شريفة السيد شاعرة تنتمي الى جيل الثمانينيات تاريخياً لكنها بما تملك من إحساس شعري يتسم بالرهافة والجزالة تعطي ايحاء بأنها خنساء جديدة, تكتب بشكل مختلف بعيداً عن موضة الحداثة او الرغبة في دغدغة مشاعر القارىء,, إنها شعلة من النشاط والحيوية في الندوات والمؤتمرات وفي قريحتها الشعرية، وربما ماتتعرض له من ضغوط اجتماعية -كامرأة تتحمل عبء اسرة- كان الدافع الحقيقي والسبب وراء هذا الحماس للشعر,, للإبداع,, للبحث عن قارىء حميم تتواصل معه, التقينا بها في احتفالية بدار الكتب مع الشاعر الكبير احمد عبدالمعطي حجازي، وهناك كان هذا الحوار,.
* متى بدأت بالضبط قصتك مع الشعر؟
-قصة مع الشعر تبدأ منذ عام 1975 عندما كنت اكتب الخواطر الشعرية,, التي مزقتها امي اولاً باول لاعتقادها ان هذا يعطلني عن المذاكرة,, وبعد علقة ساخنة منها اشترى لي ابي العدد الاول من مجلة الشعر قائلاً لي اتمنى ان اجد اسمك على قصيدة في هذه المجلة,, ثم بدأت مرحلة التحصيل العلمي والتكوين الثقافي بكلية دار العلوم جامعة القاهرة حيث تغذيت على أدب عمالقة الادب واساتذة الادب المقارن وازدادت موهبتي صقلاً عبر قراءات متعددة في الفلسفة والنقد وتاريخ الادب واطلاعي على كل حديث في الشعر بشكل خاص.
*ما الذي فجّر هذه الموهبة لديك بشكل اكثر تحديداً,,؟
-كأي صبي اوصبية تهوى القصص والحكايات كنت احب الذهاب الى السينما مع خالتي وابنائها وكنا نسكن بحي روض الفرج بجوار سينما الف ليلة وليلة,, وذات ليلة بعد ان تهيأت للخروج معهم الى السينما رفض ابي ذلك ومكثت بالبيت طاعة له,, وبينما ابكى وانظر من شباك الصالة حيث نقطن في الدور الارضي سقط على رأسي كتاب الف ليلة وليلة يبدو أن خادمة لاتعرف قيمته قذفت به في المنور او طفلاً ما القى به,, فمررت بجسدي النحيل جداً من بين قضبان الشباك والتقطت الكتاب,, وقرأت الجزء كله في ليلة واحدة وكأن القدر عوضني بالكتاب عن عدم الذهاب الى السينما التي تحمل نفس الاسم, في الليلة التالية نظرت من الشباك في نفس التوقيت فكتبت ما املته عليّ الخواطر والذاكرة من ترجمة لمشاعر صبيانية بريئة ورقيقة,, وفي الجامعة قرأت الكوميديا الالهية لدانتي ورسالة الغفران للمعري وتفتح وعيي على عالم الادب من خلال دراسة الادب بكل مراحله وعصوره منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث وتعرفت على شعر نزار قباني ومحمود حسن اسماعيل وعلي محمود طه وجبران خليل جبران ومحمد الفيتوري وابراهيم ابو سنة وغيرهم فكتبت ماشهد له النقاد بانه شعر بل ان الشاعر احمد سويلم توج هذه الشهادة الشفهية بشهادة اخرى تحريرية كتب فيها بخط يده (ميلاد شاعرة) وقام بالتوقيع بجوارها فوضعت قدمي على بداية طريق اكتشفت انه شاق ومضن رغم حلاوته.
نسيج محكم
* النشيج اللغوي لديك يتسم بالإحكام والسيطرة على ناحية اللغة على عكس الاضطراب اللغوي الذي نجده عند الجيل الجديد,, فما هي جذور ذلك عندك,,؟
-منذ طفولتي والى الان اصحو على صوت ابي وهو يرتل القرآن الكريم ترتيلاً محكماً، لدرجة انه سجل القرآن كله بصوته على شرائط كاسيت كما يفعل الشيوخ واستطعت ان احصل على اجزاء منه لأسمعها في بيتي,, ثم بدأت القراءة مبكراً,, وكنت رئيس الاذاعة المدرسية وقام مدرسو الابتدائي بمدرسة عمر المختار الابتدائية بروض الفرج بتوجيهي وتنمية اللغة عندي واعدادي لكي اكون مدرس لغة عربية وفي دار العلوم تعلمت على ايدي علماء اللغة وعلى رأسهم د, كمال بشر,, وأدركت بالفعل ان اللغة العربية تموت في كل مكان وتحيا في دار العلوم,, فالدراسة فيها لها متعة خاصة وتذوق اللغة فيها له مذاق خاص ومهما قرأت خارج اطار الدراسة فيها يظل المؤثر الاول في موهبتي وفي اهتمامي باللغة والمحافظة على رونقها وجزالتها هو المناهج والعلوم وفروع الأدب والفقه والشريعة التي درستها في دار العلوم, أنا ايضاً أؤمن بان اللغة هي عمود الوجه الانساني وليس هناك وجود إنساني اكثر نضجاً واكثر تحضراً الا وكانت اللغة فيه ادق واجمل واغنى,, والشعر محصلة مخزون لغوي في اجمل صوره وادقها واسماها.
والشعر اول اللغة لان الشاعر يحس به قبل التفكير فيه ولهذا فهو اول العلم وليس هناك علم بغير لغة,, والشعر عند العرب شرط لمعرفة اللغة والاتصال بالتراث القديم ولهذا فهو ديوان العرب بمعنى انه ثقافتهم الخاصة,,, من هنا جاء اهتمامي بلغة شعري وأظل أهذبها وانمقها وألبسها الأردية الأنيقة، الشيك، وادقق في اختيار مفرداتها، ولا اتساهل مع نفسي في الكتابة.
*شعرك ينتمي لمناطق من الدفء والرهافة بمكان,, بعكس مانجده في قصيدة الحداثة وقصيدة النثر التي تصدم القارىء في ذوقه العام؟
- انا لاازال احاول ان اصنع لنفسي مظلة خاصة تحميني من وهج الشمس الحارق، واصنع لنفسي السحابة الندية التي تمطرني بمائها وقت الجدب فتروي عطشي كما احاول ان اخلق لعالم الشعر الذي يملؤني ذلك الجو الملائم لكي تنبت نباتات الشعر في رئتي ثم اهيىء لها الامكانيات التي تجعل الشعر يعطر حلقي فيخرج من بين شفتي كما اريد,, لاكما يريد الآخرون ورغم المسئوليات الكثيرة والاعباء الحياتية التي اتحملها فانا اصر على هذه المناطق من الدفء والرهافة التي هي جزء من طبيعة شخصيتي ولك ان تعلم ان شكلي العام يوحي بالصرامة والجهامة على عكس ما بداخلي تماماً فانا كما اقول في احدى قصائدي:
أنا امرأة يعذبني
بكاء الطفل في شجن
ويأسرني الندى المذبوح
لومرّت به مُدنى
ويذبل ورد انفاسي
إذا ما ضمني حَزَني
ثم لاحظت إعجاب الجميع بدفء ورهافة شعري مؤكدين لي احتياجنا الشديد الآن تحديداً لقدر من الدفء الشعري بعد ان طغت موجات حداثية تبتعد عن هذه المنطقة، فسرت في هذا الاتجاه طالما انه يميزني عن ابناء جيلي, كما انني اميل اكثر الى شعراء المهجر,.
الحداثة وانقطاع التراث
*ماهو تفسيرك لأن تصبح قصيدة الحداثة بهذا المفهوم وهذا الاداء هي الاختيار المفضل لدى الاصوات الجديدة,,؟!
-اول تفسير لذلك هو ان هذه الاصوات لم تتصل بالتراث الادبي بأي شكل,, واذا اتصلت به فهي لم تتذوقه كما يجب,, ارى ايضاً انها اصوات لم تجد من العلماء والنقاد الأفذاذ من يتبناها ويوجهها ويرشدها,, فهم بالفعل كما قالوا عن انفسهم جيل بلا اساتذة,, هي اصوات نمت في عصر تقاعس فيه دور النقد الادبي بشكل واضح وانحسر دوره الذي كان وراء اجيال سابقة مرشداً ومعلماً اميناً هي اصوات في اعتقادي المصدر الوحيد لثقافتها الإعلام الموجه والجرائد والمجلات المسطحة للفكر بدليل انهم يقرأون ابداعاتهم كما نقرأ الجريدة او كما تقرأ النشرة الاخبارية لاحس ولا احساس ولافن القاء,.
* انت شخصياً تمتازين ببراعة في الالقاء على عكس اغلب ابناء جيلك,, كيف تربى هذا الحس في الالقاء الرائع عندك,,؟
-هذه ايضاً من حسنات كلية دار العلوم,, على الرغم من انني لم ادرس فيها فن الالقاء كمنهج دراسي الا ان اساتذة هذه الكلية يتميزون بفن الالقاء سواء في المواد الادبية وبخاصة الشعر او في المواد التاريخية والدينية فتعلمت ذلك منهم وبالتحديد علىيد د,شعبان صلاح ود,صلاح رزق و د,الطاهر مكي و د,علي عشري زايد وغيرهم,.
مصدر آخر تعلمت منه فن الالقاء وهو البرامج الخاصة بالشعر تحديداً في الاذاعة المصرية مثل برنامج شعر وموسيقى أداء حكمت الشربيني المذيعة البارعة التي تشعر بكل كلمة تلقيها وكذلك الاذاعية الكبيرة سلوان محمود في برنامجها قطرات الندى والاذاعية جولار عرفان في برنامجها في هدأة الليل وكذلك الشاعر والاذاعي الاستاذ محمد ابراهيم ابوسنة في برنامجه الوان من الشعر وغيرهم وكلها برامج كنت انتظر مواعيدها بالدقيقة والثانية وأستمع اليها باهتمام ولا ازال افعل ذلك للآن فتعلمت الإلقاء الجيد واضفت إليه من شخصيتي وطبيعتي وصوتي الخاص ما اعجب جمهوري، والذي ارى انه من عوامل قبولي عنده.
* الموقع الذي يشغله جيلك بين السبعينيين بمفهومهم السياسي والحركة الطلابية وبين التسعينيين بالهم الذاتي والقطيعة مع التراث والانكفاء على الذات والهم الجسدي,, كيف يتلمس جيلك طريقه بين هذا وذاك,,؟
-لايزال جيل الثمانينات وانا منهم يحتفظ بتلك القوة اللغوية والنقاء النفسي والجزالة الشعرية.
ولايزال يتمسك بالقيم والمبادىء الادبية ويأخذ الشعر مأخذ الجد,, لم ينجرف نحو موجة جديدة طارئة ولانحو اتجاه جديد غير واضح المعالم او مشبوه ولاتزال علاقتهم بالتراث موجودة ومتصاعدة من منطلق تحقيق المعادلة الصعبة بالاطلاع على الحديث والتمسك بالقديم ومحاولة تطوير انفسهم بما يتفق مع هذه المعادلة ولاتزال اعمال العقاد وشكرى والمازني وابراهيم ناجي وعبدالقادر المازني ومحمود حسن اسماعيل والهمشري والشرنوبي ترن في آذانهم محتفظين بتلك الهالة من الجدية والثقة في النفس,.
نحن جيل لم ينبهر بالحداثة بمفرداتها الرنانة,, ولم نلب نداء المجهول ولم نقلد غيرنا تقليداً أعمى فحافظنا على الخصوبة الشعرية والجمال اللغوي واحترمنا التقاليد الاجتماعية والعقلية ولم ندخل في بوتقة الانحطاط اللغوي والفكري الذي افسد الحياة الشعرية وافسد الذوق عند المتلقي,, اما من ناحية الانكفاء على الذات والهم الجسدي وما إلى ذلك فهي موضوعات موجودة في الادب العربي منذ الازل والامثلة كثيرة ولم يأت الحداثيون بجديد في مجال التعرض للذات او الجنس كل مافي الموضوع انهم بإباحية شديدة وتبجح واضح ونظرة اضيق للامر.
وبالنسبة للحياة العامة والمجتمع فقد ادركناها بجلاء بصيرة وبرهنّا على احلامنا ونقلنا للغير صورة دقيقة مما يدور في انفسنا تجاه المجتمع وما يستتر في اللاوعى ويلوذ بالاعماق واعدنا صياغة تاريخنا من خلال اجتهادات وانجازات ادبية ونماذج رفيعة بلورتها عبقرية الجماعة التي عبرت عن نفسها بحق وتمثلت شخصيتها بصدق وعكست نظرتها للكون والحياة دون اي ملوثات خارجية,.
كتابة المرأة
*وماذا عن نظرة الرجل الى كتابات المرأة؟
-كتابات المراة جزء من واقع ثقافي عام,, هذه البديهية لايفهمها الكثيرون على هذا النحو,, ونحن العرب يحلو لنا التصنيف والتجزئة باشكالها المؤسس لها والعشوائية,, من هنا ننظر الى ابداع المرأة على انه حالة خاصة لنكتشف انه ابداع محاط بقيود كثيرة من قبل الآخر,.
هذا الآخر الذي هو نصفها واخوها وزميلها في المهنة والناقد والصحفي المتابع لاعمالها,, الخ.
بداية شخصية الرجل المكبل اصلاً بالقيود والذي لايتمتع بحرية التعبير فهو لايسمح لها بالتعبير عن فكرها ومشاعرها تجاه العالم او عن علاقة حواسها ومفردات جسدها بهذاالعالم خاصة في طرح القضايا التي تمس وجودها الانساني والمرتبط بلاشك بما حولها,, فيظن البعض ان ابداعها مجرد تنفيس عما بداخلها من تمرد وتفريغ لشحنات الغضب والعصبية والحلم المكبوت,,إلخ فيصبح ابداعها في نظره وسيلة للتعرف على حياتها الشخصية وبذلك يتم اختزال قضية (الانسان المرأة - او المرأة الانسان) وفي هذا خطورة تجعل المبدعة تتحسب للاشياء قبل وقوعها،و تتوقى النقد قبل التصريح به في وجهها,, فتتعامل مع الابداع تحت ضغط الرقيب الذاتي فتختزل في المفردات وتعيد صياغة انتاجها مرات ومرات,, واذا تعمدت الجرأة امام نفسها وكتبت ما تمليه عليها النفس بحرية شديدة يظل هذا المكتوب بحرية شديدة حبيس درجها ليصبح نوعاً من الادب السري الذي لاتعلم متى يمكن ان تنفرج ازمته لتعلنه على الساحة والامثلة كثيرة من بينها د, نوال السعداوي التي اعترفت اكثر من مرة بانها لديها مجموعة قصصية كتبت على الغلاف الخارجي الذي يحتويها وصية لابنائها بعدم نشرها الا بعد وفاتها,,!!
ثم ان الرجل الذي يقع في فخ الازدواجية بين الفكر المتقدم والممارسة الفعلية فهو يعلن على الملأ استنارة عقله بعكس مابداخله تماماً حيث يضمر كثيراً من التخلف والجاهلية تجاه عقل المرأة ودورها الجديد,, ولذلك فهويلجأ إلى اساليب عديدة في القمع وتهميش ابداع المرأة بصرف النظر عن قيمته الفنية ودوره في القضايا العامة، ونجده لايجتهد حتى في قراءة اعمالها او التعرف على ابداعها ومن ابرز وسائل تهميشها عدم تشجيعها في بداية حياتها الادبية.
وهناك كثير من المبدعين الرجال يعتقدون انهم كجنس انساني ذكوري اقوى من المرأة في كل شيء حتى في الابداع استناداً على الآية القرآنية الرجل قوّامون على النساء فينتهزون الفرص ولايضيعون الوقت للنقد الهدام غير الموضوعي احياناً وغير المقنن,, ويتصيدون الاعمال الرديئة والمسطحة والمتسرعة لشن الحرب على ابداع المرأة عموماً وتقديمها للساحة كنموذج من انتاجها فينسحب ذلك على معظم ابداع المرأة طالما ان المسألة النقدية في الوقت الراهن لاتحدث بشيء من التوازن.
*وماذا عن وسائل الاعلام ودورها في ذلك,,؟ بمعنى هل استطاعت المرأة المبدعة نشر انتاجها بشكل كاف من خلال وسائل الاعلام المختلفة؟
-هذه من اخطر المسائل التي يفهمها البعض فهماً خاطئاً,, حيث يقع بعض المسئولين في التليفزيون مثلاً او في الصحافة العربية في شرك جمال المبدعة,, وكأن الصحف والمجلات للجميلات فقط وهذه صراحة قد تغضب البعض، لكنها الحقيقة الملموسة التي تظلم المبدعة الحقيقية التي لاتتمتع بقدر من الجمال او ماشابه كرخصة للنشر او التعريف بإبداعها,, وانا شخصياً اعاني من ذلك باعتباري صحفية اقوم بعمل حوارات مع المبدعين والمبدعات فإذا كانت صورة المبدعة المرفقة بالحوار الذي اقمته معها غير جميلة فإن رؤساء التحرير يرفضون الحوار على الرغم من جودته ولباقة المتحدثة وقدرتها على الرد مما لايحدث اي نوع من الصدى لإبداعها في المجتمع فتصاب هي بالاحباط احياناً وقد تصمد وتستمر منتظرة لحظة عادلة من السماء لإنصافها وتغيير الظروف من حولها ولا اقول ان الصورة هي المبرر الوحيد لنشر الابداع فهناك الاذاعة مثلاً كمجال آخر لكن المتلقي لايستمع الى الاذاعة فقط وعلى الصحف والمجلات والتليفزيون بقنواته الكثيرة فتح المجال أمام ابداع المرأة اكثر من ذلك,, والنظر الى عقلها قبل النظر الى شكلها وجمال وجهها,.
علاء البربري