Friday 20th August, 1999 G No. 9822جريدة الجزيرة الجمعة 9 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9822


شتاء القرية

هناك في القرية وفي (أيام الشتاء) القارس,, كان الجد يرحمه الله قائماً على باب الدار, وقد القى بحزمة الحطب التي احضرها على حماره من (سوق القرية) الصغير ولم يمنعه كبر سنه - كعادة الكهول هناك في قريتنا - من تجهيز (حطب الشتاء) واعداده ل(شتاء القرية) الذي ما زلنا نذكره ونذكر كم كنا نعاني من برودته ونحن صبيان صغار,.
فقد راح (الجد) (يشلخ) (حطب السمر) الى قطع صغيرة يصدر عنه (صوت الكادحين) الذي يصدر عنهم اثناء العمل في حفر (القلبان) في القرية او العمل في البساتين والحقول,, يتخلل صوته الى وسط الدار ولم يمنعه (صوت الرحى) وهي تدور هناك بجانب الدار وتطحن (حب القمح) من ان يسمعه اهل الدار وهم بأقصاها.
ويقوم (الجد) يرحمه الله بجمع قطع الحطب وبجمع قشوره الصغيرة بعد ان فرغ من عمله ذلك,, وليلقي بذلك الحمل باقصى الدار هناك في (الحوش) الواسع,, ثم يقدم الينا ب(حجرة الشتاء) يتهلل وجهه لسعادته بما صنع, وليضع بعضاً من قطع الحطب وسط الموقد المشتعل لننعم عندها الى جواره بدفء النار وب(الدفء الأسري).
وكم كنا نعجب ونضع ايدينا الصغيرة على افواهنا ونبتسم ونحن نراه يقوم بادخال قدميه وسط لهب النار لتستدفىء بعد ان وضع على (الصدوع) بها والتي تسيل احياناً بالدم - قليلاً من الشحم لتلين وتتلاءم.
وفي (الفجر الشاتي) كنا ننهض على عجل ولا نتوانى عن القيام ساعتها ل(صلاة الفجر),, ذلك لأن (المطوع) كان ينبه على المصلين داخل المسجد فيأخذ في مناداة (فتيان القرية) بعد انقضاء الصلاة باسمائهم والمناداة على صغار القرية ممن وجبت عليهم الصلاة,, والويل ساعتها لمن لا يجيبه بقول (حاضر),,, فقد كان اقل عقاب له وقتها هو ان تؤخذ غترته من على رأسه, ليظل قابعاً هناك في الدار,, فقد كان (فتيان القرية) آنذاك يستحي احدهم ان يخرج مكشوف الرأس وان كان لذلك لبضع خطوات امام باب الدار فان ذلك في حد ذاته يعتبر عيباً, وكان هذا الأمر قائماً الى حد قريب في هذا العصر.
وفي ظلام الليل كنا نبادر الى المسجد,, خلف الآباء والاجداد,, الذين كان صوتهم - وهم في الطرقات الى المسجد - وصوت قرع عصيهم وخبط (جريد النخل) بايديهم يصلك وانت داخل الدار مما يجعلك تعمل لكل شيء حسابا قبل ان تقدم عليه,, وهناك كنت تجدهم في المسجد وقد شارف الصف الاول على الامتلاء قبيل الأذان وليس بعده.
وكذا (جواري الدار) الصغيرات كن يتعلمن ذلك كله من (المطوعة) بالجوار ومن الأمهات داخل الدار,, فانهن طالما رأين (العمة) يرحمها الله - وطالما احسسن بها وهي تصلك هناك على مفرش (الحصير) بجانب (نخلة الدار) او هناك عند (قربة الماء) التي كانت (رزقان) الصغير يتعلق بها ليتأرجح بها قليلاً قبل أن ينهره احد من اهل الدار.
وكن يعلمن قيامها من الليل لتصلي,, وهي التي طالما حذرت من رقاد الليل كله,, وطالما سمعنها وهي تقول:
يا راقد الليل كله
ترقد ولا فيك عله
لا بد ما تزور المقابر
وترقد الليل كله
رحم الله اهالي القرية هناك ورحم الله العمة,, فكم اخذنا عنهم من دروس في الحياة.
حسن بن سعيد الدوسري

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved