Thursday 23rd September, 1999 G No. 9856جريدة الجزيرة الخميس 13 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9856


لم يكن للملك عبدالعزيز في ذلك الوقت حديث إلا عن محنة الأمة العربية ومؤامرة التقسيم
المعركة الكبرى نقلت المجتمع من الهودج إلى الداكوتا
إعداد: سلمان بن سالم الجمل

أرض المعجزات، هذا العنوان الذي اختارته د, عائشة عبدالرحمن بنت الشاطىء بعد ان طافت ربوع الجزيرة العربية، والمملكة الحديثة التي أسسها الملك عبدالعزيز فرأت هذه الأرض المعجزة في حياة العرب الأوائل، ومعجزة الإسلام في تحويلهم الى خير أمة أخرجت للناس، ومعجزة عبدالعزيز الذي وحد أطرافها في مملكة واحدة, ونقل إنسانها العربي الأصيل الى واقع عصري حضاري مع حفاظه على عروبته واسلامه, إنه حقا عبدالعزيز وانها حقا أرض المعجزات.
اختار أساتذة جامعة القاهرة زيارة المملكة لأداء العمرة وذلك في عام 1951م/1370ه وكان من ضمن الوفد د, عائشة عبدالرحمن بنت الشاطىء والأستاذ أمين الخولي.
ضيوف جلالته
من مكارم الملك عبدالعزيز عنايته بزوار بلاده، لاسيما من أبناء العروبة ومن مصر العزيزة، ومن رجال العلم والأدب، إذ بعث اليهم حال قدومهم جدة برسالة ترحيب يعرب فيها أنهم ضيوف جلالته يرحمه الله, وجعل لهم مرافقين من رجال المراسم الملكية، وأسكنهم في دار الضيافة في مكة لفترة أدائهم العمرة ثم في القصر الملكي في جدة حيث كان الأمير عبدالله الفيصل في استقبالهم فطابت لهم جلسته وطاب الحوار السخي في الأدب العربي والفكر الاسلامي كما عبرت بذلك د, بنت الشاطىء, ودعمهم الأمير الأديب عبدالله الفيصل قائلا: أنتم في داركم بين أهليكم, لا نضع لكم برنامج الرحلة بل حسبكم ان تختاروا لها ما شئتم ونحن في خدمتكم , وهكذا جاب الوفد ربوع المملكة إذ طاروا من مكة الى الظهران والاحساء والقطيف ثم الرياض عرين أسد الجزيرة.
لقاء في عرين أسد الجزيرة
وفي الرياض التقى الوفد بالملك عبدالعزيز يرحمه الله في قصر المربع تذكر د, بنت الشاطىء عن هذا اللقاء العظيم:
في الرياض كان لقاؤنا بجلالة الملك العاهل عبدالعزيز آل سعود, وفي مجلسه الحافل بالمربع، لم يكن لجلالته حديث إلا عن محنة الأمة بمؤامرة التقسيم، والوجود الاسرائيلي المغتصب في قلب وطننا, ومد بصره الى الأفق الشمالي يستوعب أبعاد النكبة في رؤية ثاقبة، ويحس بحدس فراسته نذر اجتياح الوباء الخبيث لما وراء حدود التقسيم المشؤوم وايغاله في صميم وجودنا وكياننا وتهدج صوت العاهل الشيوخ، إذ يتساءل في حيرة وأسى: متى تحتشد الأمة للجهاد، عسى ان يبذل حياته وابناءه فدية لشرف أمتنا؟ وأراه لم يملك دمعه، وهو يتمنى على الله سبحانه، لو أنه أعفاه بالموت من شهود الكارثة، ورحمه من وطأة المعاناة الباهظة لأصر التخاذل وذل العار,, .
هاهو عبدالعزيز همه هم أمته، لم يكن لجلالته حديث إلا عن مؤامرة تقسيم فلسطين، والوجود الاسرائيلي فيها، وحدسه وفراسته بانتشار الداء الخبيث لما وراء حدود التقسيم، وهذا ما تم بالفعل في نكسة 1967م بعد ست عشرة عاما من لقائه بالوفد, وتصور لنا بنت الشاطىء حالة الملك عبدالعزيز عند حديثه عن آلام أمته تعبيرا صادقا اذ تهدج صوت العاهل الشيوخ، ورغبته في وحدة الأمة والجهاد إذ سيبذل ابناءه فدية لشرف الأمة,, وإذ لم يملك دمعه وهو يتمنى ان لو أعفاه الله بالموت من شهود كارثة احتلال فلسطين، هذه المشاعر الصادقة التي يكنها عبدالعزيز لأمته وقضاياها.
أميرة الصحراء
تذكر بنت الشاطىء:ودعنا جلالة العاهل الشيوخ، وفي النفس هم وشجن, لم يلطف منها ما حظينا به من كرم اللقاء، وما خصني به جلالته من رعاية، إذ يلقبني أميرة الصحراء .
من سمو خلق الملك عبدالعزيز ملاطفته لضيوفه، واضفاء روح الأمل رغم ما يحمله بين جنبيه من هم الأمة, رحمك الله يا عبدالعزيز.
حال الجزيرة العربية
ماذا كتبت بنت الشاطىء عن حال الجزيرة العربية عبر قرون بعيدة: تقول:
مرت عليها القرون وهي قاحلة مجدبة، رهيبة مرهوبة، يحوم حولها الخيال، ثم يرتد عنها فزعا مذعورا، لا يكاد يميز بين صغير الريح وعواء الوحش وعزيف الجان,, وامتلأت الجزيرة بأساطير تحكي ما يلقاه الضاربون في نجد والدهناء والربع الخالي من أفاعيل الجن وألاعيب الغيلان فزادت رهبة القفر الموحش، يتقيه السارون إلا ان تدعفهم الى ركوب مخاطره ضرورات العيش,, وبقيت وراء هذه الأطراف المعمورة والمنازل المأهولة والحواضر من القرى، في عزلتها المرهوبة، لا تجتازها القوافل في رحلاتها الى الحج والتجارة، إلا بحماية من البدو سادة الصحراء ومع آدلاء منهم يعرفون مجاهل الدروب في القفر الموحش .
لكن بادية الجزيرة هي التي أعطت بعد ذلك الأجيال من العرب سليقتها اللغوية النقية، وبيانها الذي طوعته للتعبير عن وجدانها ومنطقها ورؤاها .
وراء الأسوار
تذكر د, بنت الشاطىء:من عجب ان صحراء الجزيرة العربية مهد العروبة والاسلام بقيت بمعزل عن كل هاتيك الاحداث الجسام، لا يصل اليها من حركة سير الزمان بأمة القرآن، ولا تدري شيئا عما ارتدنا وارتاد غيرنا من جديد الآفاق.
ومضت قرون أربعة عشر وملايين المسلمين يولون وجوههم في صلاتهم حيثما كانوا شطر المسجد الحرام في أم القرى خمس مرات في اليوم، ومئات الألوف منهم يحجون إليه كل موسم,, لكنهم قلما يتجاوزون الحجاز الى نجد فضلا عن ان يوغلوا في أحشاء الدهناء والربع الخالي.
وتستطرد د, بنت الشاطىء في وصف عزلة الجزيرة تقول:بقيت الجزيرة فيما عدا قراها وأطرافها نائية مهجورة، غامضة محجبة، لا تريد ان تتصل بالدنيا,, لقد آثرت العزلة على الاتصال بالحياة، وأقامت صحاريها الواسعة ورمالها التي لا يدركها الطرف، أسوارا منيعة تحمي تقاليدها وأعرافها وأسلوب حياتها، غير مستجيبة لتطور الدنيا ولا مكترثة لسير الزمان, واستعيد هنا كلمة د,ف,بودلي في كتابه الرسول حيث يقول: لو أن أحد العرب القدامى عاد الى تلك البقعة من الجزيرة لما وجد ما يثير دهشته: سيجد العرب في خيامهم السود، والبدو الرحل على ظهور إبلهم، والرعاة يستسقون, سيجد كل شيء في مكانه كما تركه, وملابس الناس كما كانت، ومظهرهم الجسماني لم يتبدل , وتضيف د, بنت الشاطىء: ولقد جرت على العالم من وراء أسوار الجزيرة أحداث جسام غيرت وجه الحياة،ونقلت الناس من عصر البخار الى عصر الكهرباء ثم الى عصر الذرة,, ومن عصر الناقة الى عصر القاطرة، ثم الباخرة، والى الطائرة, والجزيرة في عزلتها الصامدة تتحدى كل تغير .
تلك كانت حال الجزيرة العربية قبل ان يخوض الملك عبدالعزيز معركته الكبرى كما أسمتها د, بنت الشاطىء.
المعركة الكبرى
تذكر د, بنت الشاطىء: في مثل هذه العزلة عن الدنيا والحياة، كان العرب من سكان بادية الجزيرة يعيشون في معقلهم وراء الأسوار، يشهرون السلاح في وجه كل تطور ويدفعون بدعته المنكرة بالسيف.
وكانت تلك هي المعركة الكبرى التي خاضها المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود،عاهل الجزيرة، واسميتها المعركة الكبرى، وإني لأذكر ما يملأ تاريخ العاهل العظيم من معارك جسام,, لكني مع هذا أعد المعركة الكبرى افتتاح اسوار البادية بأجهزة العلم العصرية، لأن الملك عبدالعزيز كان فيها يلقي اخوانه وعشيرته ورعاياه، وما أشق النضال حين يكون ضد أخ وحليف! .
واصغت الجزيرة كلها الى كلمة عاهلها بعد النصر:من اليوم سنحيا حياة جديدة .
كنز الصحراء,, الذهب الأسود
تذكر د, بنت الشاطىء:ورغم عزلة الجزيرة فيما وراء الحجاز مقصد الحجاج,, لم يكن احد يتوقع ان سيجييء يوم يدوي فيها اسمها فيسمع له رنين أقوى من رنين الذهب.
هنالك كشفت الصحراء عن سرها الخطير، وأباحت كنزها لمن دأبوا على البحث عنه عزيمة واصرارا,, وتمت المعجزة في صحراء الجزيرة التي أصغت منذ نحو أربعة عشر قرنا الى آية الوحي الأولى: إقرأ باسم ربك الذي خلق فسبحت باسم الله الذي,, علم الانسان مالم يعلم انتصر العلم وأثمر الجهد هذه المرة، فأذاع البرق في اليوم الثاني من مارس، سنة 1938م نبأ حفر أول بئر منتجة للبترول في الظهران,, ومن ثم بدأ سيل الذهب الأسود ينبثق من جوف الرمال سخيا دافقا لا ينضب .
من الهودج الى الداكوتا
لقد صدق عبدالعزيز من اليوم سنحيا حياة جديدة وهذا ما لمسته د, بنت الشاطىء تقول: ونظرت الى رفاق السفر في الطائرة، فإذا فيهم نفر من البدو قد ركبوا متن الهواء وامتطوا جناح هذا الطير على بساط من الريح وان فيهم من طال عهده بركوب الناقة، وشق أكباد الإبل في مسيرة عبر هذه الفيافي التي ظلت، حتى أمس القريب، مأوى للجن وملعبا للغيلان ومراحا للوحوش، وانثنيت الى بدوية كانت تجلس أمامي مختفية في عباءتها السوداء أسألها: إن كان لها بركوب الطائرة عهد من قبل؟ فأجابت في صوت هامس، حرصت على ألا يبلغ مسمع الرجال الغرباء: بل هذي أول مرة أخرج فيها من نجد، وما عرفت قط غير الإبل مركبا,, هكذا من الناقة الى الطائرة في وثبة واحدة؟ هكذا من الهودج الى صالون داكوتا وبريستول؟ .
أي ثروة؟ وأي انقلاب؟
وتبلغ الدهشة بكاتبتنا أي مبلغ لما رأت من تطور سريع لتقول: أي ثروة وأي انقلاب؟ لقد كانت هذه البيد لا تعرف من المساكن سوى الخيام المتنقلة تقام على العمد والأوتاد، ولا ترى من الطعام والشراب سوى الخبز القديد وماء المطر، ولحم الإبل والشاة، واللبن والتمر,, الثروة الطارئة بثت الحياة في ذلك الخراب، وحولت ذلك التيه المخوف الى ما نرى .
وأقول ان عزم عبدالعزيز نحو حياة جديدة عصرية وبناء البلاد والانسان مع ما يتوافق مع العصر ومع الحفاظ على أصالة الانسان السعودي عقيدة وعروبة.
د, بنت الشاطىء شاهدة على التطور
وتعود د, بنت الشاطىء بعد احدى وعشرين عاما 1392ه حاجة تكون في ضيافة الملك فيصل بن عبدالعزيز، فماذا تقول:
ولعل أول ما خطر لي وأنا أتلقى هذه الرعاية الكريمة، وهو هم التصرف في توزيع ما حملت معي عبر قارات ثلاث من زاد الخبز القديد والإدام الجاف!! , وتقول:شهدت الموسم مع مليون وخمسين ألف حاج وسعتهم الأرض المباركة حيث يقضون معا مناسك حجهم,, وان أكبر عواصم العالم لتضيق ببضعة ألوف من السائحين ان طرأوا عليها في وقت واحد، ويعيها أن تدبر لهم المنزل والطعام ووسائل الانتقال , وتضيف:مدينة العصر قد غزت الوادي الأجرد غير ذي الزرع, وأسراب الطائرات والسيارات قد حلت بديلا عن النوق والجمال, والكهرباء قد حلت بديلا عن الحطب,, والرخام يرصف ساحة البيت العتيق وطريق المسعى، مكان الحصا والرمل، والمباني العصرية تقوم في موضع الخيام والدور البدوية البسيطة الساذجة,, ولا شيء من هذا كله يمس روح المكان,, والكعبة تستبدل كل عام كسوة جديدة بأخرى قبلها,, وتبقى حقيقتها بمنأى عن طوارىء التغيير والتبديل,, والأماكن غيرها، تتغير وتتبدل، فيطمس جديدها معالم القديم، ويدك عمرانها المحدث أطلال العتيق، فلو أن احدا من أهلها غاب عنها بضع عشرات سنين ثم عاد اليها، لأنكرها وأنكرته وأعوزه فيها ترجمان ودليل .
تعليم البنات
وقبل الوداع ترى د, بنت الشاطىء ما وصلت اليه المرأة السعودية وما وصل اليه تعليم البنات من تطور، أثر تلقيها دعوة لزيارة جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، تقول:ولما دنا الرحيل، رحبت بدعوة لزيارة جامعة الملك عبدالعزيز بجدة لاستشهد ثمار البذور الطيبة التي ألقاها العاهل الكبير طيب الله ثراه، وتركها لولده الفيصل وتعهدها بالري والزاد، حتى تؤتي أكلها الطيب، وترك معها أمله في تعليم البنات، حين لم يحتمل جيله وعصره، مجرد المناقشة في هذه القضية التي كانت تبدو ميئوسا منها، من حيث وضعت في نطاق الحرام! وكنت أتابع من بعيد كتائب شباب الجزيرة تخرج من أعماق البادية الى آفاق العلم والمعرفة، لكني ما توقعت قط ان يكفي جيل واحد، لتخرج بنات الجزيرة من متاهة الأمية الى رحاب الجامعة.
مضى جيل فحسب، وفتحت لبنات الجزيرة أبواب التعليم الموصدة واجتزن المراحل في أمان، الى التعليم الجامعي,, ومدارس البنات المنبثة في أنحاء الجزيرة، باديتها وحاضرتها، تستقبل في كل عام مع أفواج التلميذات، فوجا من المؤهلات للتدريس، يقدن بنات جيل الغد .
نعم يا بنت الشاطىء المسلمة الغيورة لقد انصفت حين كتبت عن واقع الجزيرة قبل توحيدها، وحين كتبت عن المعركة الكبرى لأجل التحديث، وتعودين مرة أخرى لتشهدي التطور السريع في غضون سنوات قليلة بمقياس تطور العصر، ولو قيض الله لك الكتابة عما نعيشه الآن من تطور في مختلف الميادين في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز يحفظه الله وولي عهده الأمين, فماذا عساك ان تكتبي، إنها حقا أرض المعجزات، وهي الأرض التي منحتك قبل رحيلك جائزة الملك فيصل العالمية في الأدب العربي عام 1414ه/1994م.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
ملحق الدوادمي
الاقتصـــادية
ملحق جازان
الرياضية
العالم اليوم
اليوم الوطني
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved