نحن أمة نؤمن بقضاء الله وقدره، ونؤمن أن الحياة حق وأن الموت حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، ونؤمن أن لله ما أعطى وله ما أخذ، وكل شيء عنده بمقدار, ولا نعترض البتة على هذا القضاء والقدر.
ولكننا أمة كالأمم نفرح ونحزن ونتأثر ونشعر، ونعبر عن ذلك كله بطريقتنا الخاصة، فلا نشق الجيوب ولا ننفث الشعور، ولا نرفع أصواتنا بالنياح والعويل، ولكننا نلتجىء إلى الله تعالى أن يلهمنا الصبر والسلوان على أية مصيبة تحل بنا فنسترجع، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.
ووفاة أمير الشباب صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز لا تخرج أبداً عن هذا السياق، فهي صدمة، ولكنها صدمة حلت على قوم مؤمنين، وهي مصيبة، ولكنها مصيبة عصفت بمن لديهم قوة إيمانية قادرة على التصدي لها، وإلا فإن موت فيصل بن فهد يعد خسارة من الخسارات التي تمر بها الأمة، فنسأل الله تعالى أن يعوض المسلمين خيراً.
ومما يحمد للفقيد مما هو معلوم لدى الناس هو احتضانه ليتيمة من دار الحسين للأيتام في الأردن عندما كان في زيارة لها، ومما يحمد له متابعته الشخصية لموضوع بنية صغيرة نشرت قصتها إحدى المجلات العربية فلم ينم هانئا حتى يطمئن على مصيرها، وهذه آخر الانطباعات عنه، والذين يعرفونه يعرفون عنه أنه كان - رحمه الله - يبذل الكثير، ويصر مع ذلك على عدم إعلان ما يبذله في الداخل والخارج، ولكن الناس تتحدث عن هذه الأريحية في حياته، وسنجد من الصور هذه كثيرا بإذن الله في الإعلام وفي الكتابة عنه - رحمه الله -.
أما جهوده الرسمية فلست من يتحدث عنها لأنها تتحدث هي عن نفسها، فقد كان مثالاً للشاب السعودي، ثم للأب السعودي، وسأنقصه حقه إذا تحدثت عن هذا الجانب من حياته - رحمه الله -.
وكان آخر عهدي به كلمات طيبة مشجعة مباركة أسداها لي عبر الهاتف ودعوات مقبولة بإذن الله بالتوفيق، ولكني لم اكتف بذلك، بل طلبت مقابلته فرحب ترحيبا ظاهرا فيه رغبته في ذلك، وزودني بهاتف المنزل، وحثني على سرعة إنجاز المقابلة، وكنت أرغب في توجيهاته في المجالات التي يرعاها وترعاها الوزارة, وحالت مشاغله دون أن يتم اللقاء معه، لا سيما أن له عناية بالمعوقين من خلال ترؤسه لاتحاد المعاقين، وله عناية بالمحتاجين من خلال الجهود التي قام بها، ورفض الإعلان عنها - رحمه الله - ,عزاؤنا فيه أنه ترك وراءه من يدعو له من أبنائه القريبين والبعيدين، وعزاؤنا فيه أنه ترك وراءه صدقة جارية، تدر عليه أجراً، وفضل الله عظيم، وعزاؤنا فيه أنه شجع العلم والعلماء وأسهم في نشر الكتاب المفيد، وهو من العلم الذي ينتفع به، وحيث انقطع عمله، فإنه ترك وراءه هذه العناصر الثلاثة التي يتمنى أن يزكها كل مودع، وله منا جميعا الدعاء بالمغفرة وأن يجمعنا الله به وبأحبابنا جميعا في الفردوس الأعلى، وأن يلهمنا نحن أهله، ونشرف أن نكون من أهله، الصبر والسلوان، وأن يستمر عطاؤه الذي عرف عنه حتى بعد مماته - رحمه الله رحمة واسعة، وكان الله في عون أمة فقدته، وعوضها خيراً، وكان الله في عون الجميع.
*وزير العمل والشؤون الاجتماعية