في فترة حرجة بالنسبة للعروض التشكيلية في العاصمة دمشق - والتي انتهت قبل أكثر من شهر على الأقل - دعا المركز الثقافي العربي لحضور المعرض المشترك لكل من الفنانين عبود سلمان سورية مقيم في السعودية، وفائز عواض الحارثي السعودية وقد شكلت الدعوة لي في البداية حرجاً في توقيتها، وخاصة كون أحد المشاركين فناناً ضيفاً، وكنت اتمنى لو صادف توقيت المعرض قبل شهرين، ليكون الاهتمام اكبر والحضور أشمل.
ومن بطاقة المعرض نقتطف: ومن خلال قراءة اولية في ابعاد الخطوط والالوان، بدا الخيال واقعا، والطفولة افقاً، والأمل فضاء لولادة جديدة,, على ضفاف الفرات ونجد حيث اغنيكم لحناً,, يهيم به الوجد,, ويشتاق له المعجب,, ليرتقي الى شرفات روح الفن عندما يطارحه الريح في نجوى الصدى وشوق المدى,,
والتوقيع هنا للزميل ابراهيم بن عبد الرحمن التركي، رئيس القسم الثقافي في جريدة الجزيرة السعودية,.
وقبل التجوال في المعرض لابد من الاشارة الىاهمية اللقاءات التي عقدت، ان في صالة ناجي العلي بدعوة من الفنان المعروف مصطفى الحلاج ، مديرها او في الرواق العربي، مقر فرع دمشق لنقابة الفنون الجميلة - مابين الفنانين السوريين وضيوفهم من بيت التشكيليين السعودي الذين حضروا مشكورين للمشاركة في المعرض وحضوره.
سفراً في منفى الشمس عنوان المعرض والذي تطالعنا فيه لوحات الفنان فائز عوض الحارثي ابوهريس :
الفنان الضيف مجرب بثلاثة اتجاهات تفصح عنها لوحاته المشاركة والتي تقدم ثلاثة محاور مميزة في تجربته، فقدم في الأول تقنية مزج فيها بين التلوين على السطح مع الرسم والكولاج في أداء تشكيلي عال، ومهارة واضحة في توزيع عناصر لوحته بأهمية حضورها بالتلوين، والذي جاء قوياً ورشيقاً في آن معاً، وكانت تمثل هذه المرحلة لوحة وحيدة كان شارك فيها في بينالي الشارقة قبل سنتين.
وفي المنحى الآخر عرض مجموعة من المائيات، والتي قد يكون استخدم فيها أكثر من تقنية معروفة لا غناء السطح في عمله الفني والتي اعتمدت الجماليات اللونية في تقطيعات سيريالية لتكوين متحرك شكل ركنا أساسياً في نجاح هذه المحطة، التي اعتمد فيها الحرف العربي وتشكيلاته بطريقة فانتازية تدفع بالمشهد الى مزيد من الانفعال والحركة التي لم تهدأ قبل حلول نهاية المشهد المصاغ بفضاءات لونية متناغمة، وان لفصيلة واحدة من الالوان، وهكذا استطاع الفنان ابوهريس ان يشدنا لمتابعة تأليفاته - والتي بدت في اجوائها اقرب الى الغرائبية - بكثير من المتعة البصرية والتحليق.
فقد بدت هذه المرحلة في كثير من مقاطع لوحاته وكأنها بداية بحث عن هوية فنية، من خلال عملية تشكيل اللوحة بحداثة فطرية، او ببساطة تشهد ولادة اسلوب فني يسعى اليه، لما تشابهت به تلك الاعمال من طروحات او صياغات في اللون او الموضوع والعناصر.
اما في القسم الثالث والاخير، فهي تلك اللوحات التي قدمها بخامة الزيت على القماش ضمن كوادر بسيطة للغاية، قصداً منه ان يبقى العمل الفني ومايتضمنه من مؤثرات بصرية وغيرها هو الاهم بالنتيجة، وهذا مادفعه لان يهتم اكثر بملمس السطح من خلال رسامة اللون وبعض الاضافات البسيطة، فيقلل من العناصر والمفردات على حساب التقنية واللون، فتنزلق تلك الاشكال على خلفية سوداء وهي ملونة متألقة ومضاءة وسط اللوحة.
يوظف الفنان أبوهريس الحرف بطريقة فيها استحياء ، وكأنه لايريد ان يستهلك تلك المفردة قبل نضوج بحثه فيها، فهو يتعامل معها بهدوء وحذر لما يكنه من حب واحترام للخط العربي، ذلك الجليل، فيدغدغه بلطف ضمن توليفات غنائية في قسم من فضاء لوحته وضمن تكوين رشيق وايقاع متناغم.
النقطة مفردة مدللة في لوحة الفنان والتي نتابعها تتهادى في معظم كوادره، لتحط في كل مرة بشكل وزاية ، او تعلق في ركن وكأنها تتهيأ للسقوط الجميل أو الطيران فتحلق من جديد، هذه النقطة والتي تنتقل من لوحة الى ثانية في هذه المجموعة، هي ليست مربعاً لونياً فقط، تحرك بصرنا من منطقة الى اخرى، فهي في لوحاته لها مدلولات واسقاطات فلسفية، وتبدو هكذا في وحدتها وفي كونها اساساً مربعاً بأضلاع متساوية في تقابلاتها، مثلما هي في الخط أساس القراءة، وفي اللوحة اساس التجريد, ويشكل مع الدائرة معنى للمطلق، وهكذا متابعات في تفاصيل مشاهد ابوهريس تجعلنا في حوار قد يدوم لساعات، نتابعه في لقاءات قادمة باذن الله.
والفنان الضيف تجريبي من الطراز النادر وله تجربة في الضغط على النحاس تابعتها بالصور، التي اظهرت تفردا في الصياغة التشكيلية، لهذا النوع من الفنون والذي نعتبره تطبيقيا في معظم اشكاله، فقد اشتغل أبوهريس على خروج هذه اللوحات من اطارها التزيني التجاري الى مايشبه اللوحات الجدارية الرولييف بثقة المجرب والمجتهد وحب الفنان الذي لاينضب.
فايز عواض الحارثي فنان تشكيلي سعودي لقبه الفني أبوهريس يوقع به لوحاته والتي بدأ يعرض تجاربه منذ عام 1990م، فقد شارك في معارض جماعية هامة عدديدة داخل المملكة وخارجها، اقام معرضين فرديين كان الاول عام 1995م وقد نال عدة جوائز عن مشاركاته تلك، وله مقتنيات كثيرة في دول عربية واجنبية، بالاضافة لكثير منها داخل المملكة، ضمن مجموعات خاصة، وفي متاحف ومراكز رسمية، او اشخاص.
اتبع عدة دورات تقنية وفنية، وهو عضو بيت التشكيليين، وبيت الفتوغرافيين وعضو مؤسس في جماعة ذاكرة المربع الفنية.
* من مواليد مكة المكرمة 1375 ه، ومقيم فيها.
*سفراً في منفى الشمس عنوان المعرض، فيه نَفَس عبود سلمان الشعري هذا الفنان المسربل باللون، العاشق لمفردات البيئة حتى الثمالة، يغتسل بالغبار وطمي الفرات، ويستحم بقيظ الشمس، ينهض كل صباح ليقصّ علينا حكايا العجاج.
عبود سلمان رسام من هناك، من البادية السورية، تحية الى سيدة الارض والسنابل، يهدينا الشمس للذكرى، مبتسم ابداً مسافر عبر تلك الاطلالة المبتسمة الى مرافىء القلوب الدافئة، اصدقاؤه الكثر، متفاؤل بالمستقبل، يقبض على الحاضر بثقة المتابع لكل التفاصيل التي تعنيه كرسام وموثّق لعناصر البيئة المحلية، مشدوداً اليها مثل حبل الخيمة، مبدع فيما يخص بحثه، يختزل تلك المفردات ويرشقها على سطح عمله الفني المغتني اصلاً بضبابية الالوان، فتأتي مثل طربشات طفل ذكي، محكمة الايقاع، ومغشاة بغلالة سرية لاتفصح بسهولة عن قيمها المختزنة داخل عوالم تلك الأحياء والاشياء المتداخلة مثل حلم صيفي يصعب تذكره في الصباح.
عبود سلمان الفنان بسيط لدرجة يصعب علينا فهم أو ادراك حقيقة مايريد ان يفعله، أو يقدمه من خلال مشروعه وافكاره المزدحمة ولايخفيك انه هو كذلك، وبذلك يقف هذا الطموح المحلّق على خط صريح وخفي معاً، على مفترق حرج مابين واقعه الملموس واحلامه التي لاتطال، مدرك للمستقبل ويعمل من أجل ان يكون القادم افضل، يلاحق الزمن بتسارع ورشاقة المحب، فلا يكل ولا يمل من متابعة كل مايعني اصدقاءه بقدر ما يتابع مايعنيه من امور فنية، او اجتماعية بعمله ومشاريعه.
ومن خلال جولة في اعماله ومشاركته هذه نشعر بأنه يرسم بتلقائية، اوتبدو هكذا للوهلة الاولى على الاقل بالنسبة للمشاهد الحيادي، بينما المختص فلابد انها ستستوقفه مطولاً ليبحث في تفاصيلها وفي تركيب الوانها وتداخل أشكالها، والتي لابد ان تدخل ايضا في حوار سري معه، فهي هكذا شخوصه، حزينة محبطة ولكنها تحمل فلسفة عميقة في اعلانها عن ذاتها بسهولة الشكل الطاهر على طلعتها، او بالوانها الصريحة المواجهة والمتفقة فيما بينها على الادهاش قبل المتعة، فهي جميلة بتقابلاتها الحار مع البارد، الداكن والفاتح، المظلم والمضاء، الاساسي والمشتق وهكذا تستمر تلك الثنائيات في صياغة يقترب فيها من معادلة السهل الممتنع، ان في اللون الذي يبدو سهلاً او الشكل الذي يظهر ممتنعا في البداية، والذي تحدده خطوط واضحة عريضة، مضاءة في معظمها،وهذه في بعض الاحيان تبدو ضبابية مطفأة وبخاصة عندما لايكون الافصاح عن الشكل ضرورياً فتهيم الاشياء في سرمدية اللون الواحد ومشتقاته، وهو يطغى على معظم ارجاء اللوحة لديه، وبما فيها الخلفية التي تندمج مع العناصر في المقدمة بمصالحة بصرية موفقة في اخراجها.
ان الدخول في رمزية الاشكال ودلالة العناصر والمفردات التي يستخدمها الفنان غاية في المتعة، وان صعب الامر على كثير من المتابعين لتجربته الغزيرة والمجتهدة والتي بدأ يعرض نتاجاتها قبل اكثر من خمسة عشر عاما، مع جماعة فناني الميادين,
وهكذا توالت المعارض الفردية والتي بلغت اثني عشر معرضا مابين سوريا - فرنسا - ايطاليا - بالاضافة للمدن السورية او المشاركات الجماعية الهامة داخل وخارج سورية، وكان آخرها موضوع سطورنا مع ابوهريس يعتمد عبود سلمان في بحثه على ذاكرة الشعب وماخبأته الأزياء من الوان في تلك المنطقة هناك منذ آلاف السنين مخلفة وراءها مجموعة من الآثار الهامة والتي مازال يجيئها طمي الفرات على ضفتيه.
غازي عانا