Thursday 16th September, 1999 G No. 9849جريدة الجزيرة الخميس 6 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9849


أليس هذا هو الواقع,,؟!

يظل للظروف الصعبة المحيطة بنا، والمواقف المحرجة التي نتعرض لها، والاغراءات الحياتية التي تواجهنا، والاشخاص الذين لا يهمهم سوى انفسهم واستغلال غيرهم وصلاحياتهم الممنوحة لهم، يظل لكل هؤلاء وغيرهم بمن فيهم نحن، يظل لهم دور كبير في تصرفاتنا الشخصية غير المقبولة والتحكم فيها لدرجة لا ترضينا نحن في قرارة انفسنا قبل اي شخص آخر.
ويبقى للتنشئة الاجتماعية والاحتواء الاسري والاشباع النفسي والعاطفي الذي نحظى به منذ نعومة اظافرنا من اولياء امورنا والاشخاص المحيطين بنا، يبقى لذلك كله، دور اكبر في حمايتنا مما قد نقدم عليه فيما بعد من تصرفات لا نرضى عنها حينما نعي ما حولنا في هذه الحياة.
ولعل ابسط تلك التصرفات اللامقبولة دينياً واجتماعيا هي عادة الكذب التي اصبحنا نمارسها في حياتنا اليومية وكأنها احد متطلبات الحياة الضرورية التي لا غنى عنها لكافة الاعمار والشرائح المجتمعية الثقافية وللجنسين على حد سواء، بغض النظر عن درجة الكذب الذي نمارسه، مهما كانت كذبة بيضاء او وردية او خلافهما لانها مع الاسف اصبحت جزءاً منا مهما كانت بسيطة ومهما كان الغرض منها فيه مصلحة لنا او للآخرين او بعد عن المشكلات التي قد تنكد علينا حياتنا.
فهو اي الكذب اصبح كالهواء الذي نتنفسه معنا في كل مكان وفي كل وقت وفي كل مجال من المجالات بدءاً من المنزل مروراً بالمؤسسات التعليمية وفي مجال العمل ومع كافة افراد المجتمع بنسب مختلفة، ولك ان تقس ذلك على نفسك أنت دون غيرك وتجمع عدد مرات الكذب التي تراكمها يومياً وتقارن بين اي منها انت مضطر له واي منها كان يمكن ان تتهرب منه وتبتعد عنه وحينئذ سوف تعرف حجم هذه العادة المتأصلة فينا ومدى تمكنها منا وتأثيرها علينا!
ودعونا نكون صريحين بعض الشيء مع انفسنا، من منا لم يكذب في حياته؟ بل من منا من لم يزل يمارس الكذب بشكل او بآخر بطوع ارادته او رغما عنه حتى لو كان كذبا غير ضار؟
ولكن السؤال الذي سيظل قائماً ما ظل هذا الانسان، هو لماذا نكذب؟ لماذا نستمتع به حتى ونحن لسنا في حاجة اليه؟ هل اصبح سلعة استهلاكية يومية لا غنى عنها؟
ان الاسباب عديدة ولا شك، وذات عوامل مختلفة وكل منها يخضع لظروف محددة ربما نحن من يساهم فيها دون ان ندري!
فنحن نكذب اساساً خوفاً من عقاب متوقع نتيجة خطأ ارتكبناه لا نريد ان نعاتب عليه اياً كان هذا العقاب، وهذا هو الشيء الظاهر والمتعارف عليه للجميع، ولكننا لا نبحث عن تلك الاسباب المعروفة التي لا يلام عليها اي منا كون ذلك وسيلة دفاعية يلجأ اليها الانسان للبعد عن العقاب والنجاة بنفسه، ولكن هناك اسباب غير واضحة المعالم بعد للكثير منا ونستخدمها كرد فعل لما يواجهنا من مواقف بل يكون لنا دور سلبي حيالها.
نعم، نكذب لان الناس تسيء فهمنا حينما نتحدث اليها او مع غيرها فيظنون بنا الظن وخوفاً من ذلك، نكذب لنبقي على تلك الثقة بيننا وبينهم ان كان هناك بقية منها اصلا!
فنحن نلجأ للكذب حتى على اقرب الناس الينا لأنهم لا يريدون ان يستمعوا الينا، لا يريدون ان يساعدونا ويقفوا معنا ويتفهموا لنا، ولا يريدون ان يمدوا لنا ايديهم ويأخذونا بالاحضان رغم علمهم اننا في حاجة ماسة لصدر حنون يحنو علينا من تقلبات الزمن وجوره، في حاجة شديدة لحضن دافئ نطفىء به لهيب الحرمان الذي نعيشه، ونروي به ظمأ الجوع العاطفي الذي نفتقده نكذب لاننا نريد من يحقق لنا تلك الأماني البسيطة التي اصبحت معادلة صعبة في هذا الزمن.
نكذب لان الكذب هو الحبل الذي يوصلنا لأمانينا، هوالطريق ليحقق احلامنا، هو الوسيلة التي تسعدنا ولو مؤقتاً ولو لبضع دقائق او ساعات من السعادة، لاننا بدونه نتعب نفسيا.
