اعتقد ان مذهب اللارواية اصبح الآن في ذمة التاريخ، ولم يعد له صوت في ساحة الأدب الأوروبي, وبعد فوزي بجائزة نوبل زارني بعض الأدباء الفرنسيين، فسألتهم عن مذهب اللارواية وهل ما زال له انصار في اوروبا، فتبسموا ضاحكين في سخرية، وقالوا لي انه كان بدعة وانتهت, ومما يزعجني انهم ينسبون الروائية دوراس صاحبة رواية هيروشيما حبيبتي لهذه المدرسة مع ان رواياتها مفهومة وبديعة وليس فيها اي تعقيد بدليل ان رواية هيروشيما حبيبتي، قد تحولت الى فيلم سينمائي ولا يمكن لرواية ان تتحول الى السينما ان لم تكن مفهومة للجمهور.
يتبقى لنا ان نتحدث عن عدة نقاط:
* الاولى: خاصة بالعلاقة بين فن الرواية والتاريخ وفي رأيي ان العلاقة وطيدة فالرواية عبارة عن استعراض للحياة اليومية بكل مشاكلها وقضاياها وأشخاصها, وهذا جزء من التاريخ لم يكتبه المؤرخون, ثم ان التاريخ عبارة عن احداث وتفسير ورؤية واشخاص، والرواية كذلك.
* الثانية: عن العلاقة بين الرواية والشعر, وفي اعتقادي ان الشعر هو روح الأدب وكما اشار النقاد فان هناك عدداً كبيراً من رواياتي يتضمن لغة شعرية كانت تصل في بعض الأحيان الى لغة صوفية كما في اللص والكلاب بل ان هناك رواية ادخلت فيها الشعر بشكل مباشر هي الحرافيش .
والأمر الذي لا شك فيه ان الفنون الأدبية تستفيد من بعضها البعض لذلك تجد ان دراسة الفن تتم بشكل شامل وليس كفروع منفصلة, وفي اوروبا نلاحظ ان المدارس او المذاهب الفنية لا تقتصر على مجال دون آخر فالمذهب الرومانسي امتد مثلاً الى الرواية والقصة والشعر والفن التشكيلي بل وصل الى فن العمارة وان كان هذا لا يمنع ان يستقل كل فن بذاته، ويكون له خصائصه المميزة وانا اعتبر نفسي من قراء الشعر ومحبيه ومتذوقيه وكان لي تجربة في كتابته ولو كان عندي ملكة الحفظ لاستمرت التجربة لأن الشاعر لا بد ان يتمتع بهذه الصفة التي لا غنى عنها، ولكن الظروف كان لها تصريف آخر.
وقد اختلف النظام الذي اتبعه في الكتابة باختلاف المراحل التي مررت بها في حياتي وهي ثلاث: مرحلة الوظيفة ومرحلة ما بعد المعاش ومرحلة ما بعد جائزة نوبل، في مرحلة الوظيفة كنت افرغ من عملي في الثانية ظهرا واعود الى البيت لتناول الغداء ثم استريح لبعض الوقت ثم اجلس على مكتبي عندما تدق الساعة الرابعة وابدأ بالكتابة لمدة ثلاث ساعات ثم تليها ثلاث ساعات اخرى للقراءات المتنوعة، وكنت ابدأ بالكتابة اولاً لانني اذا جعلتها بعد القراءة فلن انام الليل لان الكتابة تصيبني بصداع يتلوه الارق، وكان عليّ ان استيقظ مبكراً لالحق بمواعيد العمل, وكان الموظف في تلك الايام ملتزما الى اقصى درجات الالتزام لانه لا يستطيع ان يكون غير ذلك,ولم يكن جلوسي اليومي للكتابة بالأمر السهل، لانه يقتضي اولا ان يكون موضوع الكتابة قد تخمّر في دهني، وكان هذا الأمر يجعلني في حالة تفكير مستمر اثناء وجودي في الوظيفة وفي أوقات العمل وفي اثناء المشي وحتى في وقت تناول الطعام وفي كل مرة تأتيني تفصيلة من جسم الرواية وما الرواية الا مجموعة تفاصيل صغيرة تتجمع وتكون العمل الروائي في النهاية,الجلوس للكتابة يقتضي كذلك ان يكون لديك الاستعداد النفسي لها، وفي البداية كنت اجد صعوبة في تهيئة نفسي للكتابة، واظل ممسكاً بالقلم لمدة ساعة كاملة بدون ان اكتب كلمة واحدة، ومن خلال التعود وممارسة هذا النظام الصارم اصبح الاستعداد للكتابة يأتيني بمجرد الجلوس على المكتب خاصة عندما يكون الموضوع قد اختمر في ذهني واستوى ولم يبق الا تفريغه على الورق, في بعض الاحيان كنت اسجل بعض الملاحظات والافكار العابرة ثم تأتيني اثناء وجودي خارج المنزل في ورقة صغيرة حتى لا انساها وكنت اهتم بتسجيل هذه الملاحظات خلال فترة اهتمامي بالكتابة الواقعية اجلس على المقهى مثلاً فتجذب اهتمامي ملاحظات وتفاصيل صغيرة كانت تفيدني اثناء الكتابة وفي مرحلة لاحقة لم يعد لتلك التفاصيل نفس الاهمية حيث انصب اهتمامي الاكبر على الفكر والتأمل,وفي مرحلة الوظيفة كنت امنح نفسي اجازة من الأدب يومي الخميس والجمعة الى جانب الاجازة الاجبارية السنوية طوال شهور الصيف بسبب الحساسية التي تصيب عيني, وكانت تلك الاجازة تمتد من شهر مايو الى شهر سبتمبر اي خمسة شهور كاملة كنت ممنوعاً فيها من الكتابة ولولا اضطراري للقراءة والكتابة اثناء عملي الوظيفي لامتنعت عنهما نهائياً خلال هذه الشهور الخمسة وقد استأذنت طبيبي المعالج الدكتور الطاروطي في هذا الاستثناء فوافق على مضض لانه لم يكن يحبذ اي اجهاد للعين طوال هذه الشهور,واثناء الكتابة احب ان تكون هناك خلفية موسيقية اجعلها في هامش الشعور ولا التفت اليها ثم انني لا اتناول اي مشروبات بما فيها الشاي والقهوة, فعندما امسك بالقلم لا بد أن اكون في اقصى درجات الوعي والتركيز والانتباه ثم انني لا استطيع الكتابة الا على مكتبي في البيت اما خارجه فلا يمكنني الامساك بالقلم وكل اعمالي الروائية كتبتها في البيت باستثناء السيناريوهات فاغلبها قمت بكتابته على المقهى، وذلك لانها لا تحتاج الى نفس درجة التركيز التي تحتاجها الروايات.
|