Friday 27th August, 1999 G No. 9829جريدة الجزيرة الجمعة 16 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9829


شخصيات قلقة
رودولف هيس ,,طيار السلام الذي ألقى بحياته إلى الدمار!!

اجتذب رودلف هيس انتباه الملايين بعمل غامض وعجيب بالرغم من كونه الرجل الثاني بعد هتلر، اي انه كان خليفته إلا انه استقل طائرة صغيرة سراً، وعبر بها وحده بحر الشمال إلى بريطانيا، معتقداً انه يستطيع اقناع قادة اعداء ألمانيا، بالموافقة على ايقاف الحرب، بشروط سلام يحددها هل كان يتبع حقا خطة شرحها له هتلر؟ هل ضاق ذرعا بزعيمه وقرر ان يعمل بمفرده؟ هل فقد عقله واصيب بجنون الوهم والعظمة، كما رأى زملاؤه بعد وقوع الحادث مباشرة؟.
لاشك ان شخصية هيس كانت لها تأثيرات عميقة على تصرفاته، فقد وُلد هيس عام 1894 لاسرة ألمانية كانت تعيش في الاسكندرية بمصر لما بلغ عمره 12 عاما ألحق بمدرسة داخلية صارمة في ألمانيا، وحينما اندلعت الحرب العالمية الاولى اصيب بثلاثة جروح، من بينها اصابة في الرئة سببت له ضيقا في التنفس مدى الحياة.
في عام 1920، 1921م قابل هتلر أهم شخصية في حياة هيس كطالب في جامعة ميونخ حيث اظهر عداءه للسامية يقول في احدى رسائله التي فازت باحدى الجوائز: ان الوحدة الوطنية لا يمكن اعادتها تحت سلطان,,,,,ان أعظم القضايا تتقرر بالدم والحديد ولاشك ان هذا الوصف ناسب عنف هتلر واتفق مع مزاجه.
تأثر هيس ايضا بالبروفيسور كارل هاتشوفير الذي قام منهجه على علم الجيوبوليتكس اي السياسة الطبيعية، على نظريات تشرح كيف ان الجغرافيا تؤثر على التاريخ السياسي للدول.
ويبدو أن افكار هتلر، وهاتشوفير امتزجت في ذهن الشاب.
لقد كان هيس هو الذي اطلق على هتلر لقب الزعيم وهو الذي اضفى عليه هالة الزعامة والقيادة وبسط تحية النازي العسكري المعقدة، كان يؤمن بوجوب اختصار الموضوعات الدعائية المطولة في نقاط قليلة جدا، واستخدامها كشعارات، يستطيع آخر الحاضرين فهم ما يعنيه الشعار.
كان هيس وكيلا لهتلر، ونائبا عنه في توقيع مراسيم الدولة بما فيها تلك القرارات التي تحرم اليهود من الاشتراك في الحياة الاقتصادية والسياسية، كان هيس منغمسا بعمق في الشؤون المحلية ومسؤولا بصفة خاصة عن قمع خصوم الاشتراكية الوطنية، وقد تشبع بفكرة وصول ألمانيا وبريطانيا إلى صنع السلام معا، حتى يتمكن النازي من توجيه كل قواه لضرب عدوه اللدود روسيا.
في عام 1939 أعلنت بريطانيا الحرب على المانيا الهتلرية يومها عرض المارشال هيرمان جورينج ان يطير إلى الجزر البريطانية ويشرح الموقف والمعتقد ان هتلر اجاب بقوله: لا طائل من وراء ذلك اما إذا كنت تستطيع فافعل كان هيس على علم تام: خلال عامي 1940، 1941م بالخطوط السرية لالغاء اتفاقية عدم الاعتداء على الاتحاد السوفيتي وغزو روسيا تحت الاسم الشفري عملية بارباروسا باعتباره عضواً في مجلس مستشاري الحرب.
فكرة الطيران إل بريطانيا التي غرسها جورينج نفذت في ذهن هيس على ادراكه لمهمة ضرب روسيا وهي مهمة صعبة عملاقة، وعلى رغبته المخلصة المتعصبة في خدمة هتلر .
كان هيس يتسلل بانتظام للتدريب على الطيران ربما 30 مرة في احد المطارات بمدينة اوجسبيرج والواقع انه اشتاق الى الانضمام للقوات الجوية الالمانية، لكن هتلر منعه عام 1936 من الطيران لمدة 12 شهراً، لكن هل علم هتلر ان نائبه حاول الطيران إلى بريطانيا ثلاث مرات عام 1941 لكنه عاد بسبب خطورة ظروف الطيران؟ لقد ظلت احتمالات معرفة هتلرموضوع طيران هيس أحد الاسرار التي لم يكشف عنها النقاب.
أيها الزعيم سأكون في انجلترا حينما يصلك هذا الخطاب, تستطيع ان تتصور ان قرار اتخاذ هذه الخطوة لم يكن سهلا بالنسبة لي، طالما ان رجلا في سن الاربعين، له روابط في الحياة أكثر من واحد في سن العشرين.
لما قرأ هتلر تلك الكلمات الاولى من رسالة ارسلها إليه سكرتير هيس صرخ من الالم، وتفجرت الدموع غزيرة من عينيه، وبدا للحاضرين مصدوما مفزوعا من اقدام نائبه على المغامرة بحياته بالطيران إلى بريطانيا في 10 مايو 1941م.
كانت كارثة بمعنى الكلمة كان هيس يرتدي زي الطيران الحربي حين اقلع الى سكوتلندا مساءً يستر مرتين بالضباب الكثيف فوق بحر الشمال ليتملص من الطائرات الاعتراضية التابعة للقوات الجوية البريطانية ومر بسلام بسبب سرعة طائرته الفائقة.
كانت غاية هيس الوصول إلى دوق هاميلتون حيث يعيش في الريف الاسكتلندي وقد استطاع هيس الهبوط بالمظلة, وبمجرد هبوطه قبض عليه رجال الشرطة وتم تسليمه للجيش.
وكانت مقابلة هاميلتون باردة، وكتب في تقريره الرسمي ان هيس شرح له شروط هتلر للسلام: الشرط الأول هو انه يصر على وضع نظام تمتنع بمقتضاه الدولتان من الدخول في حرب نهائيا، والشرط الثاني هو ان تكف بريطانيا عن ممارسة سياستها التقليدية في مقاومة اقوى دولة في اوروبا وهي ألمانيا.
حاول هيس ان يتبع اسلوب الخداع في حديثه مع تشرشل إلا ان مصيره كان الاعتقال في برج لندن لمدة اربع ايام، ثم السجن في بيت قروي حصين طوال السنوات الاربع التالية, تجاهلت بريطانيا هيس كما ان هتلر وضع خاتمة لقصة هيس بقوله ان نائبه فقد التوازن العقلي منذ سنوات، وان رحلته كانت نتيجة هذيان، والواقع ان هتلر خشي ان يفشي هيس سر العملية بارباروسا إلى الانجليز, وافترض ان اعداءه سوف يلجأون لتعذيب هيس سيئ الحظ.
إن الغموض والحيرة كانا اقوى ردود الفعل في كلا البلدين، وجميع انحاء العالم، الرحلة الجوية التي استعصت على التفسير، كيف تمكن نائب هتلر الذي لا تفوته صغيرة ولا كبيرة في بلده ان يقلع الطائرة دون ان يكتشفه احد؟ لماذا تجيز حكومة ألمانيا العمل في اعلى المناصب لرجل مجنون، ما الذي كسبه هيس من الحادث؟
تراكمت الامراض البدنية على هيس بسبب الحبس، وضاعف بؤسه عذابه النفسي من سوء مصيره الذي لم يتوقعه.
رأى البريطانيون انه لا ينبغي الاحتفاظ به أسيراً في بريطانيا، وعلى اية حال فإن اعادته إلى المانيا كانت تعادل الحكم عليه بالاعدام.
وأمام محكمة بنور ينيرج الخاصة بمجرمي الحرب وقف هيس حيث تم الحكم عليه بالسجن حيث قضى به اربعين عاما ظل طوالها يشك في الآخرين حتى الاطباء وفي حراسه بأنهم يحاولون دس السم له او خلط طعامه وشرابه بمادة تؤثر على تفكيره.
وهكذا كانت نهاية هيس عام 1987 حيث شنق نفسه بسلك كهربائي في زنزانته,,
وهكذا توفي بعد اربعين عاما قضاها في السجن حيث اعتبروه مختلا عقليا بدلا من كونه مثاليا من انصار السلام اسيء فهمه ورفضه الجميع بعد ان كان ضمير هتلر وزراعه الايمن.
حمزة سعد

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
شعر
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved