عندما نلفظ كلمة الثقافة فنحن انما نعني كيفية الفكر والحكم والعاطفة (دزيره روستان d.Roustan: الثقافة خلال الحياة 1930).
إن النمو الثقافي الحقيقي في مجتمع إنما يقاس بكيفية العلاقات القائمة مع اعضائه وعلاقات الأعضاء بعضهم ببعض (بير امانويل: في سبيل سياسة ثقافية 1971).
وعلى هذا النحو نجد اثنين من أكابر المفكرين يلفتان الانتباه، بفاصل ثلاثين عاما، الى جانب الكيفي من الثقافة.
ولكن بينما يرجع احدهما الى الثقافة الشخصية نجد الآخر يستهدف الجماعة الثقافية, وانه لتطور رمزي يبين، هنا ايضا، الانتقال من تصور ما يزال يحمل طابع الفردية الى رؤية أكثر اتصافا بالصبغة الاجتماعية بيد ان الاثنين معا يتفقان في الحرص على إبراز الوجه الكيفي للثقافة مثلما يبرز اليوم، ولا سيما في أمريكا وأوروبا، جانب كيفية الحياة .
والقول الفصل اليوم بين الزي أيضا، لانه يلمس باتجاه العمق جانبا من الجوانب التي ترى الاخلاق الحديثة انه أكثرها أهمية.
ومن الحق كل الحق ان نذكر اننا نبلغ هنا في تحليل مفهوم الثقافة كبد المشكلة.
فالمعرفة، والمعلومات، والتعليم، والتربية العقلية والاخلاقية والبدنية والمدنية والتكوين، وكذلك ايضا الحرية والتهيؤ والوراثة العضوية والاجتماعية والبيئة، ومواضيع الثقافة، مهما اتسعت نماذجها والثقافة الرفيعة والثقافة العامة، كل ذلك سيبقى في آخر المطاف مجرد بذور اذا لم تخصبها خصال الفكر,وان القول المأثور القديم يظل صحيحا هنا أكثر منه في اي مجال آخر، ونصه: وفي وسعنا تماما ان نغرس شجرة، ولكن على الشجرة هي ان تكبر .
ان الانسان وحده يملك الخصال الاولي التي ستجعل منه كائنا قادرا على تجاوز نفسه، واذن على ان يثقف، مفاتيح الاشكال العليا لنموه, وعندئذ لن يكون موقفه سلبيا منفعلا، بل فاعلا حازما في ان يرقى بالثقافة بأكثر من ان يرقى في سبيلها, انه سيفيد من ملكاته الشخصية، ويسهم بذلك، ولكن اسهاما حاسما، في الافادة أعظم الإفادة مما تلقى وأخذ.
هنا يجب وزن جوهر الثقافة وعدم الاكتفاء بمجرد حسابها, وقد لاحظ الآن ان علم (ديكارت) كان أقل جدا من علم الفيزيائيين الحديثين, ولكن ذكاءه النافذ المواكب لحس بالوقائع المستمرة جعلا منه احد العقول الكبيرة الاشد ثقافة في عصره، وفي جميع العصور.
ولكن كيف تتجلى، والحال هذه كيفية هذه الثقافة؟
* عن كتاب الثقافة الفردية وثقافة الجمهور/ لويس دولالو ترجمة الدكتور عادل العوا.