Friday 27th August, 1999 G No. 9829جريدة الجزيرة الجمعة 16 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9829


أحمد فؤاد نجم,, ابن الشارع,, هل باع القضية
عادل حمودة يأسف لأن الجياد أصبحت تباع في السوبر ماركت
لن أحمل أشعاري في قفص وأدور بها على المطربين
أريد منتجاً جريئاً لإنتاج فيلمي الفاجومي أو يجمع أعمالي الغنائية مع الشيخ إمام

* حوار: شريف صالح
أحمد فؤاد نجم واحد من صعاليك هذا الزمن، قاد ثورة غنائية ضد نكسة يونيو وعاش حياته لاجئا في احضان الشوارع والسجون,, شاعر بطعم التوت البري يمتلك لغة عفوية جريئة وطازجة، يكتب بها عن هموم البسطاء، ولا تنفصل لديه حياة الشاعر عن كلمات الشعر، كما لا ينفصل الشعر عن الواقع السياسي المتردي، فلا يزال نجما قادراً على الرصد كالصقر المتوحد مع نفسه، يفجر كلمات جارحة وقاسية احيانا لكنها صادقة، وقد حاولنا قدر الامكان ان نلطف جو الحوار ونلطف ايضا درجة حرارة الكلام، لان ثمة صعوبة دائما في نشر كل ما يبوح به أحمد فؤاد نجم.
ولا يمكن فك شفرة هذا الحوار دون الوقوف على خلفيته قد اتفقنا مع نجم على اجراء حوار شامل حول مشواره لكنه ارجأ ذلك الى ما بعد الاحتفال بذكرى ميلاده السبعين، ثم فوجئنا بهذا الاحتفال يتحول إلى زوبعة ثقافية، وإلى حرب سجال بين جبهة نجم وجبهة الكاتب عادل حمودة، ،يصبح حديث الكواليس الصحفية ومادة للمطبوعات العربية،
بل كاد الامر ان يتحول إلى القضاء! كما قام بعض الادباء بهجوم شديد على نجم من خلال شبكة الانترنت، فتحول عيد الميلاد السعيد إلى قضية سياسية وكثرت التساؤلات,, هل باع نجم القضية؟ لماذا يقبل نجم تكريم رجل الاعمال نجيب ساويرس؟ ولماذا لا تكرم الدولة أحمد فؤاد نجم؟ في ظل هذه التساؤلات,, وفي ظل تلك المعركة التي لم يهدأ أوراها بعد التقينا بنجم على سطوح المقطم - على ارتفاع يماثل ارتفاع الهرم الاكبر - وفي غرفة متواضعة تطل على حافة السطوح وجدناه شارداً يتأمل النجوم كعادة الشعراء,.
وربما يدبر خطة جديدة لاستكمال المعركة الثقافية وهناك بدأ الكلام.
نجم والمعركة الأخيرة
** قبل ان ندخل في تفاصيل معركتك الاخيرة نود ان نسترجع معك تفاصيل المعارك السابقة التي خضتها؟
- كل المعارك التي خضتها استرجعها في لحظات التقاط الانفاس، بداية منذ كنت فلاحا أجيراً في حقل عمي (ولا أفهم كيف يكون عمي مالكا للارض وابي لا يملك شيئا) ثم هناك حياتي في السجون والمعتقلات، خاصة عندما تعاونت مع الشيخ إمام في خوش قدم وبدأت الحرب علينا من المنتفعين بالوضع الفني الراهن آنذاك، وعندما لم يقدروا علينا فنيا ألبوا علينا السلطة وأجهزة الامن، وكانت معركة حامية لكني تعودت ألا أخسر معركة لانني لا أخاف من الخسارة، لسبب بسيط جدا ماذا سأخسر؟! الحمد لله فإن اصبعي ليس تحت ضرس احد، ولا يوجد ما أخشاه، فصوتي من دماغي وهذا ما جعلني اقاتل بشراسة وأصبح ضيفا على السجون من وقت لآخر.
** وما هي تفاصيل معركتك الاخيرة مع الكاتب عادل حمودة؟
- لا أعرف لماذا يصمم حمودة على افتعال مشاجرة معي بدون داع، القصة ببساطة ان بعض الاصدقاء ارادوا الاحتفال ببلوغي سن السبعين، احتفال بسيط بذكرى ميلاد رجل عجوز بلغ السبعين، وكل ما كنت أريده هو كلمة كل سنة وانت طيب ولكن الاصدقاء اصروا على اقامة حفلة وحاولوا الاتفاق مع دار الاوبرا لكنها طلبت الانتظار من اجل موافقة اجهزة الامن ورفض الموضوع، فقرر الصديق العزيز نجيب ساويرس ان يحتفل بي في قاعة السينما التي يمتلكها, وقبل الاحتفال مباشرة بدأ عادل حمودة يشن حملة ضدي كلها غمز ولمز، وفسر علاقتي بساويرس على انها بيع وشراء، وسخر من جلبابي الابيض وشخصي الضعيف، وخلاصة القول انه أراد تصفية ما بينه وبين ساويرس من خلالي، وأنا اقول له يستطيع ان يصفي حساباته بعيداً عني بدلا من ان يجعلني قنطرة فأنا لا اباع في السوبر ماركت كما يقول لانني في النهاية من سكان المقطم.
** وهل خلفية المعركة تتعلق باغلاق الدستور ونقل حمودة من روز اليوسف؟
- أنا أكثر المتضررين من اغلاق الدستور، ولكن ما حدث بين ساويرس وبين افراد الدستور كان السبب المباشر في إغلاق الجريدة، عندما نشرت الجريدة بيانها الشهير الذي كان ضربة قاصمة للحكومة المصرية، مما ادى إلى سحب الترخيص، ثم فوجئ ساويرس بنشر البيان نفسه مرة اخرى في روز اليوسف، فطالب الحكومة بأحد أمرين إما ان تغلق روز اليوسف ايضا او تعيد فتح الدستور (التي كان ساويرس أهم مموليها) باعتبار ان المساواة في الظلم عدل، ولكن الحكومة اكتفت بنقل حمودة إلى الاهرام لذا اقول له ان يسئم ساويرس كما يشاء لكن لا يأخذني سُلماً.
** ألاحظ انك تشيد بساويرس على طول الخط؟
أنا عاجز عن شكره ونحن في النهاية اصدقاء دون مصلحة، فأنا أسكن في مساكن الزلزال وهو يسكن في فيلا ولكني لا أطلب منه شيئا، وقد زارني بنفسه في شقتي على السطوح!! وأنا معجب به كرجل اعمال وطني وناجح، يدير امواله في وطنه ولم يهربها للخارج كالآخرين.
** وكيف بدأت علاقتك به؟
- في معرض الكتاب الماضي بالقاهرة، وبدأت بعلاقة توتر وسوء تفاهم ثم تصالحنا بعد ذلك.
** وهل هذه الصداقة القصيرة العمر نسبيا تجعلك تقبل التكريم من خارج الوسط الثقافي؟
- يكفي ان اقول ان طلعت حرب وهو رجل الاقتصاد كان اكثر من رعى الفن والمثقفين في الايام الخالية,, فلماذا لا نعيدالكرة حاليا من خلال رجال الاعمال.
** لكن قيل ان هناك شبهة تطبيع في الموضوع وقيل انك بعت القضية ؟
- فَشَر أقطع لسان من يقول ذلك، فأنا لا أحب ان يزايد عليّ أحد، لقد ظللت اكثر من ثمانية عشرة عاماً في المعتقلات لانني ضد إسرائيل شكلا وموضوعا.
** بعيداً عن السياسة، نعود مرة أخرى لاجواء التكريم,, هل تعتقد ان المؤسسة الرسمية تتجاهل شعر العامية، وأيضا تتجاهل تكريمك؟!
- المؤسسة الرسمية تتجاهل شعر العامية إلا إذا كان في خدمتها، وتتجاهل نجم تحديداً وأنا أيضا اتجاهلهم، فالتجاهل متبادل بيننا ولا يشرفني ان احصل على جائزة من الدولة وهي بهذا الشكل لان الدولة التي تتجاهل لغة الشعب لابد ان تخرج على الاستيداع.
** أفهم من ذلك انهم لم يعرضوا عليك التكريم إطلاقاً؟
- لم يعرض عليّ اي تكريم من الدولة، وكل ما أريده ان يقال لي كل سنة وأنت طيب.
ماذا بعد السبعين
** وماذا تعني لك سن السبعين؟
سنة من السنوات التي مرت، فأنا لا أقيس العمر بعدد السنوات ولكن بقدرتي على تعاطي الحياة، فالحمد لله صحتي جيدة، وأشعر اني لم اغادر العشرين بعد، وكل يوم يمر عليّ أشعر بعشق الحياة كل يم بتزيد في حبك الممنوعات,, وكل يوم بحبك اكثر من اللي فات فالحياة منحة جميلة من حقي ان افرح بها، افرح لانني خُلقت انسانا ولم أكن كرسيا مثلا، ولابد ان نتقبل الحياة ونتعامل معها بنزاهة وبكرامة ولا نبيعها، أريد ان اعيش دون ان يلوي ذراعي احد.
** هذا العشق الشاعري للحياة هل يعني انه مايزال في جعبتك مشاريع شعرية قادمة؟
- لايزال بداخلي مشاريع كثيرة، فالشعر ليس شيئا كي اتوقف عنه، ان الشعر بالنسبة لي هو الحياة، الحياة بكل آلامها وبقعها السوداء من الظلم والاستغلال، وكذلك بكل أفراحها ومباهجها, وحاليا انا مشغول بالكتابة للمسرح لانه ابو الفنون ومدرسة الشعب كما يقال، وأعد نصاً تحت عنوان (حبل البقرة) اتحدث فيه عن منطق اللصوص القوي، من خلال حكاية كانت تحكيها لي أمي وأنا صغير عن علي أبو سماحة الذي خرج لبيع بقرته، وهذا يعني لأي فلاح انه يهدم حياته ويتخلى عن اهم سند منتج في حياته, وفي الطريق يطلع عليه احد اللصوص وتجري محاكمة هزلية ساخرة,, هذه هي الفكرة باختصار وهي أقرب إلى الادب السياسي او ادب المقاومة.
** سمعنا عن مشاريع اخرى اهمها فيلم الفاجومي ,, فما قصة هذا الفيلم؟
- هناك بالفعل مشروع لانتاج فيلم اسمه الفاجومي وقد تحمس له السينارست الكبير محسن زايد واتفق مع المخرج محمد أبو سيف على انجاز هذا المشروع لكنه مايزال متعثراً للاحتياج إلى منتج جريء.
** برغم هذا المشوار الطويل إلا ان انتاجك للاغنية يعد ضئيلا باستثناء تجربتك مع الشيخ إمام,, ما تفسيرك؟
- في الحقيقة تعاونت مع عدد من المطربين منهم محمد منير ومحمد الحلو وعلي الحجار وحنان ماضي وكانت اغنياتي لهم من انجح الاغاني، لكن من يأخذ مني اغنية او اغنيتين يذهب ولا يعود مرة اخرى ولا أدري لماذا,, ومن يريدني فليأت إلي لأنني لا استطيع ان احمل اغاني في قفص فوق رأسي واذهب لبيعها في السوق، فالماديات لا تهمني في شيء ولكن المشكلة بالفعل ان الذي يتحكم في سوق الكاسيت مجموعة من تجار الخردة والكشري لا يعرفون عن الفن شيئا.
التوأم الغائب
** لك تجربة فريدة مع الشيخ إمام حيث كنتما جبهة فنية مضادة للنكسة,, فكيف تعرفت على هذا الرجل؟
- عرفني عليه صديق مشترك هو سعد الموجي، وكان ذلك في يوم جمعة واستمعت إليه وهو يغني اغاني سيد درويش وزكريا أحمد، وقررنا ان نقوم بعمل الاغاني الكلاسيكية، إلى هنا لم يكن هناك اي بعد سياسي، حتى التقينا بمجموعة روز اليوسف وعلى رأس المجموعة فنان الكاريكاتير العظيم حجازي الذي علمني كيف تسير الامور، وبدأت انظر لرسوم حجازي، حيث ان كل رسم لديه يساوي مقالا سياسيا، فهو سيد درويش الكاريكاتير المصري، وقد دفعتنا هذه المجموعة الى نوع من الغناء السياسي الذي نشط كرد فعل مباشر على نكسة يونيو.
** برغم ثراء هذه التجربة إلا انها لم تؤسس مدرسة غنائية؟
- هذا يحتاج إلى نقود,, ويحتاج إلى امتلاك حرية! نحن كنا مطاردين، ولم تكن قضيتنا ان نكون مدرسة وإنما قضيتنا ان نزيل حاجز الخوف من قلوب الناس، هذا الحاجز الذي نماه في النفوس صلاح نصر سيئ الذكر والسمعة.
** هناك تساؤل آخر حول هذه التجربة يطرحه الكثيرون,, لماذا لم تجمع اعمالك مع الشيخ إمام بالشكل اللائق؟
- أذكر انه تم توزيع اسطوانتين في باريس وحققتا نجاحا كبيرا لكني لا أعرف من طبعهما ولم ننل عنهما اي حقوق مادية,, اما في مصر فلا يوجد منتج يطبع اعمالنا بشكل واضح، رغم اني متنازل عن أجري، ورغم اني واثق من النجاح المدوي لتلك الاعمال، بدليل ان اعمالي الشعرية الكاملة وزعت عقب طبعها حوالي خمسين ألف نسخة,, ودعني اتساءل عبر جريدة الجزيرة ألا يوجد منتج عربي لديه الشجاعة لطبع اعمالي الغنائية مع الشيخ إمام بما لها من قيمة فنية وتاريخية؟
** بينك وبين نفسك,, هل تشعر ان لشعر العامية اي مستقبل؟
- طبعا,, لو لم يكن له مستقبل فإن الشعب ليس له مستقبل ايضا، لانه لغة الشعب،، إلا إذا أبيد الشعب نفسه وهذا مستحيل.
** يقال عنك انك ابن شارع؟
- هذا شرف لي,, لقد كونت ثقافتي من أمي لأنها كانت حافظة للتراث الشعبي، ثم من فنان الشعب الذي أقابله في الموالد والاسواق، ومن هنا فقد عملت دماغي بنفسي، وكنت ابنا للشارع والحارة والقرية.
** بعد بلوغ السبعين وبعد مرور ما يزيد عن ثلاثين عاماً على النكسة,, اما آن الأوان كي تتصالح مع السلطة؟
- لا ,, لأن السلطة هي كما هي فكيف أتصالح معها.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
شعر
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved