Friday 20th August, 1999 G No. 9822جريدة الجزيرة الجمعة 9 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9822


في حوار خاص للجزيرة الفنان الليبي عمر جهان يقول
لديّ قناعة بأن الفن التشكيلي ليس للبصر فحسب

منذ ربع قرن والفنان الليبي عمر جهان يرسم ويبدع ويشارك في الحركة التشكيلية سواء بالمعارض الفردية او المشتركة، ولاتخطىء العين تصميماته المتميزة لأغلفة الكتب, أقام حتى الان ستة معارض يبحث من خلالها جميعاً عن لغة تشكيلية خاصة به، وهذا ما يتجلى بوضوح في معرضه الاخير الاقنعة , حول اعوامه الطويلة في اكتشاف لغة تشكيلية خاصة به كان هذا الحوار:
بشر وراء الأقنعة
*في معرضك الاخير الاقنعة او الاطاحة بالزمن ميل شديد الى الغموض,, لماذا؟
-معرضي الاخير اشبه بالكتابة الغامضة الناقصة والمضللة ايضاً، فلاوصول الى شرح واضح او تفسير واف, انها رسومات متفرقة لاتمنح الانسان مايأمل فيه ويشتهيه، ولاتكفي لإشباع نهمه المتزايد لارتداء الاقنعة.
اقنعة النفس والعقل والجسد,, هذه الاقنعة ليست بهجته او سعادته الغامرة، ايضاً ليست ذعره ويأسه وألمه الدفين، ان هي اشارة يفتقر اليها ذلك المجهول الكامن في اعماقه ومغامرة لرأب الصدع الذي ألمّ بوحدته,, إن هي الاثلاثة وشوم باهتة مائلة بالتوازي فوق جلد قناع قديم ولم يعثر عليها احد بعد.
*وعلى اي اساس تبني افكار لوحاتك؟
-انها لحظة تجمع بين الخلق والاختلاف، محاولة لسبر الغور، وعين اليقين فيها مجرد احتمالات متعددة,, دائماً تجد في لوحاتي رحلة مضنية اداعب فيها كل شيء: الالوان والمساحيق والسوائل والخرز والوبر والقش والحبال والصخور والمعادن المسنونة,, وكثيراً ما اعطي الشواهد والاشارات تاركا وراءها ظلا يدور مع قرص الشمس ، بحيث تبدو الاشكال زئبقية مراوغة قادرة على استيعاب ماورائية المشهد، منذ بدأ الايقاع وحتى الخفوت الاخير في شكل ملغز لايمكن ان يحدد المسار.
*هذه الحيرة البالغة وراء خطوطك والوانك تجعلني اسأل: من هم جمهورك؟
-لن اقول ان جمهوري هو جمهور المثقفين فقط او الفنانين التشكيليين او اساتذة الجامعات,, لا ,, المسألة ليست كذلك، وانما على قارىء لوحاتي ان يكون ذا خيال شاسع لاواسع، خيال شرس لاقوي، لكيلا يفقد التزاوج الحيوي شفرته المحجبة، لان اليد التي ابدعت اي خط في هذه اللوحات كانت مشروطة بخبرتها حتى لاتفقد تلك الشفرة ولعها المجنون بالانفلات من دائرة التخفي.
*في اي قضاء تمر فرشاتك,, ومن اي فلسفة تنبع الوانك؟ وكذلك المواد الخام؟
-فضائي رحب للغاية، تفنى فيه النقائض وتذوب الثنائيات، وفي نفس الوقت ذلك التزاوج المذهل الذي يفترس النسيج ويرعد الفجوات المستترة، اتحرك به، مابين ضرورة وحرية بين طبيعة وادراك، بين فراغ وانسداد، مجترحاً في كل مرة اعادة القراءة لتجليات اللوحة باستمرار والى مالانهاية، دافعاً بالاضواء والالوان والملامس والابنية دفعة واحدة وذلك لتحقيق مايمكن تسميته (التجسيد المادي للرؤية) هكذا تنفرط الاسئلة بانفراط الأخيلة.
*باستحياء اسم المعرض الاقنعة هل يرتدي الفنان بدوره قناعاً؟ وماملامح قناع الفنان كما صورتها؟
-ما الذي يتسنى لفنان وقف دون تداخل مرايا الماء والنار غير عابىء بتجاوز الانشطار الحادث مع كل مرحلة من مراحل العمل الملتبس بروح الطوطم والاسلاف، المعجون بكثافة الخامة الخاثرة، الممسوس بخفة الدهشة الاولى مذكان الكل للكل وكان الفن فناً قبل ان يصير محض تقنيات واساليب لفنانين فرادى منفصلين عن ذواتهم, انه استجابة نوعية تنفذ من حجب المعطى الدنيوي الجاهز,, كيف لهذا الفنان ان يبتكر قناعه الخاص؟ وكيف يصنع ذلك القناع المأمول سرده المتنامي ومجازه المتفرد وبلاغته الجديدة؟! خياله لم يعد ممكناً وحضوره كذلك,, ما من سر يتجانس على لوح مشهده سوى متعة صافية، وانبعاث لاواع للذكريات، ايقاظ بدهي لغريزة التفكيك والتركيب، نظم غير مسبوق للرموز والعلاقات والعلامات والاشياء, ما من سمت سواه ينهدم مكتظاً بالازدواجية والجور والخداع والخيبة, فياله من قناع ما يفتأ يلم شذراته المتناثرة بطول الارض وعرضها ثم يبعثرها ثانية باتساع.
اللوحة حالة إنسانية
*تتخذ لوحاتك مادتها من حالات مختلفة مثل: الغربة,, انقسام الذات,, التحلل,, الخير والشر,, الى أي مدى تؤكد ذلك او تخالفه؟
-دائماً اترك المتلقي لاعمالي يسفر عن المختبىء ويكتشف بنفسه مكنون الاشياء، وفي نفس الوقت اترك العمل الفني ينبىء عن نفسه ويسفر عن وجهه الاصيل او الهجين,, واخيراً اترك الفرصة لما يأتي به الافق القادم، ولا احد يعرف بالتحديد كيف ظلت واقعية اللوحة مثلاً بامتداد حالاتها افقياً ورأسياً بعيدة كل البعد عن النسخ، المحاكاة والمباشرة والانعكاس وميكانيكية الاعادة وواقعية الابتكار لا واقعية النقل والاجتزار, فدائماً لدي قناعة بان الفن التشكيلي ليس للبصر فحسب وانما هو للاذن ايضاً، فنسمع موسيقى اللوحة وانينها، ضحكاتها وصراخها,, الخ, وهو ايضاً لحاسة اللمس ولكافة الحواس الاخرى على السواء,, والفن عندي ينتفي فيه التعارض بين الفاعل والمفعول، النفعي والابداعي، الواحدة والكثرة، اللامرئي والمرئي، لان لعبة المفارقة مابين الاحالة الى الشيء واخفائه في آن هي اساس الوضع الانساني الشامل.
*وما سر اختيارك للالوان مثل الاحمر والاصفر والاخضر؟
-ازاوج في عملي بين فوضى الالوان وبخاصة الاصفر الشمسي والاحمر الدموي والابيض الجيري والاخضر، مزاوجة طابعها العنف والوداعة ، مزيج من الاثم والبراءة، حركة متوالدة تهز عناصره التشكيلية صفة وموصوفاً,, الصفة حنين لاعج للكشف، والموصوف مغارة قرمزية داكنة، وهما معاً يحملان في احشائهما بذرة الحياة، ومنجل الردى، يؤلفان بين الصدفة والصيرورة، قوسهما المشدود الماء والنار والرماد.
*في بداية الكلام تحدثت عن الوشوم الثلاثة فماذا تقصد بها؟
-الوشم الاول يتراءى فيما هو ابعد من الاثارة والمهارة واحابيل الصنعة، يخرج وحيداً سافر الوجه جامد الرؤية، وقبل ان يكتنفه صمت عزلته يغطي سطح القناع بسناج يسح من مصباح معلق,, يهتز مثل بندول ويتراوح بين الماورائي واليومي, اما عن الوشم الثاني فهو يسعى نحو قناع ناصع الالوان يحمي من تعاسة لاريب فيها وكشيء غامض يجعل الذات تفلت من اسار ذاتها، ساخرة من كل لون وملمس ويظل النور يتقاطع مع ظله المجوف.
وآخر وشم حين يمتزج الفنان والمادة حتى يصيرا كلاً واحداً، عظماً ولحماً ودماً, ويصير النحت والمنحوت والنحات صورة شفافة، ساعتها يبرز الفن كما تقول اسطورة قديمة لحظة انبثاق شبح الموت حاصداً ارواح البشر, اولئك الذين كانوا خالدين وكانت الاشكال تنعم بأبدية لاتحتاج معها الى تعبير او تقليد، وفي غنى عن الرمز والاستعارة والاحالة، وحيث ان شبح الموت جعل كل شيء الى زوال، فقد احتاجت الحياة الى من يعينها على البقاء والاستمرار ولم يكن ليتم لها ذلك الا بواسطة الصنعة الفنية التي ابتكرها الانسان لكي يجعل حياته وان لم تخلد - اكثر بهجة واعمق معنى وأبلغ دلالة, بل ابتكر قناع الفن استجابة لرغبة انطولوجية خاصة تدفعه وتضعه في مواجهة المستحيل لكي يرى مالايُرى.
ولايفزعنا ان يرتدي اشباهنا اقنعة متعددة ولكن مايلقي الروع في نفوسنا حقاً هو رؤيتنا لتلك الاقنعة وهي تتفنن في ارتداء ملامح الوجوه الصلدة الفانية.
علاء البربري
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved