بعد أن وضعت إسرائيل سقفاً للتعاون مع أنقرة آفاق مفتوحة لمرحلة جديدة في العلاقات العربية - التركية د, وحيد عبدالمجيد |
شهدت العلاقات العربية - التركية تحسناً ملحوظاً في الشهور الأخيرة، ووضع هذا التحسن حداً للتوتر الذي شاب هذه العلاقات، أو جانباً يعتد به منه على الأقل، منذ مطلع العام 1996 عندما تصاعد التعاون العسكري بين أنقرة وتل أبيب, وبلغ هذا التوتر ذروته في خريف العام 1998 حين صعَّدت تركيا أزمتها مع سوريا ووصلت بها الى حافة الهاوية، قبل أن تتمكن الوساطة المصرية من نزع الفتيل.
وساهم التفاهم الذي تم الوصول إليه بين دمشق وأنقرة في أكتوبر 1998 في خلق أجواء أتاحت تحسن العلاقات العربية - التركية في مجملها, وارتبط ذلك أيضاً باكتشاف العرب حدود التعاون التركي - الإسرائيلي مما أدى إلى تراجع في حجم المخاوف التي ترتبت عليه, ولكن الأهم من ذلك هو ما أظهره الجدل العام في إسرائيل حول هذا التعاون من وجود اتجاه قوي لا يحبذ تجاوزه مدى معينا، في الوقت الذي أظهرت تركيا من جانبها حرصاً على علاقاتها العربية، رغم ما ينتاب سياستها من أخطاء في جانب أو آخر من هذه العلاقات.
ولم يمض وقت طويل على اتفاق أضنة التركي - السوري حتى تبين أنه فتح آفاقاً تتجاوز طابعه الأمني, ومثلما أبدت سوريا حرصاً على فتح صفحة جديدة مع تركيا، فتخلت عن زعيم حزب العمال الكردستاني التركي عبدالله أوجلان، الأمر الذي كان له أكبر الأثر في نجاح السلطات التركية في اعتقاله يوم 15 فبراير شباط الماضي ، حرصت أنقرة بدورها على غلق الصحفة القديمة فلم تستغل اعترافات أوجلان لممارسة تصعيد جديد, ورغم عدم توافر معلومات تفصيلية عن هذه الاعترافات، فالأكيد انها تضمنت علاقة حزبه مع دمشق وما قد يكون حصل عليه من دعم ومساندة سورية، وهو ما أشارت إليه صحف تركية وغير تركية.
ولكن تغلبت الحكمة في كل من أنقرة ودمشق اللتين عبرتا في أكثر من مناسبة عن اهتمامها بتنمية العلاقات بينهما, حدث ذلك مثلاً خلال زيارة نائب رئيس الوزراء السوري سليم ياسين إلى أنقرة في أواخر مارس حيث أجرى محادثات مع نائب رئيس الوزراء التركي حكمت أو لوجباى أعلنا في نهايتها عزمهما على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية ومواصلة العمل المشترك في هذا الاتجاه.
فقد ارتبطت النقلة في هذه العلاقات بحاجة تركيا إلى شريك متقدم في التكنولوجيا العسكرية بهدف تحديث قواتها المسلحة من ناحية، وبالعوائد المالية التي تجنيها إسرائيل من هذا التحديث من ناحية أخرى, ورغم أن هناك آفاقاً ما زالت مفتوحة للتعاون الاقتصادي، إلا أنه من الصعب تحقيق نقلة كيفية من نوع امداد إسرائيل بمياه تركية حتى بعد أن قدم الرئيس التركي ديميريل عرضاً بهذا الخصوص خلال زيارته لإسرائيل في منتصف يوليو تموز 1999, وهذه الفكرة ليست جديدة، وطرحت مرات من قبل, ولكن تبين في كل مرة أنها غير اقتصادية وبالتالي تفتقد إلى الرشادة، فالوسيلة الممكنة عملياً لتوصيل مياه من تركيا إلى إسرائيل هي مد أنابيب في أعماق البحر المتوسط لمسافة لا تقل عن ثلاثمائة كيلو متراً.
ويرى الخبراء الإسرائيليون أن تكلفة نقل المياه في هذه الحالة ستكون باهظة، إلى حد أن رجح أحدهم شاؤول أريوزالوف أن يتكلف الكوب الواحد من المياه حوالي دولاراً ونصف الدولار إذا تم تنفيذ المشروع بهذه الوسيلة.
وليست هناك وسيلة أخرى متاحة ومضمونة في الوقت الراهن، لأن فكرة نقل المياه عبر بالونات كبيرة عن طريق الجو لم تخضع للتجربة حتى الآن.
غير أن عدم الحماس الإسرائيلي للحصول على مياه من تركيا لا يعود فقط إلى ارتفاع التكلفة، فالعامل الأكثر أهمية، والذي ينبغي أن ينتبه إليه العرب جيداً ، هو خوف الإسرائيليين من أن يرتبوا حياتهم على افتراض أن العلاقات مع تركيا ستظل جيدة إلى الأبد, ولم تخف وزيرة البيئة الإسرائيلية داليا إيستيك هذا العامل عندما علقت على العرض التركي، رداً على سؤال للإذاعة الإسرائيلية في 15 يوليو تموز قائلة: على إسرائيل ألا تعتمد على المياه التركية لأن العلاقات مع هذه الدولة يمكن أن تتغير .
ولذلك فرغم ما تم الاتفاق عليه خلال زيارة ديميريل لإسرائيل، وهو تشكيل لجنة خاصة لبحث العرض الذي قدمه ديميريل بخصوص المياه، يبدو قبول هذا العرض مستبعداً لأسباب سياسية، فضلاً عن موانعه الاقتصادية المتعلقة بارتفاع التكلفة.
فهناك اتجاه قوي في إسرائيل لا يرى آفاقاً استراتيجية للعلاقات مع تركيا، وخاصة إذا أحرزت عملية السلام تقدماً، ويبدو أن الإسرائيليين الذين يعولون على العلاقات مع تركيا هم الأكثر تشاؤماً بشأن مستقبل عملية السلام، وحتى بعض هؤلاء عبروا صراحة عن قلقهم في أقصى لحظات تصاعد الأزمة السورية - التركية في أوائل أكتوبر 1998 حين وصلت إلى حافة الهاوية، وأدركوا أن علاقة التعاون المربحة يمكن أن تتحول إلى عبء ثقيل وتفرض بذل جهد كبير لاثبات ان إسرائيل ليست لها علاقة بالتصعيد التركي.
وكان الدرس الأهم الذي استخلصه الإسرائيليون، على ما بينهم من تفاوت في موقفهم من العلاقة مع تركيا، هو أنه من السهل على أي زعيم عربي أن يزج بإسرائيل في كل نزاع مع تركيا، في الوقت الذي توجد أسباب كثيرة لمثل هذا النزاع منذ عهد الامراطورية العثمانية على حد تعبير حامي شيلو في معاريف 7/10/1998 ، والذي طرح سؤالاً ذا مغزى مهم بقوله: إن النزاع بين سوريا وتركيا يجب أن يثير نقاشاً لمسألة ما هي المصالح الحقيقية لإسرائيل مع أنقرة وهل تتضمن - وفقاً لسابقة صدام حسين- صواريخ سورية تسقط علينا.
وإذا كان هذا السؤال يعبر عن مخاوف إسرائيلية ناجمة عن العلاقة مع تركيا من زاوية ما يمكن أن ترتبه من مخاطر مفاجئة، فهناك اتجاه آخر أوسع نطاقاً في إسرائيل يتفق على أهمية وضع سقف لتلك العلاقة ولكن ليس خوفاً من التورط في نزاع تركي مع دولة عربية وإنما للحرص على فتح آفاق لتنمية العلاقات مع العرب أو بعضهم، ويسود هذا الاتجاه في أوساط حزب العمل ومعسكره السياسي الذي يأمل في دفع عملية السلام إلى الأمام بما يوفر فرصاً لتسخين السلام البارد مع مصر وبناء علاقات مع عدد من الدول العربية.
ولذلك لا يريد هذا الاتجاه أن تكون علاقات إسرائيل مع تركيا بديلاً عن الحوار مع العرب أو معيقاً لمستقبل العلاقات الإسرائيلية - العربية, وفي داخل هذا الاتجاه فريق يرى أن مصر أهم من تركيا بالنسبة إلى إسرائيل, ومن أقطابه الوزير شلومو بن عامي الذي يرى أن تدعيم العلاقات مع تركيا هو جزء من ميراث حلف المحيط الذي سعى إليه بن جوريون في الخمسينات، ويقصد بذلك السياسة الإسرائيلية التي استهدفت بناء علاقات قوية مع الدول غير العربية في الشرق الأوسط.
وأعلن بن عامي، في محاضرة ألقاها في مركز جافا للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب في يونيو حزيران 1999 عقب فوز باراك في الانتخابات الإسرائيلية، أن العلاقات مع تركيا مهمة، ولكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن حوار حقيقي مع العرب وخاصة من أجل تعزيز العلاقات مع مصر.
وفي ظل هذا الاتجاه، الذي يضع سقفاً للعلاقات مع تركيا، تصير الأجواء مهيئة لمد مزيد من الجسور بين الدول العربية وتركيا، إذا تواصل التحسن الذي بدأ في الشهور الماضية.
|
| |