دمعت عيناها وخفضت رأسها الى الأسفل، وبصوت مبحوح قالت:
انتهت ايامي بعد ان غاب رفيق العمر بين القبور وتوارى لحده في التراب وكست جسده حبات الرمل، عندما دفنوه كنت احسد التراب عليه، اغار من حبات الرمل ان تلامس عينيه تمنيت ان أكون انا ترابه الذي دفن فيه، اشتعلت في داخلي غيرة المرأة وانانيتها عندما تحب.
قضيت عمري انتظره، انتظر ان تحط طائرته، كان غائبا عني وهو معي مسافر في كل الدنيا، دار العالم وبعد ان أراد ان يرسو في مينائي رحل يوم سافر ودعني وقال سوف اعود وتكون المرة الأخيرة التي اسافر فيها، لقد رحل وكان وداعه غريبا.
نظرته، شوقه كنت احسه من بعيد, الجميع هزأ به في ذلك النهار وقالوا له انت كطفل صغير يودع أمه نظر الي من بين الجميع وقال وهو يبتسم بمرارة لم يحسها الا أنا، وداعا وذهب وكأنه كان يحس بذلك, وأثناء سفره هاتفني كثيرا رغم بعد المسافات بيننا, كانت كلماته رقيقة وصوته هادئا لم أكن أسأله ماذا فعل، أصمت ويقول ماذا فعل ورأى ومتى سيقلع بالطائرة في ذلك الصباح حدثني قبل اقلاع الطائرة, وبعدما وصل كلمني ايضا، قال انتظريني، انا قادم بصوت حائر وكأنه يخشى شيئا، انتظرت، وانتظرت طويلا، ولم يأت، ذهب الى الأبد جاؤوا يحملون جثمانه وقالوا كان مسرعا في طريقه اليك واصطدم ومات.
(سكتت قليلا رفعت يدها لتمسح دمعتين سقطتا على وجنتيها، تنهدت ونظرت الى البعيد وتابعت) عندما احضروه إليّ صرخت، احتضنته بكيت طويلاً ومازلت ابكي في كل لحظة اذكره, رغم مرور السنوات لازلت اذكره، كنت صغيرة وكان هو كل شيء بالنسبة لي رغم صغر سنه كان رجلا حقيقيا لا جسدا بلا مبادىء ولا قيم، لم يكن ينظر الي عندما يحدثني ولم يمس يدي قط, الجميع كانوا يحبونه وينظرون اليه باعجاب دائما, ذهب وتركني وحيده اجتر ذكراه بألم ولوعة، ذهب وودعني وداعا صامتا قويا، ذهب بعد ذلك الوداع الذي لم أكن اعلم انه كان الوداع الأخير، وكأنه كان يعلم بذلك.
(انهت كلامها ومن ثم وقفت وغادرت المكان بهدوء, فتحت دفتري الصغير وأخرجت قلمي وجلست أخط بعضا من حزنها الدفين).
فضية محمد العنزي
هاربة