Friday 24th September, 1999 G No. 9857جريدة الجزيرة الجمعة 14 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9857


أمين الريحاني يصف الملك عبدالعزيز عند لقائه لأول مرة
العدل أساس ملك المؤسس والأمن أول مظاهره والكرم ديدنه

* إعداد: سلمان بن سالم الجمل
الأديب العربي أمين الريحاني لبناني من بلدة الفريكة، زار البلاد العربية بعد ما وجد في نفسه رغبة في توحيدها وقد أبدى هذه الرغبة لملوك العرب الذين قابلهم، وأرخ في كتابه ملوك العرب، والذي يضم باباً عن الملك عبدالعزيز كتبه إبان إقامته في الرياض في قصر المربع حيث أنعم عليه الملك عبدالعزيز بحسن الضيافة وجميل المودة، وكان الملك عبدالعزيز يراجع معه كل ليلة ما يكتب حتى خرج بما كتبه عن الملك عبدالعزيز وبكتاب آخر بعنوان تاريخ نجد الحديث ، وغادر الريحاني الرياض وبين جنبيه حب خالص لسلطان نجد هذا العربي الأصيل، الذي وجد فيه الريحاني مالم يجده في ملوك العرب الذين قابلهم من صفات ومناقب، وقيادة فذة، ويجد ذلك الإعجاب كل من يقرأ سفري الريحان القيمين ملوك العرب و تاريخ نجد الحديث يجد الكلمات تتهادى بأسلوب بليغ صادق.
لقد كانت نفس الريحاني تتوق للقاء الملك عبدالعزيز، وزيارة نجد هذه البلاد العربية العتيقة، ورؤية مابسطه الملك عبدالعزيز من أمن وعدل في فيافي ومفازات عظيمة، تعتبر مضرب المثل على ما حققه هذا القائد العظيم.
لقد أشار الاديب الريحاني الى ما واجهه من عقبات في الوصول الى نجد وأن رغبته تزداد شدة لزيارة رجل نجد الكبير كلما تعددت وحالت دونها العقبات حتى أنه بعد خروجه من الحجاز ركب البحر الى بومباي ومن ثم الى بغداد التي عدل خط سيره إليها حيث كان يرغب في زيارة نجد قبلها ولكن وفي بومباي أبرق للملك رغبته في لقائه وزيارة نجد، وعندما مر بالبحرين زاد شوقه لنجد وسلطانها يقول: حتى إذا مررت بالبحرين في سفري الى العراق أتشرف بعلم يتوقف عليه خطي في الرحيل ويقول:وما كان حديثي في تلك الأيام ليخلو من سؤال عن نجد وسلطان نجد ويقول:وصلت العراق وقلبي يحدثني بنجد لقد سئم الريحاني الإقامة في بغداد بعد الوعود وبعد مرضه فيها بالحمى ثلاث مرات، وبعد أن وعده المندوب السامي البريطاني بالسفر بصحبته، وأخيراً كانت الحكمة العملية شرعتي إذاً ودليلي فهي التي حملتني على السفر وحدي الى ابن سعود , ويقول:لقد حاول بعض أصحابي في البصرة أن يحولوني عن عزمي وقصدي، قالوا إني لااقوى على مشقات الأسفار في البلاد النجدية، وفي تلك البلاد الغنية بالمفازات والرمال, جسموا في عيني المخاطر في ركوب البعير، وفي الدهناء وفي البدو والإخوان .
وأمام ما واجهه الريحاني من عقبات كادت تحول بينه وبين نجد وسلطانها، يأتي الأمل مع السيد هاشم الرفاعي الذي بلغه: ان عظمة السلطان يعرفكم مما يطالعه عنكم في الجرائد التي تصل إليه كل أسبوع وهو يتشوق الى مشاهدتكم وينتظركم في الحساء , نعم السلطان عبدالعزيز يحب الاجتماع بكل أديب عربي مخلص لبلاده, يقول الريحاني: وقعت هذه الكلمات في أذني وقع الأنغام المطربة, ولكنت قبلت السيد هاشم بين عينيه لو أن الرسميات التي ألفتها في البلاد العربية تسمح بذلك,, إلا أن القلب رقص طرباً .
واثر وصول الريحاني البحرين لقي من وكيل الملك عبدالعزيز في البحرين كل ترحاب وتكريم وفادة، يقول: ليست البحرين من بلاد نجد على أن ضيافة ابن سعود ومكارمه تبادر الزائر إليها لترحب به، وتحييه باسم سيد العرب في بلاد العرب, جاءني القصيبي بكسوة وبخياط .
وهنا يذكر أمين الريحاني ماقيل عن الملك عبدالعزيز في الحديدة وعدن وفي دار الوكالة البريطانية في بغداد: ابن سعود رجل كبير، هو نابغة بلاده، هو السياسي المحنك والقائد الباسل، والحاكم العادل، هو أكبر أمراء العرب اليوم وأقواهم,, رجل عظيم رجل نجد,, هو ابن البادية التي ينبغ فيها من حين إلى حين كبار الرجال، فيظهرون فجأة ويسودون الناس بالعقل قبل أن يسودوهم بالسيف .
وحينما وصل الريحاني كتاب الملك عبدالعزيز قال: إن الرجل لايتكلف اللطف والتواضع لأنهما من خلاله الفطرية,, هكذا قرأ الريحاني من كتاب عبدالعزيز إليه نموذجا من صفات القائد الفطرية اللطف والتواضع.
اللقاء الأول
وفي العقير كان لقاء الريحاني بالملك عبدالعزيز فكيف يكون لقاء المشتاق، ليس أبلغ من أن يصف ذلك الريحاني بنفسه فيقول:
وكانت المشاهدة الأولى على الرمل، تحت السماء والنجوم، وفي نور النيران المتقدة حولنا، ألفيته رجلاً لايمتاز ظاهراً بغير طوله، وكان يلبس ثوباً أبيض، وعباءة بنية، وعقالا مقصباً في كوفية من القطن حمراء, أين أبهة الملوك وفخفخة السلطان؟ إنك لاتجدها في نجد وسلطانها وإن أول مايملكه منه ابتسامة هي مغناطيس القلوب,, .
وماذا كان انطباع الأديب أمين الريحاني عن أول لقاء مع الملك عبدالعزيز بعد أن قابل أمراء العرب، فما مكانته بينهم، يقول:
هاقد قابلت أمراء العرب كلهم فما وجدت فيهم اكبر من هذا الرجل, لست مجازفا أو مبالغاً فيما أقول: فهو حقاً كبير: كبير في مصافحته، وفي ابتسامته، وفي كلامه، وفي نظراته، وفي ضربه الأرض بعصاه, يفصح في أول جلسة عن فكره ولايخشى أحداً من الناس بل يفشي سره، وما أشرف السر، سر رجل يعرف نفسه، ويثق بعد الله بنفسه, حنا العرب , ان الرجل فيه أكبر من السلطان وقد ساد قومه ولاشك بالمكارم لابالألقاب, جئت ابن سعود والقلب فارغ من البغض ومن الحب كما قلت له، فلا رأي الإنكليز ولا رأي الحجاز، ولاالثناء ولا المطاعن أثرت في, وهاقد ملأ القلب، ملأه حباً في أول جلسة جلسناها على أن الحب قد لايكون مقروناً بالإعجاب,, إني سعيد لأني زرت ابن سعود بعد أن زرتهم كلهم, هو حقاً مسك الختام .
صفات الملك عبدالعزيز
صفات الملك عبدالعزيز كما رآها الريحاني: السلطان عبدالعزيز فصيح اللسان، سريع الخاطر، لطيف الجواب,, السلطان عبدالعزيز طويل القامة مفتول الساعد، شديد العصب، متناسق الأعضاء، اسمر اللون، أسود الشعر، ذو لحية خفيفة مستديرة, له من السنين سبع وأربعون وله في التاريخ- تاريخ نجد الحديث- مجد إذا قيس بالأعوام يتجاوز السبعة والأربعين والمائة يلبس في الصيف أثواباً من الكتان بيضاء وفي الشتاء قنابيز من الجوخ تحت عباءة بنية, وهو ينتعل ويتطيب، ويحمل عصا من الشوحط طويلة يستعين بها على الإفصاح عن آرائه, على تشكيل كلماته، إذا صحت الاستعارة وتمكينها, إن له في الحديث غيرها من الأعوان, له أنامل طويلة لدنة يشير بها في مواقف البلاغة وله عينان عسليتان تنيران أماكن العطف واللطف ساعة الرضا وتضرمان في كلامه ساعة الغيظ نار الغضى، وله فم هو كورق الورد في الحالة الأولى، وله الحالة الثانية كالحديد, يتقلص فيشتد، فهو إذ ذاك كالنصل حداً ومضاءً, أجل إن ابن سعود ليتغير ساعة الغضب كل التغير, فيذهب العطف من ناظريه، ولون الورد من شفتيه, ثم في افتراره يستحيل النور ناراً بيضاء فهو إذ ذاك رهيب,, إن في الرجل ضميراً حياً كحلمه وسرعة خاطر تقارن التيقظ في ذهنه يبدد بكلمة غيوم الانقباض في مجلسه, ويجلو أفقاً قد يكون الاضطراب فيه من كلامه, وهو خفيف الروح، حلو النكتة، لطيف التهكم, السلطان عبدالعزيز مثل كل أعرابي ينام على الفراش والسجادة ويضعهما تحته على الكور في السفر، وهو لايحمل شيئا في جيبه، لاساعة ولاقلما ولاذهبا ولافضة.
ربما لايكون في ثيابه جيوب البتة, إلا انه يحمل ساعة في خرج عند السفر, ويضعها تحت الوسادة عندما يقيم في مكان, يحملها في الصندوق المخملي الذي جاءت فيه من المعمل, ويحمل كذلك ناظوراً كبيراً لاغنى عنه, فهو دائما يراقب من مجلسه حركات رجاله وخدامه، حتى أنه لا تمر غيمة في الأفق إلا رفع اليها الناظور متيقنا متثبتا -أمرنا مشكل ياحضرة الأستاذ, علينا الكبيرة والصغيرة, فإذا كنا لانداوم المراقبة لانكون عالمين بكل مايتعلق بشؤونها,,, العبد والأمير، عيننا على الاثنين حتى ننصف دائما الاثنين ونعدل بينهما- كثيراً ما يقف السلطان عبدالعزيز في حديث مهم لينظر في أمر ظاهره طفيف، ثم يدخل عليه أحد الخدم أو الكتاب فيقطع عليه الحديث ثانية فينظر في الأمر الآخر، ثم يعود -وهذا ما كان يدهشني- الى الكلمة الأخيرة من حديثه دون أن يسأل كما هي العادة في مثل هذه الحال عند أكثر الناس: ماذا كنت أقول؟ لا ما سمعته مرة، وكانت أحاديثنا معرضة دائما للتقطيع، يسأل هذا السؤال, فهو شديد الحافظة ومتيقظ دائما, عليه الصغيرة والكبيرة يقينا, وله اليد الصالحة المصلحة في الاثنين .
ويضيف الريحاني:
مهما قيل في ابن سعود فهو رجل قبل كل شيء, رجل كبير القلب والنفس والوجدان, عربي تجسمت فيه فضائل العرب الى حد يندر في غير الملوك الذين زينت آثارهم شعرنا وتاريخنا، وتجسمت فيه كذلك آفاتهم مالايحاول أن يخفيه، رجل صافي الذهن والوجدان خلو من الادعاء والتصلف، خلو من التظاهر الكاذب .
العدل أساس الملك
ترى ماذا سمع الريحاني عن عدل الملك عبدالعزيز، وماذا وجد عندما زار البلاد، لقد سمع في البر والبحر عن عدل ابن سعود وعن الأمن الذي بسط على ربوع الجزيرة الشاسعة، يقول الريحاني:
عدل ابن سعود! كلمة تسمعها في البحر وفي البر وفي طريقك إلى نجد قبل أن تصل إليها, كلمة يرددها الركبان في كل مكان يحكمه سلطان نجد، من الأحساء الى تهامة، ومن الربع الخالي الى الجوف- وما عدل ابن سعود غير الشرع- غير عدل النبي,, إذا كان العدل أساس الملك فالأمن أول مظهر من مظاهر العدل.
وفي نجد اليوم من الأمن مالا تجده في بلادنا أو في بلاد متمدنة,,, وفي القوافل التي تسير أربعين يوماً في ملك ابن سعود من طرف الى طرف من القطيف مثلاً الى أبها، ومن وادي الدواسر الى وادي السرحان دون أن يتعرض لها أحد من البدو أو الحضر دون أن تسأل من أين والى أين , ويضيف:
ترى نجد اليوم عزيزة بعبدالعزيز، تستمتع بأمن منقطع النظير في كل البلاد العربية، وبعدل كبير شامل يحمل السيف والقسطاس، وبخير فوق ذلك لاتنفد موارده .
الملك عبدالعزيز والشعر
أعجب الريحاني بما رآه مخطوطاً من شعر عربي على جنبات قصر الملك عبدالعزيز، وأعجب أكثر بذائقة الملك عبدالعزيز الشعرية، واطلاعه على الشعر العربي الأصيل يقول الريحاني: وفي القصر بالرياض فوق الأبواب وفي رواق المجلس العام، كتبت على الحائط بالحبر الأسود بخط رديء أبيات من الشعر منها:
إذا خانك الأدنى الذي أنت حزبه
فواعجبا إن سالمتك الأباعد
أما في نجد، في البادية والحضر، فلا غرو إذا تمثل الناس بقول الشاعر الذي رفعه السلطان عبدالعزيز الى أرفع مقام عنده، فأمر بكتابة كلماته فوق بابه:
فإما حياة لاتذم حميدة
يحدث عنها من أغر وانجدا
تنال المنى فيها، واما منية
تريح فؤادا خار من علة الصدا
قرأت مرة في حضرة السلطان ماكتب فوق بابه:
نبني كما كانت اوائلنا
تبني ونفعل مثلما فعلوا
فقاطعني عظمته قائلاً: نحن نبني ياحضرة الأستاذ كما كانت تبني أوائلنا, ولكننا نفعل فوق مافعلوا, فقلت أحسنت ياطويل العمر أحسنت, اصلحوا البيت إذاً حتى إذا قرأ كل من تشرف المثول لديكم:
نبني كما كانت أوائلنا
تبني ونفعل فوق مافعلوا
كرم الملك عبدالعزيز
يذكر أمين الريحاني: لقد شاهدت معرض العطاء في الرياض،بل كنت أشاهد كل يوم مدة إقامتي هناك، وأعجب جداً لكرم هذا الرجل بل إيمانه وثقته بالله، مصدر الخير غير المتناهي، وولي النعم التي لاتزول, وإلا فكيف يؤمل بدوام حال تمكنه من العطاء في بلاد بلا ثروة لها ثابتة دائمة؟ .
ويستطرد الريحاني في ذكر كرم الملك عبدالعزيز بما يمنحه من أعطيات لمئات يقصدون الرياض مستعطين ولي النعم فيها ومنهم من يعود إلى أهله ومعه الكسوة والمال حمل أو حملان من التمر والسمن والأرز والسكر والبن من البلاد ومن غيرها,, كلهم يؤمون الرياض لعلمهم أن فيها رجلاً من كبار العرب اليوم بل اكبرهم، يؤمونها إما حباً وإجلالاً، وإما خوفاً واستعطافا، وإما ابتغاء مساعدة مادية أو سياسية وقلما يعود أحد من عاصمة نجد خائب الأمل,, وفي الرياض جيش يتراوح عدده بين الألف والألفين يأكلون في القصر مرتين كل يوم الظهر والمساء، وفيها أيضا مائة أسرة أو مايزيد,, رأيت العربان والاخوان ينتظرون في الرواق وشلهوب جالس وراء منضدته يعد الروبيان وأعوانه في المخازن حوله يوزعون الثياب,,, وكنت أرى كل يوم قبل غروب الشمس ليس في ساحة القصر بل وراءه، عند باب المطبخ جمعاً آخر محتشداً هناك، جمعاً كبيراً من البدو المخيمين خارج المدينة,, كلهم جاؤوا في هذه الساعة وبأيديهم أوان من الخشب أو النحاس أو الفخار ينتظرون شيئا من الطبخ,,, هذا كرم من لايخشى الفقر رغم قلة ذات اليد، رحمك الله ياعبدالعزيز على ماقدمت لنا من مفاخر ترفع رؤوسنا في عالم اليوم، وشكراً لك ياريحان الأدب على مانقلت لنا من حروف خالدة.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
محاضرة
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
اليوم الوطني
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved