* القاهرة- مكتب الجزيرة- باهر حسين- ريم الحسيني
منطقة الشرق الاوسط,, اكبر مخزن للسلاح في العالم واكبر مستورد له، هذه المقولة المتداولة منذ اكثر من ربع قرن، هل اصابها التغير بفعل التطورات والاحداث التي مرت على المنطقة حتى الان، ام زادتها بقاء واشتعالاً؟! واذا كان الصراع الاسرائيلي العربي قد لعب دوراً رئيسياً في التسلح لبلدان الشرق الاوسط وفي تطوير الصناعات العسكرية، فهل عملية السلام بين اسرائيل وبعض جيرانها العرب كانت او ستكون شرطاً كافياً للحد من عسكرة المنطقة؟ في دراسة جديدة صادرة عن المركز العربي للدراسات الاستراتيجية للمحلل الفرنسي فرانسواز كليمون تؤكد ان الشرق الاوسط كان منذ عام 1967 ثم حرب اكتوبر ونهاية حرب فيتنام المستورد الاول للسلاح حيث استحوذ على نسبة تتراوح من 30% الى 40% من المشتريات الدولية وما يقرب من مشتريات العالم الثالث ووفقاً لتقرير رابطة الصناعات الالكترونية الامريكية فقد ارتفعت طلبات شراء اسرائيل ودول الشرق الاوسط الى 93 مليار دولار من عام 1993 الى عام 1998 بما يعادل 35% من مشتريات الجيش الامريكي، وتشير الدراسة الى انه مع ذلك فان النمو المتزايد للنفقات العسكرية في الشرق الاوسط لا يمكنه الاستمرار بذات المعدل نتيجة الصعوبات الاقتصادية وانخفاض اسعار البترول وبرامج التكيف الهيكلي وتراجع المساعدات الخارجية طالما لن يؤدي نزاع عارض حدودي الى اضطراب التوازنات الهشة لتلك المنطقة الحساسة من العالم، من ناحية اخرى فان استئناف مشتريات الاسلحة في الشرق الاوسط لن يكون من نتيجته بالضرورة تطوير صناعات محلية للتسليح، وتضيق الدراسة بأن التمويل الاستثنائي الذي حصلت عليه اسرائيل ومصر عقب ازمة الخليج 3،2 مليار دولار على التوالي بالاضافة الى العشرة مليارات دولار الممنوحة كضمانات قروض من الولايات المتحدة الى حليفتها اسرائيل والغاء 6,7 مليارات دولار من الدين المستحق على مصر اتاح هذا للبلدين الشروع في برامج للتسلح كانت مجمدة في السابق الا ان تأثير هذا التمويل بدأ في التراجع وتذكر الدراسة ان عملية السلام الجارية بين اسرائيل وجيرانها ستخفض الى حد ما مستوى التسلح الذي يمكن ان تستهدفه هذه الدول من اجل امنها وامن الشرق الاوسط, غير ان اسرائيل مازالت الشريك المميز للولايات المتحدة حيث تشارك منذ عدة سنوات في العديد من برامج تسلح الجيش الامريكي فضلاً عن كونها الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا يمكن توقع مشاركتها في تحالف اسلامي معاد للولايات المتحدة وللحفاظ على تفوقها العسكري المطلق في المنطقة تحاول اسرائيل تحقيق خفض في قوات الدول الاخرى.
تركيا ومصر وإسرائيل
اختار الباحث في دراسته ثلاث دول هي تركيا واسرائيل ومصر لبحث صناعة التسلح بشيء من التفصيل.
عن صناعة التسلح في تركيا ذكرت الدراسة بأن تركيا هي الدولة الوحيدة من حلف شمال الاطلسي التي تقع ملاصقة في نفس الوقت للاحتياطات البترولية في الشرق الاوسط والقوقاز والبلقان لذا قد عملت على زيادة نفقاتها العسكرية ومشترياتها من الاسلحة التي بلغت نسبتها 10% عام 1991م الامر الذي كان يتعارض مع الاتجاه نحو تخفيض النفقات العسكرية لدى دول الحلف الاخرى في نفس الفترة وكان العامل الاساس وراء التطور الحديث لصناعة التسلح التركية الحظر الامريكي الناتج عند التدخل العسكري التركي في قبرص وقد استهدفت خطة تركية قيمتها 10 مليارات دولار ومدتها عشر سنوات ممولة خارج الميزانية العسكرية 4,6 مليارات دولار عام 1993م من خلال استقطاعات من ايرادات الميزانية اعادة تنظيم الانتاج العسكري على اساس الشراكة مع القطاع الخاص المحلي والاجنبي وفي نفس الوقت يتم تحديث التجهيزات البحرية بالتعاون مع المانيا ومن خلال تجميع سفن المانية في الترسانات التركية وتنظيم الصناعة الجوية حول عقد الانتاج المشترك ل 152 طائرة طراز 15 اف امريكية للجيش التركي وتذكر الدراسة انه من بين 1000 شركة عاملة عام 1992م في القطاع العسكري فان نصف ال 32 شركة الكبرى قد تأسس بعد عام 1983م وتضم نقابة عمال صناعة التسلح نحو 45000 عضو ولم تدخل الصناعة التركية الى الاسواق الخارجية الا بشكل محدود للغاية ويبلغ الحد الاقصى للمعونة الامريكية نحو 500 مليون دولار سنوياً منذ عام 1989 وقد وصلت التعويضات المرتبطة بحرب الخليج الى نحو 900 مليون دولار.
إسرائيل صناعة أمريكية
اما عن صناعة التسلح الاسرائيلية فتذكر الدراسة انها استوعبت عام 1992م بشكل مباشر ومن الباطن نحو 40,000 شخص او ما يعادل 2,5% من اجمالي السكان النشيطين و 13% من العمالة الصناعية وما يقرب من 60% من المشتغلين بصناعات التجهيزات الكهربائية والالكترونية ومعدات النقل ومثل انتاجها نحو 14% من الانتاج الصناعي الاجمالي ونحو 6% من الناتج المحلي الاجمالي كما مثلت صادرات الاسلحة والتي قدرت بنحو 1,42 مليار دولار عام 1992م نحو نصف المبيعات الخارجية من التجهيزات الالكترونية وقد اخلت مبيعات الاسلحة المرتبة الرابعة في هيكل الصادرات الاسرائيلي بعد الالماس والمنتجات الكيميائية ومشتقات البترول والصناعات الكهربائية والكترونية وفي حالة اسرائيل كما في حالة كل المستهلكين الكبار للاسلحة المستوردة سواء أكانت مستفيدة ام لا من معونة اقتصادية، تتساءل الدراسة من يدعم الآخر المشتري ام البائع؟ وتضيف على سبيل المثال باعت الشركة الامريكية General Dynamics المصنعة للطائرة المقاتلة F.16 الى اسرائيل معدات وخدمات بما يقرب من 7 مليارات دولار خلال الفترة بين عامي 1978-1993 وقد ارتفعت قيمة مشتريات المعدات والخدمات من شركات الاسلحة الامريكية والممولة بواسطة قروض المبيعات العسكرية الاجنبية الى 18 مليار دولار حتى يونيو 1991 واذا اعتبرنا ان الجيش الاسرائيلي يمثل جزءاً متكاملاً من النظام العسكري والاستراتيجي الامريكي فلن يكون من المدهش ان تدفع الولايات المتحدة ثمن الاسلحة التي تسلمها لاسرائيل.
تقليل الصناعة
العسكرية المصرية
اما عن صناعة التسلح المصرية فتذكر الدراسة ان مصر قد تخصصت في تصنيع وبيع قطع غيار المعدات السوفيتية التي ظلت تمثل حتى عام 1993م اكثر من نصف اسلحتها وقد ظل العراق العميل الرئيسي لمصر حتى قرر الاتحاد السوفيتي اعداة تزويده بالسلاح الامر الذي احدث خفضاً في المبيعات المصرية.
وتضيف الدراسة انه منذ حرب الخليج اصطدمت صناعة التسلح المصرية بمشكلة اعادة تحويل فقد تم تخفيض اسعار الاسلحة السوفيتية بواسطة جمهوريات الاتحاد السوفيتية السابق والصين واصبحت دول شبه الجزيرة العربية تشتري اسلحتها مباشرة من كبرى الشركات الغربية واغفلت المنتجات المعادلة المصنعة في مصر وقد أحدث غزو العراق للكويت شرخاً لدى الدول في المنطقة التي صارت تفضل التعامل مباشرة مع القوى العسكرية الغربية وتشير الدراسة الى ان الانتاج العسكري في مصر مثل في نهاية عام 1993م نحو 50% من انتاج الهيئة العربية للتصنيع التي وقعت العديد من عقود بيع ناقلة جنودها المدرعة فهو وطائراتها الخفيفة حلوان بالاضافة الى معدات ازالة الالغام التي جربت في الكويت.
ويضيف الباحث انه منذ انتهاء الحرب مع اسرائيل لم يعد مطروحاً امام مصر اي تحد خارجي حقيقي الامر الذي استوجب ضرورة ايجاد تبرير اقتصادي للاحتفاظ ب 200,000 عسكري عامل ونحو 250,000 مجند بالاضافة لتقدم عملية السلام العربية الاسرائيلية وفرض عقوبات على ايران والعراق وليبيا والخبرة التي حصلت عليها الدبلوماسية الامريكية في المنطقة خفضت قدرة مصر على استخدام رصيدها التقليدي الاقليمي.
معطيات جديدة
وتختتم الدراسة بتأكيدها على ان اختفاء الاتحاد السوفيتي ثم ازمة وحرب الخليج الاخيرة كان لها اثرها الكبير في تغيير المعطيات الجيوبوليتكية والعسكرية في الشرق الاوسط واذا كان من شأن نهاية الحرب الباردة ان رفضت اسرائيل نحو اعادة النظر في رؤية دورها الذي قد يتراجع في اطار الاستراتيجية الامريكية التقليدية فبالنسبة لجميع دول المنطقة فإن انعكاسات انتهاء الحرب الباردة على الميزانيات العسكرية للولايات المتحدة تعني مع ذلك توقف او تراجع مشاريع التعاون الكبرى كذلك لا يمكن لصناعة التسلح في البلدان المعتمدة للغاية على المساعدات الخارجية والاسواق المرتبطة بصراعات اقليمية توفير موارد الا اذا نجحت في نفس الوقت في اعادة تحويلها نحو اسواق جديدة مدنية وعسكرية واعادة هيكلتها لتصبح اكثر ربحاً.
|