابق 1429 - 1430[.
والملك عبد العزيز عندما ينفق المال لا يلحقه بذلك حسرة او ندامة على ما انفق، بل قلبه يتلذذ بالانفاق ويده تجود بكثرة العطاء، ومما يروى عنه انه عندما يسافر من مكان الى مكان، بل وحتى في داخل المدن فانه يجعل بين يديه في سيارته كيسين: احدهما للنقود الفضية والآخر للنقود الذهبية يهب لكل من يلاقيه من هذا او من هذا,, ويسترّ عندما يرى البشر على وجوه من أعطى.
وفي احدى المرات اقبل على سيارته اعرابي هرم، فأمر عبد العزيز بإيقاف السيارة له، ثم مدّ الملك يده يريد كيس الفضة واخرج منه قبضة فكانت من كيس الذهب وبعد تردد دفعها اليه ولاحظ ان هذا الأعرابي اعمى فقال له: ترى اللي اخذته ذهب لا يضحكون عليك، والتفت الى من كان خلفه في السيارة وقال: سبحان الله اردنا ان نعطيه بعض الاريل، ودخلت يدي في كيس الذهب فلما اخذت منه راودتني نفسي ان أردّه وآخذ من كيس الفضة ولكنني قلت: هل تكون يدي اكرم مني فدفعت اليه الذهب.
ويتحدث امين الريحاني عن كرم الملك عبد العزيز ونظرته للمال على انه سبيل للنفع، فيقول في كتابه: ملوك العرب: لقد شاهدت معرض العطاء في الرياض, بل كنت أشاهده كل يوم، مدة اقامتي هناك, واعجب جداً لا لكرم هذا الرجل بل لايمانه وثقته بالله مصدر الخير وولي النعم التي لا تزول، والا فكيف يؤمل بدوام حال تمكنه من العطاء في بلاد لا ثروة لها ثابتة دائمة، هناك حكومة فردية اتوقراطية وديموقراطية معاً، تبرأ من قواعد الادارة والنظام كلها، وبلاد ثلاثة ارباع مساحتها بادية فقراء ليس فيها من موارد الثروة غير الأنعام، ورعيّة ثلثاها من البدو واكثرهم حتى اليوم لا يحسنون صناعة ما، واقليم قيظه يحرق ويبيد، وشتاؤه لا يصدّق ولا يحسن الوفاء، فتجيء السنون المجدبة فتعقم المغاني ويعم البلاء؟,, ثم يصور هذا الكرم بعطاء عبد العزيز فيقول:
- هذه يا طويل العمر جريدة بمن نوّخوا اليوم,, يقدّمها ابراهيم بن جميعة رئيس التشريفات فيقرأها السلطان ويكتب الى جانب كل اسم ما يجب ان يعطى صاحبه يوم ارتحاله,, ثم يقول الريحاني: اذن لي بالاطلاع على إحدى تلك الجرائد وفيها اكثر من مائة اسم فأنقل من رأسها ووسطها وآخرها ثلاثة اسماء ليطّلع القارىء على أحوال ابن سعود كلها:
بخط رئيس التشريفات: حمود بن صويط معه فرسان وذلول، بخط السلطان: ألفا روبية، وبشت وبر معلّم اي عباءة مقصبة، وزبون جوخ وسيف مذهب.
بخط رئيس التشريفات: هزاع بن سلطان بن زايد، راعي عمان معه عشرة ركايب عمانيات هدية ورجاله 25، بخط السلطان ثمانية آلاف ربّية وسبعون ليرة ذهبية وعشرون بندقية وفرسان ثم الى رجاله الخمسة والعشرين كل واحد كسوة وكيس فيه من المائة الى الخمسمائة ربّية حسب مقامه.
بخط رئيس التشريفات: سليمان بن علي من اهل حائل، بخط السلطان اربعمائة ربّية وبشت وزبون.
ثم يفيض في ذكر نفقاته وضيوفه ويقول كلها من الشيوخ: أدفع يا شلهوب، وزع يا شلهوب ]2، 84- 88[ ويقدر حافظ وهبة ضيوف عبد العزيز بقوله: ربما كان ضيوفه الدائمون لا يقلّون عن 500 كل يوم وقد يبلغ ضيوفه نحو عشرة آلاف تمتلىء بهم بيوت الرياض وبطحاؤها، تأتيهم الذبائح من القصر حيثما كانوا ]جزيرة العرب في القرن العشرين 110 - 113[.
كل هذا الكرم المتناهي من الملك عبد العزيز كل ورخص المال في عينيه في سبيل اسعاد الشعب ما هو الا جهد للقضاء على الفقر مما دفعه الى ان يوجد المبرّ ات، ويرسل الهيئات لتوزيع الأموال والصدقات على ارجاء البلاد لينال عطاؤه من لا يستطيع الوصول اليه: من كبير ومريض وأرملة وغيرهم، بحيث كانت في ميزانية الدولة مبرات رسمية غير الشخصية قال عنها الزركلي: كان في الميزانية العامة للدولة السعودية باب خاص بأعطيات الملك ومبرّ اته مقسم الى خمسة انواع: إعانة المؤسسات الخيرية واعطيات ملكية مقررة وأعطيات ملكية غير مقررة وبدل كساوٍ وصدقات, ثم اوضح ذلك ببيانات وارقام حسابية لثلاث سنوات هي 1366ه 1367ه 1368ه وهي بداية سنوات الموارد البترولية بعد الحرب العالمية الثانية, ومجموع ذلك 270,883,211 قرشاً وكل 100 قرش تساوي دولاراً ]شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز 1430 - 1431[, اي قرابة 3 ملايين دولار, وهو رقم كبير جدا ذلك الوقت.
وقد صدر في جريدة أم القرى الجريدة الرسمية للدولة في الثاني من ذي القعدة 1362ه منشور حول صدقات المبرة أبان فيه الملك تنظيم الصرف وبيان أهلها، وتعيينه هيئة تقوم بالواجب وفق ما رسمه في المنشور لتمنع غير المستحقين من اعطائهم اي شيء وتصرف الموجود للمستحقين الذين يعطف عليهم المسلم، وذو المروءة كما هو واجب شرعاً وعقلاً.
وختم جلالته هذا المنشور بقوله: ثم تفهمون جميعاً انني ما حرصت على هذا للاقتصاد، وان غايتي الاقلال منه وإدخاله في ماليتي، حاشا وكلا، الا انني - ان شاء الله - آمر بصرفه لمستحقيه وإذا استحق زيادة أزيده ولو مضاعفاً ان شاء الله، وللحرص على الضبط المالي: دخولاً وخروجاً فقد كان من الاوليات في التنظيم عند الملك عبد العزيز- رحمه الله- انشاء وزارة المالية، وقد جاءت على مراحل: أولاً انشئت في كل بلدة من المملكة ادارة لجباية الزكاة مستقلة عن غيرها ويدخل فيها ممتلكات سميت: بيت المال والقائم عليها سُمي: وكيل بيت المال، وترتبط بحاكم البلدة الاداري ثم بعد انضمام الحجاز لحظيرة الدولة امر الملك بوضع ترتيب لربط الادارات الصغيرة المتفرقة بإدارة واحدة مسؤولة امامه فأنشئت في 17 ربيع الثاني 1346ه مؤسسة بمكة سُميت: مديرية المالية العامة وتولاها عبد الله السليمان الحمدان باسم: مدير المالية العام, وجعلت المديرية وكالة في جمادى الآخرة 1348ه ]1929م[ واصبح لقب المدير العام: وكيل المالية العام، وربطت به مالية الاحساء وكانت منفردة، وجيء بخبير هولندي اسمه فان لي بلقب المستشار المالي فقام بشيء من التنظيم ولم تطل اقامته.
وفي عام 1351ه (1932م) أنشئت وزارة المالية وصدر نظام المالية في 103 مادة واصبح عبد الله بن سليمان الحمدان وزيراً مسؤولاً عن المالية، وعُيّن أخوه حمد السليمان الحمدان وكيلاً له، يتولى الأعمال باسمه وبالنيابة عنه ]السابق 1: 375[ وتبع ذلك تنظيم ايرادات الدولة ومصروفاتها, وقد ذكر فؤاد حمزة في كتابه البلاد العربية السعودية : أن المحاولة الاولى لوضع الميزانية الثابتة للدولة أُجريت عام 1348ه ولكن الميزانية تقررت عام 1353ه (1934) حيث بلغت النفقات حوالي 14 مليون ريال.
-وقد نشرت جريدة أم القرى في 30 جمادى الاولى 1367ه الموازنة وتفاصيلها حيث بلغت النفقات 214,586,500 ريال ومثلها تقدير الواردات، اي تزيد على موازنة 1353ه بنيّف وخمسة عشر ضعفاً, ]تراجع أم القرى والزركلي شبه الجزيرة 3/762 - 766[.
وفي اثناء الحرب العالمية الثانية بينما العالم يعاني من المجاعات كانت مبرات عبد العزيز تعمّ رعاياه والافران تعمل ويوزع خبزها مجاناً على الشعب وحكومته تسقط 25% من رسوم الجمارك وتقرض التجار من رعاياها 25% من قيمة ما يستوردونه على ان يعيدوا ما اقترضوه بعد بيعهم ما استوردوه ونائبه العام فيصل يقول في خطبة الحج عام 1359ه ]1941م[ لا يجهل احد ما فيه العالم اليوم من نكبات ومحن، حتى البلاد التي لم تشترك في الحرب لا تخلو من ازمات اقتصادية وغيرها, أما نحن فلله الحمد من اسعد الناس وهذا لا شك من نعم الله التي تستوجب الشكر.
-ولحرص الملك عبد العزيز على رفاهية شعبه فقد فكر في مصادر المال من داخل البلاد لان المال هو عصب الحياة والمسيّر للأعمال فيها ففي شتاء عام 1349ه ]1930م[ بدأت حكاية البحث عن الذهب حيث بدأ استخراج الذهب والفضة من مهد الذهب وغيره.
- ثم بدأ البحث عن الزيت وكان اول ما صدّرته الشركة استاندارد كليفورنيا الى الخارج من بترول المملكة نحو 450 طناً عن طريق ميناء الخبر يوم الاحد 10 رجب 1357ه ]4/9/1938م[ وقد اوضحت شركة ارامكو مسيرة الاستثمار والنماء في تقرير عام 1369ه ثم في تقاريرها المتتالية التي توضح المقادير: بترولياً وغازاً والعائدات المالية على الدولة التي حرص الملك عبد العزيز على استثمارها في صالح البلاد والمواطن: تعليماً وانشاءات وعمارة للحرمين الشريفين وطرقاً وموانىء ومطارات ومدّاً للسكة الحديدية بين الدمام والرياض وتوسيعاً للرقعة الزراعية واعانات للمزارعين وتيسيراً للحج، وغير ذلك من سبل النماء والتعمير والاخذ بأسباب الحضارة للرفع من المستوى بالأمة في مجالات الحياة.
- ففي عام 1360ه ]1941م[ نراه لظروف الحرب العالمية الثانية التي كانت سائدة، يتخلف عن الحج لتوزيع نفقاته على الفقراء والمعوزين، فقد جاء في كتاب ملكي نشرته أم القرى في 3 من ذي القعدة عام 1360ه 21 نوفمبر 1941م يقول فيه: إننا بعد الاعتماد على الله قد عزمنا في هذا العام ان نتخلف عن الحج وإنّا لفي شدة الاسف لهذا التخلف الذي سيمنعنا من رؤية بيت الله الحرام والوقوف بالمشاعر العظام ويمنعنا أيضاً من الاجتماع بكم,, ولكننا امام المصلحة العامة والحرص عليها، والرغبة في الاحتفاظ بالنفقات التي ننفقها في حجنا، وتوزيعها على الفقراء والمعوزين من اهل البلاد لم يسعنا الا ان نرجح التخلف عن القدوم ومع ذلك فإننا نرجو من الله ان يهيىء لنا فرصة مناسبة للقدوم بعد الحج الى البلدة الطاهرة.
- ومن حرصه -رحمه الله- على التوازن الاقتصادي في البلاد وتنظيم المعاملات المصرفية فانه في عام 1349ه ]1930م[ قد اصدر بلاغاً عاماً حول العملات المتداولة وربط سعرها بالعملة التي سُكّت في البلاد رسمياً تحمل اسم الدولة وقائدها وهي الريال والقرش السعودي الذي سُمّي دارجاً وقد نشرته أم القرى في 3 صفر 1349ه وبعد التنظيم والتعليمات جاء سعر الصرف في الآخر كما يلي مع التأكيد على المسلمين بامتثال ما ذكر وعدم مخالفته:
1 - كل ريال عربي باثنين وعشرين قرشاً دارجاً.
2 - كل جنيه انجليزي بمائتين وعشرين قرشاً دارجاً.
3 - كل ليرة عثمانية بمائة وتسعين قرشاً دارجاً.
4 - كل ريال فرانسة بأحد عشر قرشاً دارجاً.
5 - كل روبيّة هندية بخمسة عشر قرشاً دارجاً.
وختم البلاغ بالقول: وقد أذعنا هذا لتكونوا على بينة من الأمر والسلام عليكم ]عبد العزيز[.
وقد انتهج أبناؤه من بعده هذه السياسة المتوازنة لمصلحة الرعية في انضباط وعمل مدروس يطور لما فيه الخير والنفع للأمة وشعارهم ما كان يردده رحمه الله كما قال الريحاني عنه:
نبني كما كانت اوائلنا تبني م
ونفعل فوق ما فعلوا
ذكاء وفطنة:قال ابن خلّكان في كتابه وفيات الأعيان: كان سديد الملك وهو اول من ملك قلعة شيزر من بني منقذ موصوفاً بقوة الفطنة، وتنقل عنه حكاية عجيبة وهي انه كان يتردد الى حلب قبل تملكه شيزر وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس، فجرى امر خاف سديد الملك على نفسه منه فخرج من حلب الى طرابلس الشام.
فتقدم محمود بن صالح الى كاتبه ان يكتب الى سديد الملك كتاباً يتشوقه ويستدعيه اليه ففهم الكاتب انه يقصد له شراً وكان صديقا لسديد الملك فكتب الكتاب كما امر الى ان بلغ ان شاء الله فشدد النون وفتحها.
فلما وصل الكتاب الى سديد الملك عرضه على من بمجلسه من خواصه فاستحسنوا عبارة الكتاب واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وايثاره لقربه فقال سديد: اني ارى في الكتاب ما لا ترون ثم اجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال وكتب في جملة الكتاب: أنا الخادم المقرّ بالإنعام وكسر الهمزة من أنا وشدد النون.
فلما وصل الكتاب الى محمود ووقف عليه الكاتب سُرّ الكاتب بما فيه وقال لاصدقائه: قد علمت ان الذي كتبه لا يخفى على سديد الملك، وقد اجاب بما طيّب نفسي,, وكان الكاتب قد قصد قوله تعالى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأجابه سديد الملك بقوله: إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها .
ومن هذا المنحى ما قاله صاحب كتاب المستطرف: أن سابور ملك الفرس كان له فارس نديم مضحك يسمى مرزبان فظهر له من الملك جفوة، فلما زاد ذلك عليه، تعلم نباح الكلاب وعواء الذئاب ونهيق الحمير وصهيل الخيل وصوت البغال ثم احتال حتى دخل موضعاً بقرب خلوة الملك، واخفى امره، فلما خلا الملك بنفسه نبح كما ينبح الكلب فلم يشك الملك في انه كلب، فقال: انظروا ما هذا, فعوى كما يعوي الذئب، فنزل الملك عن سريره، فنهق كما ينهق الحمار، فمضى الملك هارباً ومضى الغلمان يتبعون الصوت فلما دنوا منه صهل صهيل الخيل فاقتحموا عليه وأخرجوه عرياناً فلما وصلوا به الى الملك ورآه انه المرزبان ضحك الملك ضحكاً شديداً وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: ان الله عز وجل مسخني كلباً وذئبا وحماراً وفرساً لما غضب عليّ الملك, فأمر الملك ان يخلع عليه وان يُردّ الى مرتبته الاولى ]2:219[ وفيه أيضاً ان اربعة من الملوك اجتمعوا فقالوا كلهم كلمة واحدة كأنها رمية بسهم: ملك فارس وملك الهند وملك الروم وملك الصين, قال احدهم: اذا تكلمت بالكلمة ملكتني ولم املكها وقال الآخر: قد ندمت على ما قلت ولم اندم على ما لم اقل، وقال الآخر: انا على رد ما لم اقل اقدر مني على رد ما قلت, وقال الآخر: ما حاجتي الى ان اتكلم بكلمة، إن وقعت عليّ ضرتني وان لم تقع عليّ لم تنفعني ]2: 179[.


رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved