مُصابك يا فهدَ الملوكِ ثوابُ
وكم خَفَّ بالصبر الجميل مُصابُ
وبالشُّكر ينمو ما الإلهُ مُعَوِّضٌ
فيزكو من الفرع النجيب لُباب (1)
وفي الصبر سُلوانٌ وطيبُ تمتُّعٍ
وينعم في دار القرار مآب
شفيعك في الصبر الكؤُودِ تَمرُّسٌ
تَطامَنَ دونه أسى وصعاب
تعوَّدَتِ الأرزاءُ منك تَحمُّلاً
تَنُوءُ به الجبالُ وهيَ صِلاب
ومَن قَابلَ المقدَّرَ المرَّ بالرضا
تشَِفُّ له الخطوبُ فهيَ عِذاب (2)
وقاسَيتَ بالإيمان كلَّ مُلِمَّةٍ
وقارعتَها ما فُلَّ منك ذُباب (3)
إذا أحدقت واحلَولكتَ ظلماتُها
جلاها خِضَمٌّ من رُؤَاكَ عُباب
جَناتٌ تكنَّفَ التجلُّدَ والتُّقَى
يُفِيضُ صريحَ الحقِّ ليس يُشاب
على أنه مٍثلُ النسيم لطافةً
إذا َصفِرَت للبائسين وِطاب (4)
فَيُعطِي بلا مَنٍّ ويَحكُمُ عادلاً
ويَحلُمُ وهو قادرٌ ومَهابُ (5)
بإحجامِ حِنكَةٍ وإقدامِ باسلٍ
وَعِزٍّ ولم تُسبَل عليه ثياب (6)
ومَدَّ رُوَاقَ الأمنِ فالظلُّ وارِفٌ
فطاب لنا عيشٌ ولذَّ شراب
وإنك للدين الحنيفيِّ شائدٌ
وقد قَذَفَت بالممترمين شِعاب
وَسَل جامعاتِ العلمِ مَن شادَ صَرحَها
فَسُوِّدَ منها حاذقٌ وكعاب (7)
فبالأمسِ كنتَ للمعارف رائداً
يقودُكَ فهمٌ ثاقبٌ وصواب
وَأُغرِيتَ بالجهل البسيط كأنه
زعيمُ العٌِدَى فاشتدََّ منك طِلاب (8)
فكَبَّلتَهُ بالنور يَنفي سباتَه
كأنَّ ضياءَ العلمِ منكَ عِقاب
وبالحرمين لله منكَ مَوقِفٌ
إذا فُلَّ في يوم النشورِ كتاب
لكَ هِمَّةٌ بالمسجدينِ ومُعجِزٌ
فهذا بِناءٌ شاهقٌ ورِحاب
وذاكَ مَنارٌ للفلاحٍ وَمِنبَرٌ
وتلك رياضٌ للهدى وقِباب
فتبقى على مرِّ الجديدينِ آيةً
على أنَّ هِمّاتِ الرجالِ عُجاب
وقد جاءت البُشرَى على مَفحَصِ القطا
وأن لا يَضيعَ في الجزاء نِصابُ (9)
هنيئاً لكَ البُشرَى وأجراً مُضاعَفاً
فذلك عُقبى صالحٍ ومَتابُ
وَمِن صَفوَةِ الورى تنالُ شفاعةً
فتربُو لك الحُسنى وَحُطَّ مَعابُ
يُعَزِّيك هذا الشعبُ عن فَقدِ فيصلٍ
ومنكَ لتصديعِ القلوبِ رِئاب (10)
وفيكَ العَزاءُ إن تأزَّم فادِحٌ
وَعَوَّدتنا والعادياتُ عِصاب (11)
وما لِلثُّوِيِّ أن يَهيضَ جانباً
وفيهِ لمنكوبي الخطوبِ جناب (12)
تُعِزِّيك أحلامُ الشبابِ تحقَّقت
وقد أهابَ بهم من رقدةٍ فأهابوا (13)
تُعَزِّيكَ أخلاقٌ له ملكيَّةٌ
نَداها نُصوعٌ والشَّمِيمُ مَلاب (14)
تُعَزِّيكَ فَرحَةُ اليتيمِ وبائسٍ
وَمُثقَلِ غُرمٍ والبطونُ سِغاب (15)
فبدَّدَ كَربَهم بفيضِ نوالِه
لقد أسمعوا فَجَدَّ منه هِباب (16)
فيا قَبرُ قد واريتَ طوداً ومَفخَراً
فللهِ ما انطَوَى عليهِ إِهاب (17)
ولله ما غَيَّبتَ من مَكرُ ماتِهِ
فذلك فيصلٌ وأنت قِراب (18)
ويا مَغرِبَ الشُّموسِ من غير مشرقٍ
وَغَورَ النجومِ غاب فيك شِهاب
هو الموتُ حقٌّ والنفوسُ أمانَةٌ
وإن غَرَّ مِن خَدعِ الظنون كِذَاب (19)
نخافُ الرَّدَى مِن حُبِّ دنياً دنيَّةٍ
فَيُحمَدُ قَرمٌ والجبانُ يُعاب
ولولا فناءُ الخلقِ حَتمٌ مقَُدَّرٌ
وآجالُهم لها مَدَىً وحِساب
لما حُمِدَ الشجاعُ في حومةِ الوغَى
ولا زَانَ جُودٌ واستُعِيبَ نِهاب (20)
إذِ الرزقُ مضمونٌ لكلِّ مُخَلَّدٍ
وليس يُخاف مع الخلودِ تَباب (21)
وَسِيَّانَ شُحُّ النفوسِ أو أريحيَّةٌ
وليس لأطماعِ النفوسِ جِذاب (22)
نُلاعِبَ دهرَنا وَنَغنَمُ صَفوَهُ
وَمِن صَرفِهِ يَسيلُ دوماً لُعاب (23)
فلا القلبُ يصحو أو يَخِفُّ رُقادُهُ
وإن جَلَّ وَعظٌ وَاستُدِيمَ عِتاب
لقد أَرخَصَ الأرواح ذِكرٌ مُخَلَّدٌ
وَسِيما عِبادٍ أَخبَتُوا فأنابوا
فيا خاطبَ العلياءِ خُذ بزمامها
طِلاباً غِلاباً فالطِّلابُ غِلاب