د, عمر العيد في محاضرته ومن يحول بينك وبين التوبة مؤكداً الإصرار على المعصية ينافي التوبة والرجوع إلى الله تعالى |
* كتب مندوب الرسالة:
من نعم الله تعالى على عباده ان جعل باب التوبة مفتوحاً، لا يحول بين العبد العاصي او المسيىء اي موانع غير صدق النية في التوبة والعزم على ألا يعود اليها.
والله سبحانه وتعالى ينزل الى السماء الدنيا في الليل ليتوب مسيىء النهار وينزل سبحانه الى سماء الدنيا في النهار ليتوب مسيء الليل.
وباب التوبة متسع يمكن ان تكتب فيه مجلدات,, غير ان الشيخ الدكتور عمر بن سعود العيد الاستاذ بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية قد ركز في هذه المحاضرة التي القاها مؤخراً بعنوان ومن يحول بينك وبين التوبة على حديث التوبة مستخلصاً منه عدداً من الدروس التربوية التي تفيد المسلم في علاقته مع ربه,, فماذا قال؟
* لم يمكث في التوبة إلا لحظات ولكنها أدت لسعادته العظيمة
***
* كلما زاد الإنسان علماًوتبصراً بالكتاب والسنة ازداد ورعاً وخوفاً من الله
***
* ثمرة الاستقامة هي صلاح القلب والجوارح
المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل
في البداية قال الشيخ د, عمر العيد:
ان الواجب على العبد المسلم ان يعتصم بالله حق الاعتصام, وقضية الاعتصام بالله هي صدق اللجوء اليه والخشوع بين يديه,, كما امرنا الله في كتابه لان ثمرة ذلك الاعتصام هي الاستقامة على دين الله تعالى والالتزام بمنهج الحق,, والله تعالى يقول: ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ,, وكلما كملت عصمة العبد لله تعالى فان الله لا يخذله ابداً,, ولا يسلمه لاعدائه ابداً ولا يتركه وحده امام الشيطان ونفسه الامارة بالسوء وامام الاعداء الذين يحيطون به يمنة ويسرة لانه من كان الله معه فلن يصل اليه احد مهما كانت قوته وجبروته، والله بين في كتابه: واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير فمن اعتصم بالله تعالى كفاه الشرور كلها اولها شر النفس التي بين جنب الانسان, وان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي,, ومن منا يقول ان نفسه لا تزين له شيئا من السوء ولكن اذا اعتصم العبد بالله وقاه الله شر نفسه ومن منا يقول ان شيطانه لا يزين له المعاصي والسيئات ومن منا لا يقدم له الشيطان المعصية ويحببها اليه,, ولكن من اعتصم بالله كفاه ونصره الله على اعدائه,, مشيراً الىان النفس والشيطان هما العدوان اللذان لا يفارقان العبد ابداً فقد ذكر ابن القيم وغيره من السلف ان عداوة النفس وعداوة الشيطان اعظم من عداوة العدو الخارجي فان العدو الخارجي تعرفه بشكله وبمظهره وتعد له العدة لكن من منا يعد العدة لنفسه الامارة بالسوء ان لم يعتصم الانسان بطاعة الله والالتزام بمنهجه فسرعان ما ينساق وراءها وينساق وراء تلك النفس بالشهوات وبالشبهات ويضل عن سواء الصراط ولا يحسن له الاستقامة على دين الله عز وجل.
ثم يقول مسترسلاً: سبحانه ربي اذ جعل من طبيعة هذه النفوس انها جاهلة كما من طبيعتها الظلم فاجتمع الظلم والجهل فيها,, والله ذكر عن الانسان انه كان ظلوماً جهولا وهذان الجهل والظلم لابد من رفعهما عن العبد المسلم، واذا اصبحت نفس الانسان مظلومة جهولة عند ذلك صدر من الانسان كل عمل قبيح وكل عمل يبعده عن الله، وعن ارتفاع جهل الانسان من نفسه يقول الشيخ العيد: ويرتفع جهل الانسان بالعلم النافع، انه العلم الموافق للكتاب والسنة,, ذاك الذي انزله على رسوله وجعله نوراً يستضيء به الناس في ظلمات الشبهات وغيرها,.
* وتساءل فضيلته فكيف يمكن ان يرتفع الظلم؟
واجاب: يرتفع بالعمل الصالح الذي يُخرج الانسان عن وصف الظلم فاذا عمل الانسان بما علم ذهب عن الانسان الظلم واهتدى لطريق الخير والاستقامة,, واذا جمع الانسان علماً ثم جمع عملاً لابد ان يحفه بمحفة تجعله مستقيما انه صدق الملجأ الى الله تعالى,, ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم لا تكلني الى نفسي طرفة عين بل كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي وكما جاء في خطبة الحاجة يقول مبيناً النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا شرور الانفس وسيئات الاعمال ترتفع عن الانسان كما قلنا بالعلم النافع الذي يتبصر به الانسان، ورتب الله على ذلك فلاح الانسان في الدنيا والآخرة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون , واني لاعجب من عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه وارضاه اذ كان يطوف بالبيت سبع اشواط فما يزيد ان يدعو اللهم قني شح نفسي سألوه لما تكثر من هذا الدعاء قال واما علمتم ان الله يقول: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ,, وان من افلح لا شك ان يفلح في الدنيا وفي الآخرة.
قاتل المائة تقبضه ملائكة الرحمة
بعد ذلك يتوقف الشيخ عمر العيد عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المروي عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفساً، فسأل عن اعلم اهل الارض، فدل على راهب، فاتاه فقال: انه قتل تسعا وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن اعلم اهل الارض، فدل على رجل عالم فقال: انه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق الى ارض كذا وكذا، فان بها اناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع الى ارضك فانها ارض سوء، فانطلق حتى اذا نصف الطريق اتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب, فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه الى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: انه لم يعمل خيراً قط، فاتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم -اي حكماً- فقال: قيسوا ما بين الارضين فالى ايتهما كان ادنى فهو له، فقاسوا فوجدوه ادنى الى الارض التي اراد، فقبضته ملائكة الرحمة متفق عليه.
وفي رواية في الصحيح: فكان الى القرية الصالحة اقرب بشبر، فجعل من اهلها وفي رواية في الصحيح: فأوحى الله تعالى الى هذه ان تباعدي، والى هذه ان تقربي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه الى هذه اقرب بشبر فغفر له وفي رواية: فنأى بصدره نحوها .
ويستشهد الدكتور العيد في ذلك بقول قتادة: قال الحسن رحمه الله ورضي الله عنه ذكر لنا انه لما نزل به الموت فلم يستطع ان يمشي لكن في قلبه حاداً يحدوه لبلد اهل الصلاح والايمان,, يريد ان يغير من واقعه وحياته وماهو عائش فيه,, لما سقط وقلبه يحدو لهذه القرية الصالحة ظل يزحف على بطنه,, وسبحان ربي قاسوا بين القريتين,, وفي بعض الروايات وجدوه اقرب الى قرية اهل الصلاح بشبر وفي بعض الروايات وجدوه اقرب بذراع,, وقبضته ملائكة الرحمة.
فيقول الشيخ العيد: هذا حديث عظيم وسنأخذ من هذا الحديث ما تأملته حيث نستطيع استخراج دروس تربوية ويجملها فضيلته في النقاط التالية:
1- الدرس الاول هذا الحديث جعله الامام مسلم في باب التوبة، فما هي التوبة؟
يقول الشيخ العيد انها الرجوع، رجوع العبد الى الله تعالى وهذا الرجل تاب الى الله ورجع وترك طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين ويريد ان يعود الى ربه وان يتوب من تلك الذنوب التي احدقت به حتى اصبح يسمى سفاحاً متميزاً قتل مائة نفس ومع ذلك اراد الرجوع الى الله تعالى,, فالهداية الى صراط الله المستقيم لا تكون ابداً مع الجهل بالذنوب لان الجهل ينافي الهدي والهدى لابد فيه من علم، ومن كان جاهلاً بالذنوب فانه لم يهتد.
- فلا تتم الهداية الى الصراط المستقيم مع الاصرار ومع الغي والمعصية لان ذلك ينافي التوبة والرجوع الى الله تعالى,, ولهذا قال العلماء وذكرها الامام ابن القيم لان التوبة لا تصح الا بثلاثة امور:
أ- معرفة الذنب: والميزان في معرفة الذنوب هو الكتاب والسنة.
ب- الاعتراف بالذنب.
ج- طلب التخلص من سوء العاقبة وذلك عن طريق العمل الصالح على المنهج الصحيح.
2- الدرس الثاني ونأخذ فيه قصة ذلك العابد صاحب الصيام والقيام والقربى، فعجب من ذنب هذا الرجل، قال له اني اذنبت واريد التوبة: قال له: ما ذنبك: قال: قتلت تسعا وتسعين نفساً,, نحن نستشعر به بأنفسنا لو دخل علينا رجل قال هذا قتل البارحة رجلاً قلنا اعوذ بالله,, والله تعالى يقول: من قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً فكيف اذا دخل رجل وقيل لنا هذا قتل خمسين نفساً، وكيف نقول ان هذا قتل مائة نفس ولعل هذا العابد كان الاثر في نفسه الاستعظام,, لأن كثرة العبادة عند العبد توجب له صفاء وتوجب هيبة وخشية من الله واستعظاما للذنب واكبارا له والبعد عن المعاصي والسيئات,, فان استصغرت السيئات ورأيتها صغيرة فلا شك إنك تصغر عند الله تعالى، واذا عظمت السيئات كنت عظيماً عند الله تعالى.
خطر القول على الله بغير علم
3- الدرس الثالث: خطر القول على الله بغير علم: فإن عقوبته في الدنيا والآخرة,, ففي الدنيا شاهدناه في هذا الحديث القتل فهذا افتى ثم قتل بفتواه بغير علم, وهذا الامام مالك ارسل اليه علماء مصر اربعين مسألة,,بعد ان شاع صيته في آفاق الارض وكان كلما عرض عليه مسألة من الاربعين قال لا اعلم ما ادري,, وقف الرجل مشدوهاً فلم يجب الامام مالك الا على بضع مسائل فقط,, فقال له الرجل انت امام الدنيا وصيتك طار في الآفاق وتقول لا ادري,, قال ارجع لمن وراءك واخبرهم ان مالك لا يدري,, وفي ذلك قاعدة يجب ان يعلمها الجميع كلما زاد الانسان علماً وتبصراً بالكتاب و السنة كلما زاد ورعاً وخوفاً من الله ان يقول على الله بغير علم.
4- الدرس الرابع: انه يجب على الانسان ان يسأل عما يعجز عن تركه من الذنوب والمعاصي او العادات السيئة,, فقد يكون الانسان اذا ألمت به معصية واحدقت بقلبه ضعف قلبه ان يتركها، فبعض من الناس لا يستفتي فيقول اخشى ان يعلم بحالي,, فلابد ان تستفتي من يثق بدينه وعلمه وهذا الرجل قتل مئة نفس ويبحث هنا وهناك عن الطريق الصحيح للتوبة.
5- الدرس الخامس: انه يجب ان يعلم الذي يسأل ويستفتي في مثل هذه الامور يجب ان يكون عالماً او طالب علم متمكن وليس كل واحد تبوح له بهذا الامر وتسأله,, فيجب على المسلم ان يسأل من يثق في علمه وفي تقواه وفي معرفته ودرايته وخبرته حتى يسهل عليك الطريق.
6- الدرس السادس: إن الاستقامة على دين الله لابد لها من تضحية كبيرة,, فمن يظن ان سيستقيم بدون ان يضحي فلا يعرف ثمرة الاستقامة,, وثمرة الاستقامة هي صلاح القلب والجوارح,, وثمرة الاستقامة هي الجنة الا إن سلعة الله غالية الا ان سلعة الله الجنة وقد ضحى صاحب الحديث بترك بلده وترك منزله واهله واقاربه وضحى بها في سبيل قلبه وايمانه.
7- الدرس السابع: ان الذنوب مهما عظمت وكثرت لا يعني ان العبد لا يتوب ولا يرجع الى الله تعالى.
8- الدرس الثامن: سعة رحمة الله بعباده,, فمهما كثرت ذنوب العبد فان الله يغفرها,, فالتوبة عامة لمن اقبل على الله تعالى,, ففي سورة البروج قال تعالى: قتل أصحاب الاخدود النار ذات الوقود اذ هم عليها قعود ماذا حدث لأهل الايمان خدت لهم اخاديد والكفار يلقونهم في النار,, هل تؤمنون بالملك بأنه الرب ام نلقيكم في النار؟,, قالوا: القونا في النار ويلقونهم واحداً تلو الآخر,, تأكلهم النار ويصبحون حمماً، ثم بعد ذلك اولئك الذين القوهم فتح الله لهم باب رحمته,, إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا اي من تاب غفر له الله ولو القى اخاه في النار.
9- الدرس التاسع: ان الاعمال بالخواتيم,, فهذا الرجل ليس بينه وبين توبته الا ساعات قلائل,, وقد تاب وقبل الله توبته.
باب التوبة مفتوح
10- الدرس العاشر: ان باب التوبة مفتوح للعباد جميعاً,, فباب التوبة مفتوح حتى تطلع الشمس من مغربها,, وباب التوبة مفتوح للعبد حتى تأتيه الغرغرة,, روى الامام احمد في مسنده وغيره عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يقبل توبة العبد مالم يغرغر فاذا حدثت الغرغرة فلا قبول للتوبة كما فعل فرعون .
11- الدرس الحادي عشر: إن الهداية بيد الله تعالى، وان مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام هي دعوة الناس لطريق الحق والخير فمن اخذ بها سعد، ومن اعرض شقي في الدنيا والآخرة,, والله تعالى يقول: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى .
وهذا الرجل اخذ بوصية هذا العالم وقد سعد في الدنيا والآخرة وان لم يمكث في التوبة الا لحظات ولكنها ادت لسعادة عظيمة,, عمل قليلاً ولكنه ذو اجر كثير,, ومن ثم فان مهمة الدعاة بيان الحق للناس وكون الناس يقبلونه ويعملون به او يسيرون فهذا ليس للدعاة ولا للانبياء والرسل وقد قال الله تعالى للرسول انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء .
12- الدرس الثاني عشر: خطر قرناء السوء على العبد,, لانهم يزينون المعاصي والظلمات للانسان,, وقد قال العالم للرجل انك في قرية اهل سوء ان تعش معهم تعود الى المعصية,, ومصداق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم المرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل .
13- الدرس الثالث عشر: فضل الرفقة الصالحة,, وثمارها في الدنيا والآخرة,, فثمارها في الدنيا البعد عن المعاصي,, وثمارها عند الموت إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وثمارها في الآخرة جنات عدن.
14- الدرس الرابع عشر: ان المشي في طريق الطاعة يحصل لصاحبه ثمرة الطاعة ولو كان في طريقها ويحصل له اجر الطاعة متى وجد الاخلاص والرغبة في ذلك,, والدليل على ذلك، هذا الرجل مشى في طريق اهل الصلاح والايمان فحصل له ان قبضته ملائكة الرحمة,, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً الى الجنة .
15- الدرس الخامس عشر: ينبغي للمسلم ان يخاف من مغبة المعاصي والذنوب,, ونعوذ بالله من آثار المعاصي والذنوب صغيرها وكبيرها,, لان مغبة المعصية كبيرة.
هي ذل في وجه الانسان وظلمة في قلبه ووحشة في نفسه ومع عقوبته في الآخرة نعوذ بالله من اثرها وبعد ذلك اجاب فضيلته على اسئلة الحضور واستفساراتهم.
|
|
|