منذ أن بدأت مرحلة قدوم أغنية وموسيقى عربية مغايرة عن الاغنية الشرقية المطروحة في شرق أو غرب المساحة العربية، فكانت تلك التجربة بعد ظهورها في المشهد العربي تحمل الكثير من موروث المنطقة وربما أمم اخرى اندمجت مع ابداعات ذاتية.
في مجموعة مش كاين هيك تكون وجبة سماعية نوعية أكملت فيها فيروز المشروع الرحباني بتوازن بين فيروز (الأم والفنانة)، حرصت علىتقديم بصمتها القديمة وأعطت فسحة للابن الوريث تقديم ذاته (سلملي عليه) من خلالها فتح زياد باباً قديماً وجديداً للعاطفة وطبيعة العلاقة الانسانية واشكالية الحب، والقلب، والعقل.
سلملي عليه
وقله إني بسلم عليه
بوّس لي عينيه
وقله إني بوّس عينيه
إنت ياللي بتفهم عليه
(هل لاحظت,, ياللي بتفهم عليه؟)
أغنية لها تيمة شرقية في الاساس من ذاك المتهم بالهوس الموسيقي لم يقدم فيها شيئاً بعيداً عن عاصي ومنصور، يكتب كلمات الاغنية مع ان قضيته في الأساس الموسيقى وليست الكلمة في التعبير عن فنه، شيء مفهوم عالمياً من زاوية (الغناء ,, غناء، والموسيقى,, موسيقى) ، لذلك ترك الحرية في اختيار الكلمة للمستمع:
(وأناعم غني المذهب ولولا قدرتوا زيدوا عليه)،
ثم يتطلع إلى جمل لحنية ذات روح طفولية من خلال بساطة الجملة وترقيعها بدون ايقاعات، في نظره افضل من موسيقى ميتة مكبلة بايقاعات صاخبة بلهاء ليس لها صلة:
اشتقتلك ,, اشتقتلي
بعرف مش راح بتقللي
طيب أناعم قلك
اشتقتلك
من خلال مجموعة (مش كاين) لمسنا ثقة هائلة في الاختيار تمثلت في أبيات من عيون الشعر العربي لابن الملوح (ولي فؤاد، أحب من الأسماء صحح الخطأ المطبعي فيه على الكاسيت (أحب من السماء) ويجيء هذا التعاون مع الملحن السوري محمد محسن (برز في منتصف الخمسينيات) ليحقق رغبة قديمة لديه.
قدم محسن ولي فؤاد من قالب موشح قام بتطويره بجعله غناءً حراً في الأخير بالاضافة إلى (جاءت معذبتي) التي ألقى كلماتها الراحل عاصي بصوته في بدايتها.
- كما أعتقد وكأنها بهذا الشدو قد ضربت وفندت أكاذيب الكثيرين من الذين رهنوا حناجرهم وأصواتهم وتعاطوا الفن كمنتج تجاري صرف ويقدمون عللاً غير صحيحة من أجل مصالحهم وأرصدتهم في البنوك تحت بند (الجمهور عايز كده)!!
ولعلك عزيزي القارىء قد استشعرت في اختيارها جانباً من الحب العذري القديم من خلال اللوعة والحرمان في تلك القصائد وغريب أنها جاءت غير مملة!
ربما كان ذلك بسبب وقوة القصائد المختارة بدقة ثم تنتقل إلى نقطة متقدمة في مش كاين كتعبير عن رؤية ذاتية لتطور الحياة من خلال الغوص في النفس البشرية وما يطرأ عليها من تغيرات بسبب الزمن وتراكم التجارب وهي بمعنى آخر استقراء للواقع الذي تراه واقعاً مريراً بعكس الماضي نستشف ذلك من تكرار (كان أكبر، كان أجمل، كان,,) ثم أن التغير هنا ليس من الجانب المورفلوجي، بل من خلال التناسق الفكري للفرد الذي يعرف في علم الاجتماع ب (coghitive dissonace)
ومن الطبيعي ألا يترك زياد فرصة (فيروز) كموصل جيد لتكون قمح آخر هذه المائدةالغنية بجرعة أكبر من اشتقتلك في البداية وهي الأهم لديه.
وعموماً في مش كاين كانت بالفعل جارة للقمر لأنها عاشت على الأرض الكوكب الأقرب لذلك اقترب من الجميع وغنت همومهم ببساطة لاتخلو من شموخ وأدركت أن صوتها كنز وهي من يمتلكه واختارت أن تهبه للجميع وربما أحياناً بدون تأمين.
|