يستخدم مفهوم العولمة Globalization على نطاق واسع لتوصيف ومحاولة تحليل التحولات المتسارعة في العالم، ورصد اثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية واصبح مفهوم العولمة اقرب الى الموضة حتى انه يستخدم احيانا لوصف عمليات التغيير في الزي او حتى في المطبخ، واتسع المفهوم حتى يكاد كل شيء وأي شيء, من هنا كان التعبير الشهير ان العولمة هي اللحظة التي تعيشها في الواقع والمستقبل!!
وفي اطار عصر العولمة ظهر مفهوم عولمة الاعلام او الاعلام المعولم باعتباره التطور المذهل في تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وامكانية البث المباشر عبر الحدود السياسية والمكانية او بتعبير عالم الاجتماع البريطاني جيدنز ضغط للزمان والمكان وفصل للمكان على الهوية.
من جانب اخر اكدت بعض الدراسات ان جديد عولمة الاعلام يتمثل في سيطرة الشركات متعددة الجنسيات وسطوة الاعلان وازالة الهوية الثقافية لشعوب العالم لصالح الثقافة الغربية او بالتحديد الثقافة الامريكية او مايعرف بالامركة.
ومهما تكن محاولات تعريف عولمة الاعلام فان العناصر الاهم في ادراك عولمة الاعلام هي ان عولمة الاعلام تتخذ شكل العملية المستمرة، وان الجانب الاقتصادي والتكنولوجي يمثل القوة الدافعة للاعلام المعولم، والثابت أن تحالف رأس المال وتكنولوجيا الاتصال والمعلومات وصناعة الترفيه قد خلقت كيانا رأسماليا مندمجا وضخما اصبح من علامات عصر العولمة، وقد اطلق على هذا الكيان قطاع الاتصالات المعلوماتي الترفيهي infotainment telesector والذي يضم هؤلاء الذين يخلقون عالم اللافتات والرموز ويتحكمون فيه، ذلك العالم الذي تنقل من خلاله كل المعلومات والاتصال والترفيه، ويشمل الصاغة وراسمو الصور كأصحاب وكالات الاعلان والمنتجين السينمائيين والصحفيين والمفكرين، بل ومبرمجي الكمبيوتر، وكذلك المدرسين والوعاظ والنقاد,, واخرون ممن يلبون احتياجات الروح البشرية الفردية وروح الشركات الجماعية.
وتقدر معاملات صناعة الاتصالات عام 1995 بالف مليار دولار، ترتفع خلال خمس السنوات القادمة الى حوالي الفي مليار دولار، اي مايعادل 10% من التجارة العالمية، وقد ازدادت مكانة ودور قطاع الاتصالات المعلوماتي الترفيهي في اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى، وفي انشطة الشركات متعددة الجنسية، ويقدر راسمال صناعة الراديو والتليفزيون في الولايات المتحدة بحوالي 50 مليار دولار عام 1995 حققت 15 مليار دولار ارباحا,, في الشهور العشرة الاولى من عام 1995.
وتحتل صادرات المنتجات الثقافية الامريكية المرتبة الثانية بعد الطائرات، وقد صدرت الولايات المتحدة افلاما الى دول الاتحاد الاوربي عام 1992 بقيمة 3,7 مليارات دولار، وذلك على الرغم من ان اجمالي عدد الافلام التي تنتجها أوربا اكبر من الولايات المتحدة، ويعمل في قطاع الاعلام والترفيه الاوربي حوالي 1,8 مليون شخص من المتوقع ان يصل عددهم 4 ملايين عام 2005 من هنا تحرص آوربا الموحدة على مواجهة التحديات الاقتصادية والثقافية التي تفرضها صناعة الاتصال والترفيه والمعلومات الامريكية.
ولاشك ان النمو المتلاحق في قطاع الاتصالات المعلوماتي الترفيهي سواء على مستوى الاقتصاديات الوطنية او الاقتصاد العالمي يشير بوضوح الى الجانب الاقتصادي في عولمة الاعلام او ما يمكن وصفه بالجانب الاعلامي في الاقتصاد المعولم، وهذا الجانب تختلط فيه وتتداخل على نحو بالغ التعقيد متطلبات السوق وآليات الاقتصاد الرأسمالي المعولم، مع خصوصية المنتجات الاعلامية والترفيهية والمعلوماتية كرموز ثقافية حاملة لقيم ومعاني وعادات وسلوك وانماط حياة , ومثل هذا التداخل قد يدفع احيانا الى:
أولا: تنميط المنتجات الاعلامية المعلوماتية بهدف توحيد العالم وفق متطلبات الاقتصاد، وخصوصا اقتصاديات الانتاج الاعلامي والترفيهي الامريكي والذي يسيطر على السوق العالمي.
ثانيا:مراعاة الخصوصيات الثقافية والقومية والعمل من خلالها، بمعنى تجنب الاصطدام بها لتحقيق مكاسب اقتصادية في ظل التنافس الحاد بين المنتجات الاعلامية وتعدد الخيارات المتاحة للشعوب, في هذا السياق يمكن ادراك ظاهرة تجزئة الجماهير، وزيادة الاتجاه نحو الاعلام المتخصص ولامركزية الاتصال التي تعتمد على تقديم رسائل متعددة تخاطب الحاجات الفردية الضيقة والجماعات المتجانسة.
ويمكن القول ان الارباح المغرية التي يؤمنها قطاع الاتصالات المعلوماتي الترفيهي قد جذب العديد من الشركات العملاقة متعددة الجنسية الى توجيه استثماراتها الى هذا القطاع، من جانب اخر فان تكنولوجيا البث الفضائي عبر الاقمار الصناعية قد شجع الكثير من شركات الاتصال المعلوماتي الترفيهي للعمل عبر الحدود ، وتنويع انشطتها فضلا عن الاندماج وتكوين كيانات اقتصادية اكبر.
والواقع ان تعاظم دور الشركات متعددة الجنسية وسعيها المستمر نحو الاحتكار والتركيز اصبح من معالم عولمة الاقتصاد، حيث بلغ نصيب رأس المال تعدد الجنسيات في الانتاج المحلي الخام في العالم 30% عام 1995، وتسيطر 200 شركة عملاقة بانشطتها العالمية على الاستثمارات الزراعية الكبرى والمنتجات المصنعة والخدمات المالية والتجارية، وكانت حركة التجمع والاندماج بين الشركات متعددة الجنسية قد زادت لتصل الى 15% سنويا في الفترة من 1986-1996 وليس هناك ما يشير الى تباطؤ هذا المعدل في المستقبل القريب، واذا لم يتغير شيء من الان وحتى عام 2000 ستصل قيمة اعمال التجمع (التركيز) الى حوالي 10000 مليار دولار.
ولم يكن قطاع الاتصالات والمعلومات الترفيهي استثناء من قوانين الاحتكار والتركيز الذي مارسته بامتياز الشركات متعددة الجنسية، من هنا تحفل الكتابات الاعلامية والاقتصادية باحصاءات ومعلومات عن اسماء الشركات القومية (المحلية) او المتعددة الجنسيات التي تم شراؤها او اندمجت لتشكيل كيانات اكبر سواء على المستوى القومي (المحلي) او العالمي، في هذا السياق قدم باجد يكيان Bagdikian قائمة باندماجات شركات الاعلام والاتصال في الولايات المتحدة تغطي الفترة من 1966 الى 1994، وخلص الى انه بحلول التسعينات كانت سبع عشرة شركة اعلام ضخمة تحصل على نصف اجمالي العائدات من كل وسائل الاعلام، بما في ذلك التسجيلات الصوتية والكيبل والفيديو كاسيت، وكان التجميع (التركيز) قد ادى الى تقليص عدد اللاعبين من 46 سنة 1981 الى 23 سنة 1991 منها عدد قليل جدا يعد اعلاميا بحق.
ومن الصعب رصد حركة الاندماج المتسارع بين الشركات متعددة الجنسية، او مشروعات ملوك الاعلام والاتصال والترفيه مردوخ وبيل جيتس وجان لوك لاجارديرن وتيد تيرنر، اذ ان كل يوم يحمل اخبارا عن اندماج جديد او قيام تحالف او مشروع جديد، من هنا قد يكون من المفيد التوقف عند اهم سمات آليات عمل شركات الاعلام والاتصال والترفيه العلاقة.
*كاتب وجامعي مصري ومدير مكتب الجزيرة بالقاهرة