الحمد لله جعل الحياة الدنيا متاعا وان الآخرة هي دار القرار، احمده سبحانه واشكره، من عمل سيئة فلا يجزى الا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب.
واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له جعل الدنيا مزرعة للآخرة، فمن زرع حصد، ومن غرس جنى، ومن ابطأ به عمله لم يسرع به نسبه ولا جاهه ولا منصبه.
واشهد ان محمداً عبده ورسوله سيد المرسلين، وامام المتقين وافضل العارفين برب العالمين اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وجميع اتباعه الذين عملهم في الدنيا بمقدار واختاروا جانب الآخرة فنعم الاختيار وربك يخلق ما يشاء ويختار.
اما بعد: فيها ايها المسلمون,, اتقوا الله واعلموا ان الله رضي لكم الاسلام دينا، وجعلكم من اهله، فاحمدوا الله الذي هداكم لهذا واعملوا في هذه الدنيا على ضوء تعاليم الاسلام فانها دار عمل ولا حساب والآخرة دار حساب ولا عمل.
فالكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الاماني الا وان من الاعمال التي اباحها الله لعباده المؤمنين العمل لكسب المعيشة افضل ذلك كسب التجارة، ولكن التاجر والمتاجر من واجبهما ان يشفقا على دينهما فلا يلهيهما مالهما عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وعن يوم تتقلب فيه القلوب والابصار فلا ينبغي للمسلم ان يشغله معاشه عن معاده، فيكون عمره ضائعا وصنعته خاسرة وما يفوته من الربح من الآخرة لا يفي به ما ينال في الدنيا فيكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون بل العاقل ينبغي ان يشفق على نفسه، وشفقته على نفسه بحفظ رأس ماله ورأس ماله دينه وتجارته، فيه ربحه ونجاته وسعادته وفوزه في الدنيا والآخرة ومغفرة ذنوبه واطيب المساكن في اعلى الجنات, قال تعالى: يا ايها الذين امنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم قال بعض السلف: اولى الاشياء بالعاقل احوجه اليه في العاجل، واحوج شيء في العاجل احمده عاقبة في الآجل.
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه في وصيته انه لابد لك من نصيبك في الدنيا وانت الى نصيبك في الآخرة احوج، فابدأ بنصيبك من الاخرة وخذه فانك ستمر على نصيبك في الدنيا, قال الله تعالى: ولا تنس نصيبك من الدنيا اي لا تنسى في الدنيا نصيبك منها للآخرة فانها مزرعة الاخرة, قال تعالى وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا واحسن كما احسن الله اليك ولا تبغ الفساد في الارض ان الله لايحب المفسدين وان مما يتمم شفقة التاجر على دينه حسن نيته وعقيدته في ابتداء تجارته فلينو بها الاستعفاف عن السؤال وكف الطمع عن الناس استغناء بالحلال عنهم، واستعانة بما يكسبه على الدين وقياما بكفاية العيال ليكون من جماعة المجاهدين ولينو النصح للمؤمنين وان يحب لسائر الخلق مايحب لنفسه ولينو اتباع طريق العدل والاحسان في معاملته والامر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ما يراه في الاسواق,فاذا اضمر هذه العقائد والنيات كان عاملا في طريق الاخرة، فان استفاد مالا فهو مزيد مدخر في الدنيا، ربح في الآخرة والا يمنعه سوق الدنيا عن سوق الاخرة واسواق الاخرة المساجد, قال تعالى رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والابصار، ليجزيهم الله احسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب , ومما ينبغي للتاجر ان يلازمه في الاسواق ذكر الله واشتغاله بالتهليل والتسبيح، فذكر الله في السوق ينبه الغافلين مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل خلف الغازين ، وقال صلى الله عليه وسلم من دخل السوق فقال: لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له الف حسنة فاتقوا الله ايها المسلمون وتوبوا الى الله ايها التجار واعلموا ان المال ظل زائل، والملك لله يورثه من يشاء, اعوذ بالله من الشيطان الرجيم فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد ان يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون، وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الايات لقوم يذكرون .
* عضو هيئة كبار العلماء