ذات مساء توجه أحمد الى أحد اقاربه وقد كان على موعد مسبق معه، وبعدما اشبع الباب طرقاً تبين له ان البيت خالٍ وعندما عاد الى سيارته ناويا الرجوع الى حيث أتى أدار مفتاح التشغيل لكن السيارة أبت أن تشتغل لتفرض عليه قصة غريبة وواقعاً يمقته يوميا.
وقف برهة,, وفكر ماذا يصنع بهذه (المعضلة) فهي تشاكسه دوما وتفرض عليه مواقف محرجة ومضحكة فهو إنسان بسيط ومركبته من ذات فئته,, قرر ان يذهب الى ذلك الدكان غير البعيد عنه عله يجد من يساعده على (معضلته), دخل ذلك الدكان فوقع نظره على ركن الصحف والمجلات فتوجه الى الصحف وجعل يقرأ ويقرأ ناسيا هدف مجيئه, في هذه الأثناء دخل شخص (بهي) الطلعة أنيق الشكل وذهب الى نفس المكان الذي يتواجد به أحمد فلما رأه مقدما أفسح أحمد له الطريق.
وشرع ذلك الرجل بقراءة صحيفة ما,, وبدأ بالنظر الى احمد والتبسم في وجهه وقال له: انظر, فلما نظر احمد الى الصورة المرفقة بالمقالة في تلك الجريدة التي يحملها وبدأ يطابق الصورتين لكن احمد كما ذكرت إنسان في غاية البساطة فقد تعود على البساطة اينما حل ولم يكد يصدق ما يرى فذلك الكاتب الكبير قدرا وعلما يعتبر استاذا ومثالا حسنا لأحمد وبدأ احمد خجولا من (هول) ما رأى وافتتح الحوار معه على استحياء: نعم هذه مقالتك لقد قرأتها صباح هذا اليوم واعجبت بما كتبت كالعادة.
دخل احمد في قلب ذلك الكاتب الكبير لتلقائيته ولحسن سجيته ولأنه وجد به شيئا مختلفا عن الآخرين في هذا الزمان, عرفه بنفسه فهو يدعى خالد ويعمل في ذلك المنصب الاجتماعي الرفيع، وبين له طريق بيته فهو لا يبعد إلا أمتارا قليلة عن هذا المكان,, اعتقد احمد انه وجد ضالته في هذه الحياة، فهو لم يعتد التعرف ومصادقة تلك النوعية من البشر.
لكنه لم تأخذه العزة بنفسه ولم يجنح في تفكيره بما يخل وسليقته وفطرته وتلك التربية التي رباه عليها أبواه المحافظان، وبعد حوار ليس بطويل افترقا.
هنا وبعد عودة أحمد الى بيته استرجع ذاكرته للوراء فهذا اليوم حصل لك يأحمد شيء غير عادي,, ياإلهي هل مر في ذهنك بأنك سوف تلتقي ما كنت تراه بين الفينة والأخرى بالصحف,, كيف جاء اليك ذلك (الإنسان) ياإلهي انه لفرق اجتماعي شاسع بينك وبينه,, ومن كثرة التفكير تردد أحمد في زيارة خالد في البداية، فهو إنسان يجهله تماما ولم يعرف عنه سوى القليل من ذلك اللقاء القصير.
فقطع بأن يذهب اليه ويتعرف عليه أكثر فأكثر, وبعدما طرق احمد الباب استقبله خالد بحرارة وبكل تواضع منه مما جعل احمد فريسة للتفكير الكثير,, وجعله يتساءل أكثر من أنا؟ ولماذا هو مهتم بي هكذا؟! (الله يستر) فأنا لم اعتد مثل هذه الحرارة المفرطة في الاستقبال من أحد سوى امي تلك العجوز، وبعدما استقبله خالد جلسا مع بعضهما البعض وبدآ مناقشة تلك المقالة التي كانت الرابط بينهما, فهي مادة ثرية للنقاش وللحديث كبداية لقاء بينهما.
توالت اللقاءات وبدأ كل واحد منهما يفضي للآخر بأسراره ومشاكله وهمومه.
وقال خالد لأحمد ذات يوم: I have no friends just you اي ليس لدى أصدقاء سواك وهو قد عاش في الغرب فترة طويلة جدا من الزمن وأخذ ما أخذ وترك ما ترك من ذلك المجتمع فهو قد عاد الى وطنه ولم ير أصدقاءه القدامى فمنهم من مات ومنهم من فقد ومنهم,, ومنهم,, إلخ.
وقال له أيضا: لقد اصطفيتك على الآخرين، لن أهتم بالفروق وغيرها ولن اعتبرها مقياس صداقتي معك، فأنت إنسان كامل الإنسانية، وأعرف انه ليس لك مأرب من ورائي، فهل تقبل صداقتي؟
صمت احمد للحظات فهو لم يعتد سماع مثل هذه العبارات واستمر على ثباته وتوازنه في الحديث.
ومرت الأيام والأشهر على صداقتهما.
وبدأ أحمد بملاحظة أشياء غريبة تصدر من خالد كالغضب بسرعة والكلام عن ذاته كثيرا جدا وتضخيم نفسه وأشياء أخرى, وبدأ يلحظ ايضا بأن خالد يذهب أشواطا بعيدة بالصداقة وخيال جانح ليس له حدود في مفهوم صداقته.
وما زال احمد متوازناً في تعامله في صداقته هذه فهو مسلم ومؤمن تام الايمان بأن الصداقة كالجزيرة في وسط البحر من يخرج عنها فهو سوف يغرق حتما، ولن يضر الطرف الباقي طالما انه أخلص وتأكد من اخلاصه.
ولم يعر احمد تلك الأحداث أي اهتمام واستمر في إخلاصه وتفانيه في صداقته هذه.
ومرت الأيام لكن خالد مستمر في أسلوبه بمحاولة استفزاز احمد بطرق (ملتوية).
بدأ أحمد بالتفكير بهذه العلاقة وسرد احداثها بإيجابياتها وسلبياتها على نفسه وخلص الى ان خالد إنسان يحب السيطرة ويريد تنفيذ جميع مطالبه بدون أي مناقشة وحتى لو نفذ ما طلبه فهو لن يكون راضيا عن ذلك التنفيذ ولا بد انه وجد عيوبا وقصورا فيه بالرغم من اجتهاد احمد في تنفيذه وحرصه عليه، فكل ما يعمله احمد لخالد ليس إلا جزءا من الصداقة التي يعتقدها أحمد.
وخلص ايضا الى ان خالد يفتعل المشاكل ويبحث عنها ليوقع احمد بها ويكون هو بطلها بدون علم منه وهو بريء منها.
مل أحمد تلك الصداقة الزائفة فكل إخلاصه يذهب هباء منثورا وحتى لو لم يفعل شيئاً في حق خالد فهو سوف يكون الظالم والأناني في نظر خالد.
جزم احمد بأن يقاطع ذلك الصديق الغريب الأطوار فقاطعه لعدة أيام,, لكن احمد لم يستطع الاستمرار في المقاطعة فهو لم يعتد ان يقاطع أصدقاءه (الغرباء) بهذه السهولة.
قرر الرجوع علّه يستطيع ان يروض أسلوب خالد معه,.
استمرا في صداقتهما لكن احمد لم ير تطورا إلا الى الخلف, فكر مليا وقرر قطع العلاقة مع خالد الى الأبد ولم يخبر خالد بأي شيء عما سوف يفعله فهو لن يجيب على توسلاته التي يسمعها دائما في جهاز تلفونه (الآنسرنج مشين) في ان يعود إليه فهو إنسان بسيط وسيظل بسيطاً فهو مقتنع تمام الاقتناع بنفسه وثقته فيها كبيرة وطموحه عالٍ كهمته في الحياة وما زال المستقبل امامه وبإمكانه استبدال (الخبيث) بالطيب ومصادقة من يعرفون معنى الصداقة واستراح أحمد من لعبة القط والفأر ومن شد الأعصاب وجذبها من صداقة مزيفة يزخرفها بهرجة الآخرين وتلميعهم لأنفسهم.
واختتم أحمد قصته بنسيان ذلك الشخص نسياناً أبدياً واعتباره حدثا من الماضي Blast from the past كما كان يرددها خالد دائما وعدم اخبار أي مخلوق بما حصل ايا كان ذلك المخلوق.
وأخيرا هل نستنتج أن احمد وقع ضحية لاخلاصه؟! وهل الاخلاص والتفاني عيب في الصداقة؟ وهل طيبته ومحاولة إرضاء صديقه جنت عليه؟!
فكتب احمد أسئلة لتجربته في ورقة صغيرة,, هل هكذا يتعامل الناس بصداقاتهم؟! وهل هناك (اصدقاء) مثل خالد؟! وهل توجد صداقة بمعناها الحقيقي؟! ووضع ما كتبه في جرة صغيرة ورماها في البحر (البعيد) علها تقع بيد احد البشر ليجيب عليها.
محمد بن مطر النماي
جامعة الملك سعود
كلية اللغات والترجمة - الرياض
***
* محمد بن مطر النماي:
بدءا نجد أن القصة تتحدد من الناحية السردية من خلال صوت الراوي الذي يحاول ان يبحث عن مبرر لها جس إنساني يشغله وهو الإخلاص المطلق في الصداقات الإنسانية ويمكن ان نلحظ في الأسلوب الذي انتهجه محمد المحاولة الجيدة لصوغ قصة قصيرة من خلال حبكة انطلق من خلالها الى سرد قصصي بلغة جيدة,, وكانت ستأخذ منحى آخر لو انها بدأت بما انتهت به ب,, هل توجد صداقة بمعناها الحقيقي؟ قلت ذلك لنفسي بعد ان رميت هذه العبارة في جرة صغيرة ورميت بها الى البحر,, وهو فن من فنون السرد القصصي الذي يعتمد الضمير المتكلم بدلا من الضمير الغائب وهو ما يضفي على النص القصصي بعدا حيويا يقربه الى نفس وذهن القارىء بالاعتماد عل تفريغ رؤيته وانفعالاته والقيمة التي يود الامساك بها وتجسيدها بشكل أكبر, وقد قرأت القصة أكثر من مرة ووجدت لديك امكانية كبيرة جدا لصياغة قصة قصيرة وان كنت أردت ان تضفي عليها نوعا من الخيال، او الحس القصصي المؤثر إنما تفلت هذا الحس منك كما في وصف الظروف والملابسات التي جمعت بين أحمد وخالد في صورة مصادفة قلما تحدث، إنما عدت الى السرد التقليدي الذي يقيد الكاتب بحدث وظرف معين بعيدا عن طرح رؤية تحليلية او تخيلية من خلال النص المكتوب ,في المرات القادمة امتلك جرأة أكبر، وصغ ذات القصة ان شئت بضمير المتكلم، اجزم انك ستخرج من تقليدية النص لأن النص انفتاح على واقع خارجي من خلال الواقع الداخلي المنفعل بهاجس معين، ولن يتحقق ذلك إلا بالاطلاع الواسع على الكثير من القصص والروايات بمستوياتها وتوجهاتها المختلفة,, وليس لدي شك ان قلم محمد سيبدع أكثر وأجمل.