شهد القرن التاسع عشر الميلادي نشاطا محموما في الغرب الأوربي، كان محوره الاهتمام بالشرق العربي والاسلامي، وهو ما ادى على الصعيد السياسي الى امتلاك الدول الأوربية لاغلب بلدان الشرق، اما على المستوى الثقافي فقد تبلورت وتدعمت الدراسات الاستشراقية بمختلف فروعها وتوجهاتها أيضا وبالتوازي مع هذه الظواهر تدافع الفنانون من أرجاء اوربا على مدن الشرق يسجلون بريشاتهم كل ملامح الحياة الاجتماعية والأزياء وأصناف المباني والزخارف التي رأوها مثيرة لاهتمام الأوربيين حتى ليصدق القول بأنه قد ظهرت مدرسة استشراقية في التصوير، ومؤخراً أصدرت في أوربا عدة مجلدات لنشر الرسوم التي خلفها الفنانون الاوربيون لمشاهداتهم في مدن الشرق.
ان مقارنة هذه اللوحات بالصور الحديثة لهذه المدن تكشف عن عمق التغيرات التي عصفت بها لتحولها الى نسخ ردئية من المدن الأوربية,ومن بين هذه اللوحات مجموعة من اللوحات الزيتية رسمتها الفرنسية اليزابيث نورس لمدينة تونس في سنة 1897م لتظهر مدى افتنانها بتدرج أسطح المنازل الشاهقة البياض وهي تتواضع امام الارتفاع الشاهق لقباب المساجد ومآذنها وكذلك اعجابها بحركة البيع والشراء في سوق المدينة الذي يقع على مقربة من جامع يبدو من طراز قبابه أنه من انشاء العثمانيين في حين تلوح في الافق مئذنة جامع الزيتونة الشهير.
وكما هو معروف فان تونس مدينة عربية النشأة يرجح أنها قد ظهرت الى الوجود في حوالي عام 80ه وذلك بمبادرات خاصة من بعض سكان القيروان القريبة منها وفي ذلك يقول بعض الجغرافيين العرب انه لم يقصد بها أول أمرها وضع مدينة وانما اجتمع الناس اليها وبنوا وسكنوا وزادوا حتى صارت مدينة وعمرت, وكان ابو جعفر المنصور إذا قدم عليه رسول حاكم القيروان يقول له مافعلت إحدى القيروانين؟ يعني تونس تعظيما لها,ويقال انها سميت بهذا الاسم لان المسلمين كانوا لما فتحوا إفريقية ينزلون بازاء صومعة ترشيش (راهب كان هناك) ويأنسون بصوت الراهب فيقولون هذه الصومعة تؤنس فلزمها هذا الاسم,ويكشف اختيار موقع تونس عن حرص القبائل العربية المؤسسة لها على الابتعاد عن ساحل البحر المتوسط تماماً كما فعل عقبة بن نافع رضي الله عنه عند تأسيس القيروان وذلك لضعف الأسطول البحري الإسلامي آنذاك عن مواجهة أساطيل بيزنطة التي دأبت خلال القرن الهجري الاول على مهاجمة سواحل الشمال الافريقي، ولذا فقد جاءت بعيدة عن البحر بحوالي اربعة أميال ويفصلها عن القيروان مسيرة ثلاثة ايام وكانت بيوتها في سفح جبل كثيرة الرخام,وكان التحول الرئيسي في تاريخها من مدينة الى عاصمة اقليمية ورثت تدريجيا دور القيروان على يد عبيد الله بن الحبحاب والي افريقية الذي اسس مسجدها الجامع (الزيتونة) ثم دار الصناعة لبناء أسطول إسلامي يذود عن سواحل تونس وأنفذ إليها البحر لتصبح تونس لاول مرة في تاريخها مدينة ساحلية .
ونتيجة لاشتهار أهلها بالثورة ضد ولاة افريقية فقد عمد كثير منهم الى اتخاذ قواعد لحكمهم بعيدا عنها مثلما فعل الفاطميون حينما اسسوا مدينتي المهدية والمنصورية، ولم تصبح تونس عاصمة اقليمية الا على عهد الخلفاء الحفصيين الذين ورثوا حكمها عن ولاة الدولة الموحدية ، ورثت تونس في عهد الحفصيين الدور الذي لعبته مراكش في الشمال الافريقي خلال عهد الموحدين, ويصف الحميري في قاموسه الروض المعطار تونس في نهاية القرن السادس الهجري (12م) بأنها قد أضحت قاعدة البلاد الافريقية وأم بلادها وحضرة السلاطين من الخلفاء الحفصيين ومهاجر أهل الاقطار من الأندلس والمغرب وغيرهما فكثر خلقها واتسع بشرها ورغب الناس في سكناها واحدثوا بها المباني والكروم والبساتين والغروس حتى بلغ ذلك النهاية التي لاتوجد في غيرها ,, وتونس من أشرف مدن افريقية وأطيبها ثمرة وأنفسها، فاكهة,,,وعبر تاريخها تعرضت تونس لغزوات جاءتها من البحر فهاجمها يحيى بن اسحاق الميورقي وانتزعها لبعض الوقت من أيدي الموحدين وفرض على أهلها غرامة مقدارها مائة الف دينار.
وفي عام 669ه (1270م) هاجمها لويس التاسع ملك فرنسا ليعوض بالاستيلاء عليها هزيمة حملته على دمياط ووقوعه في أسر الجيوش الأيوبية، وكان يظن ان ملكها الحفصي السلطان المستنصر بالله يميل الى المسيحية وانه سينجح في استمالته ولكن المستنصر دافع بفدائية عن تونس وواجه حصار فرنسي دام ستة أشهر حتى قضى لويس نحبه على أسوار تونس وفشلت حملته فشلا ذريعا,ورغم ذلك فلم تنقطع إغارات الممالك المسيحية في قبرص ومالطة وأسبانيا على تونس حتى نجح الأتراك العثمانيون في ضمها الى دولتهم وقاموا باعادة تحصين المدينة وحراسة المياه الاقليمية لولاية تونس من إغارات القراصنة الاوربيين.
وبعد استيلاء فرنسا على تونس اخذت تتخلى عن بعض طابعها الشرقي المميز لصالح روح العمارة الفرنسية السائدة في حوض المتوسط واصبحت مدينة حديثة في مجملها وان احتفظت بعض الاحياء القديمة بطابعها الأصلي.
د, أحمد الصاوي