Friday 27th August, 1999 G No. 9829جريدة الجزيرة الجمعة 16 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9829


الدُّبال مأساة اقتصادية

تنشأ الخلافات والصراعات البشرية غالبا من اختلاف في تفسير بعض الكلمات, والدُّبال هو إحدى تلك الكلمات التي يمكن الاختلاف حولها، فمعناها عند الكيميائيين، يختلف عما عند علماء البيئة والفلاسفة والشعراء، أما عند فلاح الأمس فهو الغذاء والخصب للأرض.
إن المقصود بالدُّبال، الزبل المترب الضارب للسواد الذي تكشفه ضربة قدم في الغابة او المرعى او الحقل او الحديقة، ويتشكل في الطبقة السطحية للتربة، نتيجة تحولات المادة العضوية، من اي مصدر كان، وفي داخل التربة، من اتحاداتها بالمعادن والكائنات الحية الدقيقة.
فالدُّبال إذن ركيزة الصفات الحيوية والوظيفية للتربة المساهمة في الانتاج، والتعبير عن العلاقات الوطيدة بين الأرض التي يجعلها حية وبين الكائنات الحية الاخرى، إنه الرباط بين الارض والانسان، انه إكسير الحياة.
يقول أندريه بيير في كتاب له عن ظاهرة الدُّبال: الدُّبال مادة عضوية سمراء قاتمة خفيفة الوزن داكنة اللون، تميل الى السواد، تنتج عن تحلل المادة العضوية للمخلفات النباتية والفضلات الحيوانية،بعد طمرها وتخمّرها فتسهم في تحسين البنى الهيكلية واغناء التربة الفقيرة والتوازن الغذائي لها.
ويؤدي نقصان هذه المادة في التربة الى نقص العناصر الغذائية واستنزافها والتأثير على الثمار والمحاصيل ومن ثم تبدأ الامراض المجهولة تظهر بوضوح.
فالدُّبال هو الذي يعطي التربة قيمتها وبخاصة في الاراضي المستصلحة والمستثمرة زراعيا، لأنه يعمل على تفكيك التربة الطينية الثقيلة وتهويتها، كما يغيّر من طبيعة التربة الخفيفة ويزيد من تماسكها وتحسين قوامها وزيادة العناصر الغذائية فيها.
وهكذا تسهم البيئة الطبيعية مع الانسان في تجديد قوى الارض واستمرار الحياة فيها.
إن مشكلة أو ظاهرة الدُّبال تتخطى زمان الوجود البشري، فهي مشكلة أجيال، تخصّ كل الكائنات منذ وجدت حياة منظمة على كوكبنا، فكانت ملكا لجميع البلاد التي مارست البشرية الزراعة فيها، وهي ملك لجميع شعوب يومنا هذا، وستكون ملكا لجميع الأجيال القادمة بعدنا.
إنها مشكلة عالمية، تتجدد معطياتها كل لحظة من لحظات، حياتنا ورغم بعدنا عن تقليل أهميتها، فإن التطور التقني يزيدها حدة.
إنها مشكلة زراعية ، بل أكثر من ذلك، إنها مشكلة حيوية وبيئية واقتصادية وبشرية في آن واحد.
إنها مشكلة تنظيم العلاقة بين الارض والانسان، إنها مشكلة حضارة.
هذه المشكلة منسية في عصرنا الحالي، ليس من الناحية لفنية فحسب، بل بوصفها اساسا للحياة، وباعتبارها قاعدة بناء ترتكز عليها الصحة والسعادة البشرية.
ومنذ عدة سنوات خلت، اصبح الشغل الشاغل لكثير من الدول الحديثة حماية نوعية البيئة الطبيعية لضمان حياة شعوبها.
إن التأثيرات المذهلة لتلوث البيئة قد فتحت الأعين على نتائج سلوكنا السيىء تجاه الطبيعة,, فبدأت مجتمعاتنا تفهم ما يجب علينا عمله ضد العوامل الضارة التي تهدم الحياة.
إن ثمة معركة ضارية تقوم ضد التلوث، تدعونا إلى التشمير عن السواعد، بيد أن الدُّبال في خضم جميع هذه الاحتجاجات والممارسات، يبقى مهملا، وهذا الاهمال موجود في الزراعة وفي سائر البرامج الاقتصادية.
لقد جاء نسيان الدُّبال تدريجيا في البلدان الحديثة، حتى المزارع ذاته، أصبح بعد الحرب العالمية الثانية مستثمرا والمعنى ذو مغزى كبير للغاية، فقد تلاشى الاهتمام الاول بالدُّبال، بقدر ما أخذ مفهوم الاستثمار شكله وبُعده.
حتى الحركات والمنظمات والجمعيات البيئية ذاتها، بعيدة عن الاهتمام بالدُّبال، وأصبح الإهمال الحالي له عاما وشائعا.
ومن ثم، فقد هجر الدُّبال من الجميع، وللأسف.
إن هدم الدُّبال مأساة كبيرة يخنق اتساعها وتطورها كل مراقب مثقف، وتبدو مسؤولية الانسان واضحة عن هذا الهدم، ويزداد الضرر الناتج عن هدمه بصورة مطردة.
لذا يرى علماء البيئة ان اختفاء الدُّبال يعود إلى الكسر غير المعقول للغطاء النباتي، مما أدى الى تلف الدُّبال خلال آلاف السنين التي ازدهرت فيها تلك الحضارات.
يقول لويس امبرجر: إن مناطق الشرق الأوسط الآن صحارى بصور متفاوتة، لكنها صحارى كاذبة، أي انها تصحرت بسبب سوء الاستعمال بدرجات مختلفة خلال قرون عديدة.
وقد كشف احد التحقيقات الأخيرة لمنظمة التغذية والزراعة الدولية عن بعض البلدان الفقيرة، كانت غنية بمواردها ومكتظة بالسكان، فاتجهت الى زيادة عدد قطعان الماشية ولكن هذه الزيادة فاقت زيادة السكان، مما أدى إلى الرعي الجائر الذي حصل بسبب الفقر.
وبينما تستمر أشكال تلف الدُّبال في الماضي بالازدياد فقد اضاف حاضرنا اسباب تخريب جديدة إضافة إلى أسباب مثل: تلف الغابات والغطاء النباتي، وحرق المراعي، والتدفئة بروث الحيوانات، والرعي الجائر، وتعرية التربة، والحروب.
إن وسائل الضرر غالبا ما تكون مستترة، وتحدث في البدء دون معرفة الفلاحين المرتبطين بالارض ناسفة قواعدهم الراسخة منذ آلاف السنين.
ولا يقتصر هدم الدُّبال على الاقتصاد الزراعي فحسب، وإنما يتعداه الى أمراض التربة والانسان، على جميع المستويات، بسبب العمليات الزراعية الصناعية التي تتجنّب كلفة حفظ الدُّبال .
ومع فقد الدُّبال سيصبح الجميع مهددين، وسيضاف الى خطر المجاعة، خطر الميل إلى الانحطاط المتسارع للنوع البشري وللعالم الحيّ، نتيجة تدهور نوعية الغذاء بالتصنيع الزراعي والتلوث والنقص مما يهدد الانسان والتربة والكائنات الحية وينذر بالخطر, وتتشارك الظواهر الاقتصادية والتقنيات لتطبع على طرق الاستنزاف تسارعاً أشد خطورة.
لقد حان الوقت لاعادة الاعتبار إلى الدُّبال، ليأخذ بعده في تحسين الانتاج الزراعي, حيث يلعب دور المهندس المعماري، وموفّر القدرة، والحارس الأمين، والعامل القوي في تنشيط الحياة النباتية، وهو المنظم الاساسي إذ يرفد النبات بالغذاء اللازم.
إن دوره حيوي وكبير في مجال التغذية والإنماء الاقتصادي، فهو يعمل باستمرار ويأخذ بعده دون توقف كدولاب، حتى تتواصل مراحل النمو النباتي بانتظام.
فانعكاس مفهوم التلوث على الصحة، يتيح لنا الفهم الكامل لدور الدُّبال، ليس في الاقتصاد الزراعي فحسب بل وفي الاقتصاد العام.
ان نوعية الغذاء تنعكس على الصحة، وبالتالي على النشاط والسعادة والسرور، وعلى نفقات حفظ الشعوب وفعاليتها في العمل، وفي النهاية على ثمن المحاصيل الاستهلاكية.
وباختصار الدُّبال حارس أمين على الصحة والاقتصاد العام.
لندع تأثير الدُّبال على الاقتصاد جانبا، ونرى العلاقة بين الإنسان والدُّبال، والانسانية تستنير بيوم جديد, فإذا تتبعنا نتائج نوعية الغذاء على الصحة، نتحقق بأن تغيّر النوعية الغذائية لا يؤثر على الجسم وحده، بل يصل تأثيره الى الحالة النفسية أيضا.
ثم إن الحسابات التقريبية لنتائج الضياع الحقيقي للاقتصاد الناجم عن إهمال الدُّبال وصلت الى حوالي 40% من ميزانية أي دولة.
ختاما أقول ينبغي إعادة النظر بشكل جذري في الاقتصاد الحالي لأمم تدعي أنها متطورة,!!
د, زيد بن محمد الرماني
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عضو الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية
عضو جمعية الاقتصاد السعودية

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
شعر
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved