Tuesday 7th September, 1999 G No. 9840جريدة الجزيرة الثلاثاء 27 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9840


قراءة في كتاب
قراءة في نص نعت الكتاب للجاحظ الوعي!!

ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ من الكتّاب العباسيين الذين حفظوا للغة العربية مفرداتها واساليبها، ولاغرو فهو من ابناء العصر الذهبي للامة العربية: عصر هارون والمأمون، ولقد كانت القراءة والكتابة تشكلان جانباً مهماً في حياة الجاحظ حيث كان محباً للقراءة والمطالعة والكتابة، فقد كان يستأجر دور الكتب ليلاً فيسهر على قراءة مافيها من كتب يقول ابو هفان: (لم أر قط ولاسمعت من احب الكتب والعلوم اكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط، الا استوفى قراءته، كائناً ماكان، حتى إنه يكتري دكاكين الوراقين، ويثبت فيها النظر) (1)
كل تلك القراءات كانت لها اليد الطولى في انتاج تلك العقلية المتبحرة التي احبت الكتاب وعرفت قيمته، فراحت تنعته بأحسن الاوصاف واجمل المعاني والالقاب، فتجربة الجاحظ في نعته للكتاب تجربة نابعة عن حب للكتاب بل هيمان فيه، (والعجب ان تلك الاسفار التي عني بها صاحبنا، لم تبر به ولم تبادله الوفاء، فغدرت به، وكان موته بسقوط مجلدات العلم عليه ) (2)
ومن تلك القراءات وادامة الاطلاع ابدع الجاحظ كعادته في كل مايطرق من موضوعات وابدع في هذا النص لان المنعوت اعز ما يحب، فلقد استجاب الجاحظ لاحاسيسه تجاه الكتاب فهو احب الاصدقاء اليه حتى غدا احد زعماء المكتبة العربية، بل إماماً فذاً من ائمة البيان في العربية، يقول في نعت محبوبه الكتاب الذي اوصله الى تلك المنزلة: (ونعم الجليس والعدة,,، ونعم الانيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة ونعم القرين والدخيل) لذلك كان معذوراً عندما أذن لخياله أن يحلق في جو الوصف الرائع البديع الذي صور لنا الكتاب بعدة اوصاف حيناً يصوره بالصديق كما سبق ان اشرنا وحيناً يصوره بالوزير والنزيل، وحيناً يصوره بالوعاء الذي ملىء علماً، فيه مزاح وجد,.
ولاننسى حسن استهلاله حديثه بالانكار على من رضي لنفسه ان تطعن ببعض الكتب، فتجاوز ذلك الىطعن الكتب عامة دونما علم حتى نصبت الحرب في عيب الكتاب، وذلك مما يدل على توافر التجربة الشعورية لدى الجاحظ وحضورها في نص الكتاب.
ومما يدل على ارتباط الجاحظ بالكتاب وتعمق حبه من قلبه حتى اصبحت تلك التجربة تشكل جزءاً كبيراً من حياته حتى افرز لنا تلك العقلية التي نعتت الكتاب بأروع الاوصاف واحسن المعاني قوله :(إن شئت كان ابين من سحبان وائل، وان شئت كان اعيا من باقل,,) وقوله: (فمتى رأيت بستاناً يحمل في ردن، وروضة تقل في حجر، وناطقاً ينطق عن الموتى، ويترجم عن الاحياء,,) وقوله: (وعبت الكتاب ولا أعلم جاراً ابر، ولاخليطاً أنصف، ولا رفيقاً أطوع، ولامعلماً أخضع، ولا,, ولا,, ولا أزهد في جدال، ولا اكف عن قتال من كتاب).
ولاشك ان الجاحظ كان قد اغرم بالكتاب فصار مؤنسه وصديقه وجاره ورفيقاً ومعلماً فما من صفة فيها بر ووفاء وكرم وجود إلا وخلعها على الكتاب لما يرى له من عظيم النفع وكبير الفائدة، لذلك جاءت صفاته جامعة لكل معاني الشمول والاحاطة يقول:(ولا اعلم نتاجاً في حداثة سنه وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، وإمكان وجوده، يجمع من الدابير العجيبة والعلوم الغريبة،ومن آثار العقول الصحيحة، ومحمود الاذهان اللطيفة، ومن الحكم الرفيعة، والمذاهب القويمة والتجارب الحكيمة ومن الاخبار عن القرون الماضية والبلاد المتنازحة والامثال السائرة والامم البائدة مايجمع لك الكتاب).
ويمد الجاحظ النفس في تجربته الشعورية تجاه الكتاب ليصل الى نهاية حديثه عنه فيختمه بذكر منطوق الكتاب (القراءة) وآلة الكتابة (القلم ) بأن شرفهما الله عندما جاء بهما في اول التتريل ومستفتح الكتاب (اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم) فوصف نفسه تبارك وتعالى بأنه علم بالقلم، كما وصف نفسه بالكرم.
عبدالله بن خليفة السويكت- الزلفي

*1-كتاب الحيوان, للجاحظ، تحقيق عبدالسلام محمد هارون، منشورات المجمع العلمي العربي الإسلامي بيروت 1/5
*2- شذرات الذهب 2/122 نقلاً عن المرجع السابق الصفحة نفسها.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved