الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للبشر في كل زمان ومكان، وهو المنهج الرباني الذي وضعه الله تعالى، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو نهج مستقيم وصراط سوي لهداية البشر، وجعلهم يحيون في ظل السعادة في الدنيا والآخرة.
وانطلاقا من هذه الشمولية فقد انطلقت الدعوة الاسلامية منذ بدايتها تنشر النور في ارجاء العالم قاطبة، وليصل اشعاع الخير والايمان من اقصى الارض الى اقصاها، وهكذا حملت امة الاسلام راية الحق، وسارت بها ناشرة العدل والعدالة، والخير والمساواة، وبعيدة عن كل مآرب وغايات دنيوية، لقد سارت، وهي تحقق انسانية الانسان وعزته وكرامته محررة عقله وفكره من قيود الشرك والوثنية وانحلال العبودية والاستغلال، وأوصلته للحالة التي ارتضاها له ربه سبحانه وتعالى وهي تحقيق العبودية والمساواة بينهم إذ لا فرق فيها بين عربي وعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح.
وهكذا دخل الناس في دين الله افواجا طوعا ومحبة بهذا الدين العظيم، وانتشر الاسلام، ولا يزال ينتشر، وسيبقى كذلك إن شاء الله إلى يوم يبعثون.
لقد اصبحت بعض البلدان اسلامية خالصة، ولكن بعضها وجد فيها تجمعات اسلامية لا تشكل الاغلبية وهذه اما اتت مهاجرة من ديار الاسلام، او انها من اهل البلاد الاصليين، او انها من اناس اعتنقوا ويعتنقون الاسلام في كل يوم بعد ان وصلتهم دعوة الحق.
إن تلك التجمعات الاسلامية تشكل ما يدعى بالاقليات الاسلامية، وهي بالاسم اقليات، ولكنها بالعقل والعدد لايستهان بها، فهي كتلة تسعى حكومات بلادها لنيل رضاها، ان بعض تلك التجمعات تتميز بمستوى ثقافي رفيع، كما انها تتمتع بديناميكية عملية واسعة، وهي على اضطلاع واسع بظروف البلاد التي توجد فيها لكونها انصهرت في انظمتها، ونالت جنسيتها، ولكن تبقى الجذور مصدر الخير والحياة.
إن تلك الجاليات الاسلامية ما زالت تحتفظ بتراثها الذي يشير البعيد فيه قبل القريب لاصولها الحضارية الاسلامية، فالفكر ما زال متعلقا بفكر الاجداد، والعادات والتقاليد هي عادات اسلامية رغم ما دخلها من عادات غربية، والاسماء صريحة في إسلاميتها، والنظرة الى المستقبل والحياة هي، نظرة فكر مسلم، ولكن كل هذا لا يكفي، فالبيئة الجديدة، لها تأثيرها، والحياة تخضع لمؤثرات عديدة، والانسان كائن حي لا يحمل عنصر الثبات الازلي، ولذلك كان لابد من الجسور والروابط التي يجب ان تبنى، وتصان على الدوام بين الاصل وفروعه، بين الامة وابنائها - الجذور والثمار - التي توزعت في انحاء المعمورة.
في عالم الامس واليوم والغد تشكل المملكة العربية السعودية الجذر الراسخ والقلعة الوطيدة والركن الركين والاساس المتين لدعوة الحق والخير، فقد وهبها الله قيادة حكيمة لا تخشى في الله لومة لائم، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو نائب خادم الحرمين الشريفين صاحب السمو الملكي الامير عبدالله بن عبدالعزيز، وسمو النائب الثاني صاحب السمو الملكي الامير سلطان بن عبدالعزيز - حفظهم الله ورعاهم - الذين لا هدف لهم إلا اعلاء راية الحق والاسلام في ارجاء المعمورة، وكذلك فإن بلادنا قد جعل الله فيها شعبا طيبا عريقا مسالما خيِّراً لا يسعى إلا لخير البشر، كما ان بلادنا والحمد لله قد ملكت من الثروات والخيرات ما يحسدها العالم عليه عدا أن دعوة الحق قد اختار الله لها بلادنا، لتكون الارض المباركة التي تسير منها قوافل الخير والايمان، فمن مكة المكرمة والمدينة المنورة انطلق الاشعاع الالهي لينير ظلام العالم، بلاد كهذه دستورها القرآن الكريم ورايتها راية (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) هي الاجدر والاقدر على مد الجسور، ورعاية الابناء مهما بعدت المسافة بينها وبينهم.
في عالمنا المعاصر سخر الله للبشر تقنيات ووسائل حضارية عديدة اعطانا الله تعالى سرها، وجعلها طيعة في ايدينا، وكذلك تقدمت وسائل الاتصال والمواصلات مما جعل الامر يسيراً، ولكنه يحتاج للهمم العالية في المجتمعات التي توجد بها تلك الاقليات الإسلامية، قد تكون ظروف العمل مواتية كما ان المال قد لا ينقصهم، وربما يحتاجونه، اضف إلى ذلك ان تلك المجتمعات تتمتع بمستوى علمي وثقافي وحضاري لا يستهان به، بل على غاية التقدم، ولذلك كانت التحديات امام التجمعات الاسلامية كبيرة حقاً فالامر ليس قضية حفاظ على الهوية فحسب، وإنما عملية اثبات لصلاحية وتفوق هذه الهوية وجدارتها بالحياة، ليس الامر بأن يبقى اسمك اسما اسلاميا،ولكن بقدرتك على اثبات روعة الحياة الاسلامية وملاءمتها لكل زمان ومكان.
إن بلادنا - وبما حباها الله من فكر سليم وحياة وسطية بعيدة عن الاوهام والخزعبلات وكذلك بعيدة عن التخلف وعن التطرف - انما تمثل الدعوة على اصولها، ومن هنا جاء القرار والفعل الحكيم، ومدت الجسور، واعطيت الجاليات الاسلامية ما تحتاجه رغم انه يبقى المزيد بحاجة للعمل، إن الجاليات المسلمة بحاجة للعلماء النوابغ الذين يعلمون علوم الدين على حقيقتها، ولا تنقصهم الخبرة بعلوم وتقنيات الحياة، انهم بحاجة للدعاة ذوي الفكر النيّر الطيب الذي يبني ، ولا يهدم، الذي يقدم الاسلام على حقيقته، لان هذا يكفي لان يعطي صورة صادقة وواضحة وقوية عن الاسلام العظيم، إنهم بحاجة إلى كتاب الله العظيم بلغته العربية المبينة، وبترجمات معانيه بلغاتهم المختلفة، لانه الدستور الذي تقوم عليه الحياة، انهم بحاجة لكتب الحديث الشريف، لانها الناظم للحياة الاسلامية الحقيقية، انهم بحاجة لكتب الفقه، والثقافة الاسلامية، والسيرة النبوية، إنهم بحاجة للملتقيات الفكرية والعلمية الشرعية التي تربطهم بالجذور، انهم بحاجة للاعلام الاسلامي الصافي من خلال محطات فضائية بعيدة عن الاثارة والتطرف، انهم يريدون ان يروا شبكات المعلومات العالمية (الانترنت) وهي زاخرة بفكر إسلامي عريق وصحيح، وأولا وأخيراً هم بحاجة للداعية الصالح، والعالم المقتدر، والمفكر المبدع، وقبل كل هذا يجب الا ننسى انهم يستحقون كل هذا، لانهم جزء منا، لا بل جزء غال ومنابر اشعاع حقيقية في مجتمعاتهم، فبصلاحهم سيضربون المثل الحقيقي للحياة الاسلامية، ويمثلون مراكز قوة للاسلام والمسلمين ويشكلون حالة دعوية ممتازة تدعو للحق بعقلها وسلوكها وانضباطها قبل قولها وكلامها, ان بلادنا قد سخرت ولله الحمد كل امكاناتها في هذا المجال، وعلى كافة المستويات، وبهذا السياق نذكر بعض المنابر الطيبة ومراكز الاشعاع الحضاري التي منها جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية التي كانت وما زالت وستبقى بإذن الله تخرج الابناء الغيورين على دينهم وأمتهم، وكانت الركيزة المتينة لنصرة دعوة الحق مثلا وفكراً وقولا، أيضا كانت هناك الندوة العالمية للشباب الاسلامي وما يتشعب منها من لجان وتنظيمات كلها تسير في إطار اعلاء راية الحق بالفعل قبل القول، وهناك رابطة العالم الاسلامي التي يحق لنا الفخر بكل انجازاتها، وهناك الآن وزارة الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد التي كرست كيانها في سبيل تحقيق الاهداف الطيبة التي تعلي راية الاسلام والمسلمين، وكرست ما تملك في سبيل زيادة الروابط الاسلامية، وتحقيق سعادة المسلمين، وتعريفهم بدينهم، وتيسير أمورهم.
وكل هذا يأتي في إطار عريض هو قول الله تعالى: (وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم)، والمملكة بقيادتها الحكيمة لا تطلب مدحا ولا ثناءً إنما تبتغي وجه الله الكريم واعلاء راية الاسلام العظيم.
ومن نبع الخير والعطاء هذا يأتي ذلك الملتقى الطيب الذي سينطلق الاسبوع القادم بدعم مباشر من قائد المسيرة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله وبمتابعة دؤوبة من صاحب السمو الملكي الامير عبدالعزيز بن فهد وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء - رعاه الله - وباشراف مباشر من معالي وزير الشؤون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد الشيخ صالح بن عبدالعزيز بن محمد آل الشيخ وفقه الله، انه ملتقى خادم الحرمين الشريفين الاسلامي الثقافي في بروكسل عاصمة بلجيكا، ويستمر عدة ايام، ليكون عملا شاملا وصادقا يحقق ما يريده الله تعالى قبل ان يحقق رغبات البشر، انه بنيان شامخ للتعريف بديننا على الوجه الصحيح، ونصرة - بالحق - لأبنائنا في مجتمعاتهم، ورابط اصيل من روابط الاخوة الاسلامية التي تسعى لخير البشرية كلها في الدنيا والآخرة.
وللحديث بقية