نحن نكذب لكي نرتاح، لان هناك اشخاصا لا يقبلون الصدق حينما نقوله لهم، تقول لهم الحقائق فلا يصدقونك، تشرح لهم النظام المتبع فلا يعترفون به، تقول لهم لا استطيع، يقولون لك حاول، تقول حاولت يقولون كرر المحاولة، اطرق ابوابا اخرى! يترددون عليك ويلحون لدرجة لا تملك معها الا ان تكذب كي ترتاح او ان تتهرب بطرقك الخاصة وتدعي عدم وجودك منعاً للاحراج! وهذا ما يحدث على مستوى الدوائر الرسمية وعلاقاتها بالافراد بل حتى بين الافراد بعضهم ببعض وعلى مستوى الواسطات التي لم تعد قاصرة على اصحاب الصلاحية والنفوذ، بل تجاوزتها الى اناس لا يخطرون لك على بال! ولكن هذا لا يعني اننا نمارس هذا الاسلوب مع الكل، ابداً، بل ان هناك اشخاصا تتمنى ان يؤشروا بأصابعهم، ان يتفوهوا ولو بكلمة، ان يلمحوا لك ولو من بعيد فتفهم منهم ما يريدون فتسارع لتحقيق ما يريدون بكل سعادة ودون منة او تفضل، بل الاكثر من ذلك انك قد تتضايق حينما تعلم انهم ارداوا شيئا ولم يخبروك به او يطلبوه منك او طلبوه من غيرك، حتى لو كان فيه مشقة عليك او حرج لك لان كل شيء يهون من اجلهم!
نعم نحن نكذب لأن الكل يريدنا ان نكذب، يريدوننا ان نسلك طرقاً ملتوية للحصول على ما نريد، والمشكلة انهم يعرفون تماماً اننا نكذب ومع ذلك يسكتون عنا لأنهم هم انفسهم يمارسون الدور نفسه معنا ومع غيرنا.
نحن نكذب على انفسنا حينما نحرف الحقائق الدامغة حينما نوجد المبررات غير المنطقية حينما نعطي الاسماء اسماء اخرى لا تمت لها بصلة فقط لانها تتناسب معنا وتحقق رغباتنا وترضي كبرياءنا وغرورنا والا ماذا يعني ان نسمي الرشوة إكرامية مثلاً والربا بالفائدة ايضاً أليس ذلك استهتاراً بالعقل ولياً لذراع الحقيقة التي ستظل كذلك مهما تفتق العقل البشري عن ايجاد مسميات بديلة اخرى؟
نكذب على انفسنا حينما نحاول ان نقنع مشاعرنا بان تعود الى الكبت مرة اخرى بعد ان احست بقيمة الصدق والجمال والحرية، نكذب على مشاعرنا عندما نحاول ان نغير من اتجاهها الى اتجاه آخر لا ترغبه ونوهمها انها نسيت ما عاهدت نفسها على عدم نسيانه او مجرد التفكير في ذلك لان ذلك ليس من حقها وحدها بل حق من يشاركها تلك المشاعر التي امتزجت بها واصبحت كيانا واحدا وتوأم روح واحدة.
نكذب على تلك المشاعر المسكنية الصادقة بداخلنا، حينما نوهمها ان ما تعيشه من مشاعر صادقة لم يكن سوى صفحة من صفحات التاريخ طواها النسيان، واصبحت مجرد ذكرى جميلة، بينما في واقعنا الوضع يختلف تماماً، وواقعنا يقول غير ذلك، بينما تصرفاتنا تشعرنا ان الحب الحقيقي لا يأفل بسهولة، والمواقف الرائعة لا تتكرر بسهولة، بل حتى اللحظات الجميلة لا يمكن ان نعيشها مع اي انسان مهما كان عدد الاشخاص من حولنا ومهما كان إغراء العروض المقدمة لنا منهم، ومهما كان اسلوب التطنيش الذي نجبر انفسنا على استخدامه بحق من لا يستحقه، فان هذا الاسلوب يتعبنا كثيراً, والاكثر من ذلك، اننا نكذب على انفسنا ونصدقها ونتعامل مع هذا الصدق المزعوم على انه واقع، بينما هو قناع مزيف لا يلبث ان يزول مع الايام تاركا خلفه آثاراً سلبية تبقى معنا طوال عمرنا فتظل حياتنا مجرد غش وخداع مها رأى الآخرون صورتنا على انها ملاك طاهر.
المشكلة ان الكثير منا احبوا هذا الكذب وتقمصوه جيداً بحيث اصبح جزءاً اساسياً من شخصيتهم لا يستطيعون الاستغناء عنه في حياتهم العادية لمَ لا؟! والمجتمع بكل تصرفاته يشجعهم عليه بشكل او بآخر! ذلك التشجيع الذي يتمثل في ابسط صوره في المواعيد الزائفة التي لا يحترمها اصحابها ولا يلتزمون بها رغم انها جزء من مؤسسات المجتمع.
وارجو ا الا يفهم من حديثي هذا انها دعوة لتبرير الكذب او التقليل من شأنه، بل هي الحقيقة التي نشيح بوجوهنا عنها! الحقيقة التي ندير ظهورنا لها! هي الحقيقة التي لا نريد سماعها من الآخرين او وصمنا بها رغم انها فينا! هي الوسيلة التي نمارسها بتلقائية دون ان نسأل انفسنا لماذا؟!
اعرف انها حقائق مؤلمة لا ينبغي ذكرها بهذه الصراحة، ولكن أليس هذا هو الواقع؟ أليس هذا هو الوجه الآخر لأي مجتمع؟! اتمنى ان اكون مخطئاً.
د, فهد حمد المغلوث

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
ملحـق القصيــم
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تغطيات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved