تطرقت في الزاوية السابقة عن الابداع اللاموضوعي المعتمد على الإيحاء الوجداني السريع الآتي من ابعاد مخبرية في مختزل الفنان التشكيلي بناء على عملية طويلة تمر بالعديد من التركيبات والمواصفات اهمها الثقافة والوعي الجمالي والتقنية المتمكنة التي يرى البعض انها ضرب من العبث والشخبطة وتداولها الكثير ومنهم صديقي سالف الذكر.
اعود لاقول ان قضية العمل الابداعي الحديث وما يشوبه من صفات غير منطقية او موضوعية عند المتلقي العادي,, واسمحوا لي ان اضع العديد من الخطوط تحت تلك الصفة نتيجة لفقر ذلك المتلقي للكثير من المعارف والخبرات والتربية الجمالية، وهذه هي المعضلة علماً بان البعض ان لم يكن الكثير من اولئك الناس يشعرون بميل لذلك الشيء الغريب والعجيب رغم تسميتهم له بالعبثية او الشخبطة الطفولية, ويمكن لنا اكتشاف ذلك الميل عند رغبة احدهم اقتناء قطعة قماش لستارة منزله او كساء لقطعة اثاث ويحاول جاهداً من خلال تقليبه كتالوج انواع الاقمشة وحيرته امام الصفحات والاشكال والالوان التي لاترتبط بموضوع او شكل يعرفه ذلك الشخص مسبقاً وإنما يجد في تلك اللحظة احساساً غير عادي وتوجيها لا اراديا للتعامل مع هذا العالم اللوني والشكلي دون علمه بان ذلك الموجه او المحرك هو الوجدان وان تداخل الاشياء وعدم قدرته على تحديد الافضل ناتج عن عدم ترتيب هذا الجانب من ملكات العقل عوداً الى العديد من الاسباب منها المحيط الذي يعيش فيه وهو محيط مشترك عام اذ لم يكن في اي منزل قروي اي شكل من اشكال الزينة غير مايصنع من الخوص او الجلود وهي ألوان محددة، مروراً بمرحلة التعليم والنقلة تجاه المعرفه والاكتشاف لكل شيء جديد كان بعيداً فاصبح اكثر قرباً بل اكثر التصاقا، ولم يكن لهذا الانسان حظ في معرفة التعامل مع كيفية تنمية تلك الملكات والاستفادة مما كان قد قرر في مناهجه التعليمية وخصوصاً مادة الالوان والرسم والإبداع.
تلك الرموز المختصرة من اسباب تدني إدراك الفرد لزوايا الجمال جعلته يرى كل شيء جديد ووجداني ابداعي يقدمه الفنان التشكيلي وكأنه جاء من كوكب آخر وهذه قضية هامة وتحتاج للوقوف امامها ومن اجلها كثيراً لايصال تلك الاهمية للمعنيين بها وهم من اوكل اليهم بناء الانسان بناءً متكاملاً والاستفادة من كل ملكات عقله ليصبح متوازناً وقادراً على التعامل مع كل محيطه ومنه او في مقدمته كيفية اعداده لينظر للحياة بمنظار اكثر اشراقاً ومعرفة لزوايا الجمال ومن ثم الاستفادة من ذلك الجمال في بناء اول مجتمع ينطلق او يطلق منه اسرته وهو المنزل ليمتد الى الشارع فالمدينة فالوطن.
تلك الاسطر محاولة للتعريج على علاقة الفرد بالجمال الابداعي في اقل اجزائه وهي حياته اليومية وما يلامسها من حاجات مؤطرة بالجمال.
اما ما يمكن الحديث عنه حول اللوحة بشكلها الخاص ولماذا لاترى كما يجب او كما يرغب الفنان فالامر يصبح متأرجحاً بين الاراء, ولهذا فإنني ارى ان دور الفنان هو الابداع لا ان يسعى لتعليم الافراد كيف يشاهدون ابداعه ويترك الامر لمن يرغب في ان يتعرف على تلك العوالم او ذلك العالم عليه ان يتعلم لغته, والواقع ان الفنان اذا وضع قضية فهم اللوحة في مقدمة انتاجها او ابداعها فسوف يشعر بالاحباط ومن ثم الشلل التام ومن ثم وأد الفكرة او الابداع بكامله, وهذا بالطبع لايعني تجاهل المتلقي وتقديم العمل السيىء بقدر ما يعني ان العمل الجاد والحقيقي ينبع من الفنان ويأتي من مسيرة ومراحل طويلة قد لايستطيع اي متلق التعامل معها وخصوصاً اذا كان العمل تجريدياً او رمزياً بحتاً بعيدا عن محاكاة الواقع بشكله التسجيلي الساذج وإنما بطرح عصري مبني على قواعد الابداع.
للحديث بقية.
محمد المنيف