كانت مرحلة الستينات والسبعينات واوائل الثمانينات الميلادية هي المرحلة الاغزر في البعثات التعليمية الى الخارج في جميع المجالات والتخصصات وكان يندر ان يوجد بيت في السعودية لا يملك طالبا او اكثر قد ابتعث للخارج هذا اذا لم يكن افراد الاسرة جميعهم قد سافروا في اجيال متلاحقة الى بلدان تمتلك التفوق العلمي والتقني وحضارات تمتلك من النظم الادارية والتعليمية والاقتصادية ما يؤهلها لقيادة العالم.
واخذت تلك الوفود الكثيرة من البعثات تعود الى ارض الوطن بعد ان اشتبكت بتلك الحضارات بشكل يومي ومتتابع عن طريق جامعاتها ومعاهدها واساليبها في التعاطي مع الحياة المدنية.
وقد كونت تلك الوفود طبقة كبيرة من (التكنوقراط) الذين اعدوا وتأهلوا بصورة تمكنهم من التأثير في مجتمعاتهم وقيادتها باتجاه القرن الجديد، او ما يسمى بعربة التاريخ.
ولكن المتأمل لكثير من نظم الحياة القائمة من حولنا، سواء على مستوى الأفراد او الجماعات، يوجد ان جماعة (التكنوقراط) تلك والتي كان المجتمع يعول عليها الكثير بغرض التخلص من سلبيات التخلف الحضاري بما تهيأ لها من اساليب وسبل حديثة متقدمة سواء على المستوى النظري او العملي غير واضحة الفعالية.
فمعظم الأنظمة الادارية لدينا ما برحت ترزح تحت عبء الروتين والبيروقراطية القاتلة والتي يحاول البعض ان يجد لها مخرجا من خلال الواسطة او التحايل على القانون.
وعلى مستوى التعليم لم تعد تتوازى الطاقة الاستيعابية للمؤسسات التعليمية للكثافة السكانية الآخذة في التزايد يوما اثر الآخر وما مشكلات القبول والتسجيل في الجامعة الا احد جوانب هذه القضية التي لم تتدخل فيها الدراسات المبنية على خطط طويلة الامد.
اما الصحة فإن جلوس مدة ساعتين فقط في اسعاف احد المستشفيات الحكومية سيعطي الصورة كاملة على ان ما هو قائم اليوم لا يقدم الخدمة الافضل او الامثل او حتى المتوسطة، تلك التي تليق بالاطار الاقتصادي الذي يؤطر هذه البلاد.
والسؤال هنا أين ذهبت تلك الوفود، اين اثرها الواضح وفعاليتها,؟ ام ان القوى الاجتماعية ذات الانماط المتخلفة استطاعت ان تمتص ذلك الحماس والتوهج والرغبة في التغيير الذي كان يحمله كل خريج قادم من الخارج.
عندها قبل ذلك المبتعث أن يحارب من مواقعه الخلفية اشباحا موجودة واشباحا غير موجودة.
ولكن على الغالب ورضي جمع غفير منهم (من الغنيمة بالإياب) ولجأ الى حلوله الشخصية وهمومه الخاصة البعيدة عن المجموع.
أميمة الخميس