منذ ثلاثة قرون كان الفلاحون في لنكولنشير يفزعون احياناً عندما يشاهدون اضواء خفيفة تنبعث ثم تخبو في السماء اثناء الليل، فكانوا يهرعون فزعين الى منازلهم ويخبرون ازواجهم انهم شاهدوا احد المذنبات - وكان المذنب في نظرهم نذيراً بكارثة مروعة كنشوب حرب او انتشار طاعون- فلاعجب ان كان يتملكهم الخوف! ثم تبين لاحدهم - ممن اوتي حظاً اوفر من العقل- ان الاضواء الغريبة في السماء ليست مذنباً وانما هي احدى العاب الفتى الصغير اسحق نيوتن مجرد فوانيس من الورق مربوطة بذيل احدى الطائرات الورقية!
وكانوا يفيضون في الحديث عن الفتى الذي افزعهم جميعاً بهذه السهولة، بعضهم يقول انه ولد عاطل لايصلح لشيء، يتسلل بعيداً لقراءة بعض الكتب بدلاً من ان يكد في مزرعة والده او على الاقل يحمل بضاعتها الى السوق!
ولم يكن الجيران فحسب هم الذين ينتظرون من نيوتن ان يفلح ارض ابيه، بل ان امه الارملة كانت تنتظر ان يشب عن الطوق ليعمل في المزرعة التي تركها له ابوه، ولكن نيوتن رأى في نفسه انه لايصلح فلاحاً رغم كونه ابن فلاح، ولايجد ميلاً كبيراًالى الزراعة، بل كانت لذته الكبرى ان يقوم بإصلاح بعض الساعات او صنع بعض الالعاب الالية، وفي ساعات كثيرة يخرج الى الخلاء ليرصد حركة النجوم بشغف شديد.
ان بداخله شيئاً مختلفاً عن اقرانه، لايعرف كيف يصفه لامه، التي ترى فيه طالباً كسولاً ولاهياً، يجلس في المدرسة صامتاً او يتلهى بكتابة اسمه على قاعدة النافذة غير منصت للاساتذة، ونتيجة لهذا الاهمال فانه لم يظهر اي تقدم على الاطلاق في الدراسة، وكان الاخير على فصله في اغلب الاحيان، ولم يتغير هذا الوضع الا بالصدفة البحتة، عندما انتهره احد الزملاء ذات يوم وركله في بطنه مستغلاً فرق التكوين الجسماني، فماكان من نيوتن الا ان اخذته الحمية وانقض على خصمه يضربه ضرباً مبرحاً، ويدلك انفه في الحائط تحقيراً له، ثم اتخذ قراراً مصيرياً ان يبز جميع زملائه في الدراسة وكأنها الشرارة الكامنة انبعثت فجأة لتكشف عماتحت غطاء البلادة من ذكاء ونبوغ وقدرة على التفوق.
ولكن بكل اسف لم يشفع له هذا التفوق لإكمال دراسته في كمبردج، خاصة ان المصروفات فوق طاقة والدته، التي لاتزال تستحثه كي يكتفي بهذا القدر من التعليم كي يعتني بمزرعة ابيه، ومرة اخرى يعتريه السأم والملل من اعمال الفلاحة الثقيلة والمملة، وتوترت علاقته بامه التي لاتستوعب طبيعته المختلفة عن سائر الفلاحين في القرية!! وفى يوم من ايام الخريف هبت عاصفة شديدة تنذر بإحداث تلف كبير بالماشية والمحصول، وبدلاً من ان يهتم نيوتن بمزرعتهم نسي كل شيء وراح يقيس قوة العاصفة، فكان يقفز اولاً في اتجاه الريح ثم يقفز في مواجهتها ويلاحظ قوة القفزة، وفي تلك اللحظة تبينت الارملة ان مثل هذا الفتى لايصلح ابداً ان يكون فلاحاً فنزلت على نصيحة اخيها ووافقت على التحاقه بجامعة كمبردج.
وفي سنة 1661 دخل نيوتن لاول مرة عبر بوابة جامعة كمبردج، وقد عقد العزم على النجاح، لان الفشل يعني العودة الى فلاحة الارض! ونظراً لان المال الذي كان بحوزته قليل ولايسد الرمق، فقد اضطر اسحق نيوتن - اعظم العلماء في عصره- ان يعمل خادماً حتى يتسنى له ان يكسب من المال مايقيم به اوده، وكان من عادة الطلبة الفقراء - في ذلك العهد- ان يخدموا على مائدة الطلبة الاغنياء اثناء تناولهم الطعام، وفي نظير هذه الخدمة كانوا يحصلون على طعامهم بالمجان! وكان حرياً بمثل هذا الوضع غير اللائق ان يصيبه باليأس والاحساس بالدونية، ولكن نيوتن بدلاً من ان ينشغل بفقره الذي لاذنب له فيه انشغل بشيء واحد فحسب: الدراسة، وبدلاً من ان يجلس بالساعات للثرثرة مع زملائه حول تلك المظاهر الفجة كان يعكف على الدراسة ويحاول ان يبتكر طرقاً جديدة في الحساب.
وكانت اولى المصائب التي واجهته وشعر بخطورتها الفادحة هي انتشار وباء الطاعون الكبير في لندن، الذي ادى الى تعطيل الدراسة واعادة الطلاب الى بيوتهم، فعاد نيوتن الى قريته مكتئباً منطوياً على نفسه لايتصور ان يضيع الحلم هباء هكذا، ولايعرف هل سيعود الى كمبردج ام لا!! والحقيقة فإن هذا الحادث كان بمثابة نعمة في طىّ نقمة إذ اتاح له فرصة التفرغ الكامل مما مكنه من اكتشاف طبيعة ضوء الشمس وتحليله الى الوان الطيف المعروفة من خلال المنشور، كما استطاع تطوير وتحسين المنظار بناء على كشفه السابق، وبالتالي لم يعد نيوتن ذلك الطالب الفقير الخامل وانما اصبح عالماً مبجلاً، استكمل دراسته وعين استاذاً بكمبردج، فكان يقضي بياض نهاره وسواد ليله في عمليات حسابية وتجارب علمية, وذات يوم بينما كان نيوتن جالساً في بستانه في قريته الصغيرة راح يفكر في الكون الكبير: لماذا تدور الارض والكواكب الاخرى حول الشمس (هذا ما قرره سلفاه كوبرنيقوس وجاليليو اللذان وصفا الظاهرة دون ان يتوصلا لعلتها!)واستمر نيوتن في طرح التساؤلات التي تقض مضجعه وتجعله صامتاً ميالاً للعزلة، وفيما هو جالس مستغرق تمام الاستغراق اذ بتفاحة تسقط من احدى الاشجار ( وهو امر يشاهده الآلاف دون ان يثيرهم في شيء!) فهب واقفاً وصاح: وجدتها,, وجدتها,, لقد ادرك ان سقوط التفاحة ناتج عن جذب الارض اي عن قوة الجاذبية، وتساءل: ألايمكن ان يكون جذب الارض هو السبب في دوران القمر حولها؟! وفي لحظة بارقة امتلأ نيوتن سروراً بهذا الكشف، وبدا له انه عثر على القانون الذي يتحكم في الكون كله، ولكن مع مرور الوقت شعر بخيبة الامل لان عملياته الحسابية فشلت في تأييد نظريته، فخشى ان يعلن رايه على الناس دون ان يقيم دليلاً علمياً، وعاش ازمة كل عالم جليل الدليل ما الدليل؟ هناك حدس قوي يسيطر عليه لكن بدون دليل ملموس، وقد اقتضى هذا ان يعمل عدة سنوات اخرى قلقاً متبرماً يعيد عملياته الحسابية المرة تلو المرة الى ان تأكد ان قانون الجاذبية امر مطابق للواقع واكتشف الخلل في عملياته الحسابية، وكانت تلك هي الخبطة الكبرى لنيوتن التي جعلته اشهر علماء اوروبا، الا ان نيوتن لم يتوج في هذه المكانة بسهولة، فسرعان ماظهر ادعياء العلم وزعموا انهم توصلوا الى هذا الكشف قبل نيوتن وتمادوا فاتهموا نيوتن بسرقة افكارهم، ولم يتوقع نيوتن ان تصل المهزلة ببعض العلماء الى هذا الحد! فاصابه الغم والاكتئاب ولم يعلق بشيء، لولا ضغط اصدقائه الذين ألحوا عليه كي يقرع الحجة بالحجة ويواجه الخصوم بشجاعة، فنشر بياناً عن هذا الكشف في سنة 1687 ضمن كتابه المسمى برنسيبا او مبادىء الفلسفة الرياضية.
وكانت آخر معارك نيوتن الجامعية حين واجهت كمبردج عدواناً على حريتها بسبب اختلاف المذاهب الدينية وتعيين اهل الحظوة في المناصب الرفيعة بدلاً من الاكفاء، واختارت الجامعة وفداً من علمائها الاجلاء للاحتجاج لدى الملك،
وكان نيوتن واحداً من اعضاء هذا الوفد، الذي كللت جهوده بالنجاح فكافأته الجامعة على خدماته بانتخابه عضواً في البرلمان.
ورغم هذا النجاح العملي وحصوله على لقب سير ورئاسته للجمعية الملكية، ورغم كشوفه العلمية المبهرة، الا ان نيوتن كان يردد في تواضع قبيل وفاته: لست ادري ماذا تكون مكانتي في نظر الناس من بعدي، ولكن في نظر نفسي ابدو كولد يلعب على شاطىء البحر ويتلهى بين الفينة والفينة بالبحث عن حصاة ملساء اكثر مما هو معروف او صدفة جميلة اكثر مما هو مألوف في حين ان محيط الحقيقة العظيم يترامى امامي وقد استغلق سره علي,,
|