حل النبأ كالصاعقة,, ووقع الخبر كالحلم,, لم اصدق وانا استمع الى الخبر,, استجمعت قواي,, اعدت سماع الخبر,, بادرني محدثي بالعزاء، قلت: لا حول ولا قوة الا بالله، اشهد ان الموت حق,, لم يكمل محدثي التفاصيل، نقل إليّ الخبر واكتفى بهذا، وانا على بعد مئات الاميال من وطني الحبيب، اتصلت بأكثر من صديق في الرياض,, وتواتر تأكيد الخبر,لم يكن خبراً عادياً، وهو يتصدر نشرات الاخبار في محطات الاذاعة والتلفزيون على اختلاف لغاتها ومواقعها,, لا,, لم يكن خبراً عادياً,, ولم يكن يوماً عادياً,.
كان مساء السبت العاشر من شهر جمادى الاولى 1420ه الحادي والعشرين من شهر اغسطس 1999م,, كان مساء يختلف عن كل ما سواه من الايام والاوقات,.
تحجر الدمع في المآقي واصاب العقل الذهول، ورغم ان الموت هو القدر المحتوم لكل كائن حي على وجه الارض الا ان معرفة هذه الحقيقة الازلية لا تخفف من وقع المصاب خاصة على من نحبهم ونكنّ لهم الاحترام والتبجيل.
مات الامير فيصل بن فهد,, مات رجل الانسانية,, رحل القلب الكبير الذي ظل ينبض بالحب والخير والعطاء الى آخر لحظة من لحظات حياته والى آخر نفس يتردد في صدره.
رحل فيصل الانسانية الذي رفرفت ظلال انسانيته شامخة في بلده، وامتدت لتشمل بظلها الوارف جميع ارجاء الوطن العربي وجميع ابناء الامة العربية والاسلامية.
امتدت اياديه البيضاء لتشمل كل البؤساء والمحرومين والمرضى والمحتاجين والمعوزين تواسيهم وتشد ازرهم وترفع معنوياتهم وتقدم لهم ضروب المساعدة مادية كانت ام معنوية.
في كل بلد كان يزورها كانت لانسانيته قصة ولمرؤته حكاية ولشهامته مواقف ولاعماله الانسانية نشاطات ومجالات كثيرة ومتميزة.
تذكرت وانا استجمع القوى بعد تلقي الخبر - الفاجعة- عشرات، بل مئات المواقف الانسانية النبيلة لهذا الرجل النبيل، وتدافعت عشرات الصور في مخيلتي، وكتبت قائمة ضمت ما استطعت تذكره في هذه اللحظات، ووجدت بعد اعادة قراءتها، انها تظل مجموعة من العناوين البسيطة في سفر حافل بالعطاء، وان القلم مهما كان ماهراً في الرصد، الا ان كل الادوات والعوامل المساعدة على تذكر حسنات ومواقف هذا الرجل العظيم تسقط امام عظمة عطائه الكبير، وسمو اهدافه ونبل مقاصده.
ان قائمة الاعمال التي عرفها الناس فقط تحتاج الى مئات الصفحات وهي صفحات حافلة مضيئة في سجل حياة هذا الرجل الذي يجمع من عرفه عن قرب او سمع به انه يملك من خصال الرجولة والانسانية والوفاء وطيب المعاملة ما يعجز الوصف عنه وتذوب المعاني في تجسيده انه ذلك النوع من البشر الذي لم يزده الجاه الا تواضعاً ولم يزده المال الا عطاء ولم يزده الحضور المذهل لشخصيته الا قرباً من الناس، خاصة اولئك الذين احاطتهم الظروف الصعبة وتقلبات الحياة بسياج الحاجة,, فكان فيض انسانيته المتدفق بلسماً ودواء,, واضاءة قوية لكثير من الزوايا المظلمة في حياة المئات الذين فتح الله لهم، على يديه يرحمه الله، آفاقاً رحبة للحياة، ومجالات للتداوي، ومساحات للعطاء.
وللعلم والتاريخ اقول لكم وبكل صدق وامانة، وعن معرفة شخصية بذلك، ان ما تم نشره واذاعته والحديث عنه من اعمال الامير فيصل بن فهد، لا يتعدى خمسة الى عشرة في المائة من مجمل عطائه، اذا بالغنا في النسبة، اما النصيب الاوفر والاعظم من الاعمال الجليلة فكان لا يعرفه سوى المستفيدين من فيض عطائه.
واخيرا,, من صميم قلوبنا ومن كل جوارحنا ندعو الله العلي القدير ان يتغمدك بواسع رحمته وان يسكنك فسيح جناته وان يستجيب لكل دعوات اليتامى ورجاء الثكالى وامنيات المرضى والمعوزين الذين ساهمت اياديك البيضاء في علاجهم والتخفيف من معاناتهم حيث ترتفع اكفهم الآن الى عنان السماء طالبين لك من الله الرحمة والغفران ولاسرتك الكريمة ومحبيك الصبر والسلوان، والقدرة على تحمل المصاب,, انا لله وانا اليه راجعون .
*رئيس مجموعة البيان القابضة