Thursday 16th September, 1999 G No. 9849جريدة الجزيرة الخميس 6 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9849


بين كفتي ميزان
الواسطة,, داء فاجع ودواء ناجع

عزيزتي الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اطلعت على الكاريكاتير المنشور على الصفحة الاخيرة من العدد 9841 بريشة الفنان محمد الخنيفر الذي صور فيه شاباً يجري فرحاً ومبشراً بقوله باركوا لي قبلوني في الجامعة ورجلين يستمعان لندائه وقد اخذ العجب لب احدهما وهو يقول لزميله غريبة,, ليه قبلوه ودرجاته ضعيفة فقال له الآخر بكل برود علشان واسطته قوية ثم قرأت ما كتبه د, عبدالله بن ناصر الفوزان على صدر الصفحة الاولى من العدد 9844 وقد تطرق في مقالته الى نفس القضية التي طرقها كاريكاتير الخنيفر حيث تحدث بكل صدق عن الواسطة وما فيها من الظلم لبعض الطلبة الذين لم يقبلوا في الجامعة بحجة انتهاء الامكانية مع انها اي الجامعة قبلت طلاباً اقل منهم في المعدل والدرجات والسبب كروت الشفاعة وتواقيع التعميدات التي يحملونها، وتكملة لما ذكره الاستاذان يسرني ان اتطرق لهذا الموضوع بشكل موسع وذلك لاهميته وخطورته وعموم البلوى به فأقول وبالله التوفيق:
لقد احتلت الواسطة الشفاعة حيزاً كبيراً وبلغت اهمية كبرى في زمننا الحاضر حتى اصبحت هي الميزان الاول لتقييم الناس في اغلب الاعمال كالقبول في الجامعات والترقيات وسرعة انهاء المعاملات و,,و,,و,, في اغلب الاعمال والمتطلبات، والواسطة او الشفاعة تنقسم الى قسمين مهمين يحسن بنا ان نتعرف عليهما وعلى آثارهما الدنيوية والاخروية:
1- القسم الاول: شفاعة سيئة ومحرمة وهي الشفاعة التي يترتب عليها اضرار بالآخرين وظلم لهم كتقديم من لا يستحق على من يستحق، وحرمان المستحق من حقه المكتسب، وكذا كل شفاعة ترتب عليها اسقاط لحد من حدود الله، او كان فيها احقاق لباطل او ابطال لحق او ترتب عليها معصية لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فهذه الانواع من الوساطات مذمومة شرعاً لا يجوز للمسلم ان يتلبس بها او يسعى فيها قال تعالى:ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها النساء 85 قال ابن كثير رحمه الله: اي يكون عليه وزر ذلك الامر الذي ترتب على سعيه ونيته 1/456 وقال الامام الشوكاني رحمه الله تعالى: ومن شفع في الشر كمن يسعى بالنميمة والغيبة كان له كفل منها اي نصيب من وزرها، والكفل: الوزر والاثم فتح القدير 1/492 وقال صلى الله عليه وسلم: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله - عز وجل- فقد ضاد الله في امره رواه احمد 2/70 كما انكر المصطفى صلى الله عليه وسلم على اسامة بن زيد لما شفع في شأن المخزومية التي سرقت وتلون وجهه صلوات الله وسلامه عليه ولعل من ابرز صور هذه الشفاعة في مجتمعنا ما يأتي:
1- طالب مجتهد حصل على تقدير مرتفع يحرم من الدخول في كلية يرغبها وتهواها نفسه، بينما طالب آخر اقل منه كفاءةً وتقديراً يتم قبوله بكل سهولة، فانظر لدور الواسطة القت بالمستحق خارج الاسوار وقربت من لا يستحق وجعلته داخل الدار!!!
2- موظف مجتهد في اداء عمله على اكمل وجه، يحافظ على اوقات الدوام ولا يتأخر في تأدية ما انيط به من اعمال يهمش دوره ولا يحصل على ما يستحق من التقدير والترقية، بينما زميله المتلاعب الذي لا يهتم بعمله يتبوأ المنزلة العالية والترقية العاجلة، والسبب ان الاول لا يعرف التزلف ولا يرضى بالنفاق بينما الآخر قمة فيهما فما وافق هوى المدير فهو طريقه الذي لا يحيد عنه، ولذا كثيرا ما تتغير مفاهيمه مع تغير مديره ورئيسه!!!
3- مريض مسكين ينتظر شهوراً حتى يتحصل على موعد مع الطبيب المعالج وعندما يتوسل للمسؤولين بالمستشفى لتقديم موعده يعتذر له بكثرة المراجعين وتزاحمهم، بينما مريض آخر تربطه علاقة باحد رجال الاعمال او احد المسؤولين في المستشفى او له قريب يستفاد منه في دائرة اخرى يجد كل ترحيب ويتحصل على موعد مع نفس الطبيب خلال يوم واحد فسبحان مغير الاحوال!!
4- معلم او معلمة لا يملكان الواسطة الفاعلة يعينان في قرية نائية او مدرسة بعيدة بينما معلم آخر ومعلمة اخرى يتم تعيينهما داخل البلد وفي افضل المدارس واقربها والسبب انهما يملكان الفيتامين القوي المعروف بالواسطة!!!
5- رجل من ذوي الدخل المحدود اصيب بالملل والسأم والتعب والارهاق من كثرة التردد على شركتي الكهرباء والاتصالات لايصال هاتين الخدمتين لمنزله الذي في وسط الحي ومع ذلك لم يفلح بينما الآخر تصله هذه الخدمات مع انه لم يبرح منزله او مكتبه ولكنها الواسطة تقرب البعيد وتيسر العسير!!
6- طالبان اخفقا في اختبارات الدور الثاني ولكن وبقدرة قادر انتقل احدهما للمرحلة التي تليها والآخر اعاد السنة كاملة مع ان الدرجات التي حصل عليها اكثر من زميله ولكن الاول له صلة بالمعلم او مدير المدرسة فسعى بكل ما يملك لانجاحه بعكس زميله المسكين الذي لم يكن له من يسعى لمصلحته!!! عزيزتي الجزيرة: هذه بعض الصور من الوساطة الظالمة التي تحرم المستحق وتعطل اعماله، هذه بعض الصور للشفاعة السيئة المذمومة التي تحرق القلوب وتزيد من القهر والغيظ.
فيا من تتوسطون لاقربائكم ومعارفكم وتمكنوهم من انتزاع حقوق غيرهم، هل تخيلتم وتصورتهم حجم المعاناة والظلم الذي تسببونه لهم؟؟ الا تخشون الله وتخافون منه؟؟ الا تخافون ان يرفع المظلوم مظلمته الى خالقه وبارئه ويدعو عليكم؟؟ ثم الا تعلمون ان دعوته عليكم مستجابة من الله تعالى كما قال صلوات الله وسلامه عليه: اتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب رواه البخاري ومسلم وقال ايضاً: ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر، والامام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها ابواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين رواه احمد والترمذي وابن ماجه.
وقال ابو العتاهية:
اما والله ان الظلم لؤم
ومازال المسيء هو الظلوم
الى ديان يوم الدين نمضي
وعند الله تجتمع الخصوم
ستعلم في الحساب اذا التقينا
غداً عند الإله من الملوم
وقال الآخر:
حنانيك لا تظلم فانك ميت
وبالبعث عما قد توليت تسأل
وتوقف للمظلوم يأخذ حقه
فيأخذ يوم العرض ما كنت تعمل
ويأخذ من وزر لمن قد ظلمته
فيوضع فوق الظهر منك ويجعل
فيأخذ منك الله مظلمة الذي
ظلمت سريعاً عاجلاً لا يؤجل
فيا اخي الحبيب: هل تسمح لنفسك ان تظلم غيرك بريال واحد؟ اذن فكيف تسمح لها بالقضاء على مستقبل شاب ناجح؟ كيف تسمح لها بحرمانه من الاف الريالات بل ومئاتها؟ اتمنى منك ان تراقب ربك قبل ان ترفع سماعة الهاتف او تمسك بالقلم لتفسح الطريق لمن لا يستحق وتغلقه في وجه من يستحق فانت ايها الحبيب بحاجة ماسة لربك ورحمته وفي غنى عن معصيته او الحاق الضرر بخلقه بارك الله فيك وسدد على طريق الحق خطاك.
2- القسم الثاني: شفاعة حسنة ومحمودة يثاب فاعلها ومن سعى فيها، وهي الشفاعة او الوساطة في الخير والحق كمن يتوسط لمن عليه دين بأن يسقط او يخفف او يؤجل سداده، او يتوسط لشخص بعمل مناسب يستحقه، او يتوسط لمريض بأن يعالج في مراكز صحية متقدمة، او يوصي بإنهاء معاملته حسب الضوابط الشرعية، او نحو ذلك مما فيه اعانة ومساعدة للغير دون الحاق الضرر بالآخرين قال تعالى: من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها النساء 85 قال ابن كثير رحمه الله اي من يسعى في امر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك 1/456 وقال صلى الله عليه وسلم: اشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما احب رواه مسلم 4/2026.
وجاء رجل الى الحسن بن سهل يستشفع في حاجة فقضاها فاقبل الرجل يشكره فقال له الحسن بن سهل: علام تشكرنا ونحن نرى ان للجاه زكاة كما ان للمال زكاة، ثم انشد يقول:
فرضت علي زكاة ما ملكت يدي
وزكاة جاهي ان اعين واشفعا
فاذا ملكت فجد فان لم تستطع
فاجهد بوسعك كله ان تنفعا
وقال ابو العتاهية:
اقض الحوائج ما استطعت
وكن لهم اخيك فارج
فلخير ايام الفتى
يوم قضى فيه الحوائج
ايها الاحباب: هذه دعوة صادقة عبر عزيزتي الجزيرة لان نحرص جميعاً على الشفاعة الحسنة، ونبذل كل ما نملك في سبيلها، وان نبتعد عن كل وساطة سيئة فيها معصية لله تعالى او ظلم لخلقه, والله الموفق والهادي الى سواء السبيل.
أحمد بن محمد البدر
الزلفي

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
فنون تشكيلية
مقالات
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
منوعــات
ملحـق القصيــم
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تغطيات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved