Saturday 30th October, 1999 G No. 9893جريدة الجزيرة السبت 21 ,رجب 1420 العدد 9893


الأندلس وفضائح الأقزام
أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري

أعني بالأقزام أمراء التجزئة، وفي التاريخ تسامح إذ سماهم ملوكاً,, وما هم بملوك ولا كرامة، بل هم أمراء مدن وأقاليم على أشلاء دولة إسلامية قائمة حتى تصيدهم الفونسو وذريته تصيد العصافير، وإنما الملوك من أقاموا الدولة الإسلامية إما على أنقاض الكفر كبني أمية في الأندلس، أو على أنقاض التجزئة والجهل والبدعة والخرافة كآل سعود في جزيرة العرب.
وللإمام أبي محمد ابن حزم كتاب عن فضائح البربر لم يصل إلينا، ولا ريب أنه سيتعرض لمآسيهم على وحدة المسلمين في الأندلس منذ ثورتهم التي عايشها أبو محمد، لا استبعد تناوله لمن أدركهم من بني ذي النون البربريين الذين هم أول ثلم على الإسلام وأهله بالأندلس,, وقد شرق رحمه الله بالأقزام؛ فقال في رسالة التلخيص لوجوه التخليص: وأما ما سألتم عنه من أمر هذه الفتنة، وملابسة الناس بهامع ما ظهر من تربص بعضهم ببعض : فهذا أمر امتحنا به نسأل الله السلامة، وهي فتنة سوء أهلكت الأديان إلا من وقى الله تعالى من وجوه كثيرة يطول لها الخطاب,, وعمدة ذلك أن كل مدبر مدينة أو حصن في شيء من أندلسنا هذه أولها عن آخرها : محارب الله تعالى ورسوله، وساع في الأرض بفساد,, والذي ترونه عياناً من شنهم الغارات على أموال المسلمين من الرعية التي تكون في ملك من ضارهم، وإباحتهم لجندهم قطع الطريق على الجهة التي يقضون على أهلها,.
ضاربون للمكوس والجزية على رقاب المسلمين، مسلطون لليهود على قوارع طرق المسلمين في أخذ الجزية والضريبة من أهل الإسلام، معتذرون بضرورة لا تبيح ما حرم الله,, غرضهم فيها استدامة نفاذ أمرهم ونهيهم؛ فلا تغالطوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزينون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم .
ويقول رحمه الله: وأما الباب الثاني فهو باب قبول المتشابه، وهو في غير زماننا هذا باب جديد لا يُؤثَّم صاحبه، ولا يؤجر، وليس على الناس أن يبحثوا عن أصول ما يحتاجون إليه في أقواتهم ومكاسبهم؛ إذ كان الأغلب هو الحلال، وكان الحرام مغموراً,, وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه: إنما هو باب اغلق عينيك، واضرب بيديك، ولك ما تخرجه إما تمرة وإما جمرة,, وإنما فرقتُ بين زماننا هذا والزمان الذي قبله؛ لأن الغارات في أيام الهدنة لم تكن غالبة ظاهرة كما هي اليوم,, والمغارم التي كان يقبضها السلاطين فإنما كانت على الأرضين خاصة؛ فكانت تقرب مما فرض عُمر رضي الله عنه على الأرض,, وأما اليوم فإنما هي جزية على رؤوس المسلمين يسمونها بالقطيعة، ويؤدونها مشاهرة، وضريبة على أموالهم من الغنم والبقر والدواب والنحل,, تُرسم على كل رأس وعلى كل خلية,, شيء ما، وقبالات ما تؤدي على كل ما يباع في الأسواق، وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين في بعض البلاد,, هذا كله ما يقبضه المتغلبون اليوم، وهذا هو هتك الأستار، ونقض شرائع الإسلام، وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي من الله عز وجل .
ثم يقول بفورة غضب من أجل الله سبحانه:والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها؛ فنحن نراهم يستمدون النصارى؛ فيمكنونهم من حُرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم,, يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحشرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً؛ فأخلوها من الإسلام، وعمروها بالنواقيس,, لعن الله جميعهم، وسلط عليهم سيفاً من سيوفه , ومن سخفهم أنه كل خصي أو صقلبي أو بربري ملك مدينة أو حصناً يتسمى بالخليفة أمير المؤمنين,, قال أبو الحسن بن رشيق:
مما يزهِّدني في أرض أندلسٍ
أسماء معتمدٍ فيها ومعتضدٍ
ألقابُ مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ
وقال آخر:
وتفرقوا شيعاً فكل محلة
فيها أميرُ المؤمنين ومنبرُ
وقال أبو الحسن بن الجد:
أرى الملوك أصابتهم بأندلس
دوائرُ السوء لا تُبقي ولا تذرُ
ولما حضر الشاعر ابن مقانا الأشبوني أمام إدريس بن يحيى الحمودي- الذي سموه خليفة!!، وأنشده قصيدته النونية التي مطلعها:
وكأن الشمس لمّا أشرقت
فانثنت عنها عيون الناظرين
وجهُ إدريس بن يحيى بن علي
ابن حمودٍ امير المؤمنين
إلى أن قال:
أُنظرونا نقتبس من نوركم
إنه من نور رب العالمين
وعندئذ رفع الخليفة الحمودي الستر بنفسه، وقال: انظر كيف شئت,, وانبسط مع الشاعر.
قال أبو عبدالرحمن: والله لقد هزلت؛ ولهذا قال الإمام أبو محمد ابن حزم:
اجتمع عندنا بالأندلس في صقع واحد خلفاء أربعة كل واحد منهم يُخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها,, أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيام كلهم يتسمى بالخلافة وإمارة المؤمنين، وهم: خلف الحصري بأشبيلية على أنه هشام من بعد اثنتين وعشرين سنة من موت هشام، وشهد له خصيان ونسوان؛ فخطب له على منابر الأندلس، وسفكت الدماء من أجله!,, ومحمد بن القاسم خليفة بالجزيرة الخضراء، ومحمد بن إدريس خليفة بمالقة، وإدريس بن يحيى بن علي ببشتر .
وقال:وصار الأمر في غاية الأخلوقةالأضحوكة والفضيحة,, أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخاً في مثلها .
وللفونسو سخريات لاذعة بهؤلاء الأقزام الذين سموا ملوكاً وخلفاء، وشمت بهم أي شماتة وهم يتهافتون في أحضانه عبيداً أذلاء، وانتهت حال الأندلس كما قال الأستاذ محمد عبدالله عنان: وهكذا انحدرت إسبانيا المسلمة في النصف الأول من القرن الخامس الهجريالحادي عشر الميلادي عقب انهيار دعائم الخلافة الأموية والدولة العامرية إلى معترك مروع من التمزق والفوضى، واستحالت الأندلس بعد أن كانت كتلة موحدة تمتد من ضفاف دويرة شمالاً إلى مضيق جبل طارق جنوباً، ومن شاطئ البحر المتوسط منذ طركونة شرقاً حتى شاطئ المحيط الأطلنطي غرباً: إلى أشلاء ممزقة، ورقاع متناثرة، وولايات ومدن متباعدة متخاصمة,, يسيطر على كل منها حاكم سباق استطاع أن يحافظ على سلطته المحلية خلال الانهيار، أو متغلب من الفتيان الصقالبة أو القادة ذوي السلطان السابق، أو زعيم أسرة محلي من ذوي الجاه والعصبية,, وسيطر البربر من جانبهم على أراضي المثلث الإسباني الجنوبي وما كان منه بيد الدولة الحمودية، وأنشأوا هنالك إمارات عدة ما لبثت أن نزلت إلى ميدان الصراع العام الذي شمل هذه المنطقة,, وهكذا قامت على أنقاض الدولة الأندلسية الكبرى دول عديدة هي دولالطوائف ، وذلك منذ أوائل الربع الأول من القرن الخامس حتى الفتح المرابطي زهاء سبعين عاماً قضتها جميعاً في سلسلة لا نهاية لها من المنازعات الصغيرة، والخصومات والحروب الأهلية الانتحارية، وكادت (1) بتنابذها وتفرقها ومنافساتها تمهد لسقوط الأندلس النهائي,, وقد كان من رحمة القدر (2) أن اسبانيا النصرانية كانت في نفس الوقت الذي انتثرت فيه وحدة الأندلس على هذا النحو الخطر: تعاني من انقسام الكلمة، وتعصف بها ريح الخلاف والتفرق؛ فلم تتح لها فرصة للوثوب بالأندلس الممزقة: إلى أن كان الوقت الذي بلغ فيه تنابذ الطوائف ذروته، واشتد ساعد اسبانيا النصرانية كرة أخرى (3) ، واستطاعت أن تضرب ضربتها القوية بانتزاع طليطلة أول قاعدة إسلامية كبيرة 478ه- 1085م ؛ وعندئذ تطورت الحوادث بسرعة، واتجهت الاندلس الجريح في توجسها وانزعاجها إلى إخوانها المسلمين فيما وراء البحر بعدوة المغرب تستدعيهم لنصرته,, وكان أن تدفقت الجيوش المرابطية من المغرب على شبه الجزيرة الإسبانية، وكان أن أنقذت دولة الإسلام في الأندلس .
قال أبو عبدالرحمن: وهولاء الأقزام الإماء أمام العدو كانوا متديكين على رعاياهم لا يملكون غير بطر الذليل الذي بيده نعمة مؤقتة.
وعن موقف شيخي- من طريق كتبه، وسيرته- إمام الدنيا أبي محمد ابن حزم رحمه الله من أمراء الطوائف الأنتان قلت منذ خمسة وعشرين عاماً:
إن الأئمة من قريش شرعة
حكم الرسول فلا يُرام اعلاله
نص صحيح لا يؤوَّل ظاهر
لم يحتمل تأويله نقَّاله
وظواهر الآثار ضربة لازب
من حاد عنها فالغواية فاله
فوثبتَ تحيي عهد أحمد حسبة
أن الخليفة من زكت أجذاله
وشجاك أن تمنى الأمور بسافل
لاعمه حر ولا أخواله
وسلك بالبرهان عضباً فارهاً
وغشاك تحت رحى الوغى قسطاله
غرناط ماشهدت عليك ملامة
لكنه أمر بدا إقحاله (4)
لله فيه حكمة وخبيئة
وقضاء ربك لا يرد مآله
دع أمر أندلس فلا أعياصه
أو صقره يرجى ولا أنساله
دع أمر أندلس يفرق شمله
بقاله وخصيه وثعاله
وكفاك من ميسور مالك بلغة
ولطالما ذل السؤولَ سؤاله
إن الوظيفة تسترق مناضلاً
أبت العزيمة أن يكل نضاله (5)
ما بعت دينك بالتزلف خلسة
ولك اليراع فما يفل مقاله
وخلعت سربال الوزارة صادعاً
بالحق مراً إذ أهين رجاله
وذرعت أرجاء البلاد مجادلاً
وقمعت من غلب العقول هزاله
وفضحت عباد الصليب مقرعاً
والحق يعلو لو أمر فتاله
ويهود أرغمت الحقيقة بطلهم
لم يغن حبرهمُ ولا نغراله (6)
تالله لم يختل أمامك باطل
ولك الرؤى يعشى بها دجاله
حسدوك في الحسنى فماتوا حسرة
خلد النجيب بما جنى غذاله
هبهم وشوا بك للطغاة وأكثروا
فنصال أنصار الإله نصاله
أيضير أن ترضي الإله بسخطهم
ويغرهم من ربهم إمهاله
كادوك حتى أحرقوا ما حبرت
أقلام حر كالسلاف ذباله (7)
يبدي صراح القول غير موارب
حراً وسربال التقى سرباله
فشجاك أن لم يفلحوا في كيدهم
وهرعت تتلو ما أذيل مذاله (8)
1 قال أبو عبدالرحمن: بل كانت.
2 قال أبو عبدالرحمن: بل رحمة الله.
3 قال أبو عبدالرحمن: ثم ماذا إن تأخر السقوط نهائياً، فقد اخذ القوم الموتَان منذ قيام عبيد الطوائف.
4 لقد أُسر أبو محمد في معركة غرناطة.
5 روي عن العقاد: أن الوظيفة رق القرن العشرين.
6 ابن نغرالة: يهودي رد عليه ابن حزم.
7 أحرقوا مكتبته ومؤلفاته، فكان يحفظها.
8 النغم الذي أحببته ص89- 91.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليــــــــــــــات
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الفنيـــــــــــــــــة
الثقـــــــــافيــــــة
الاقتصــــــــــادية
القرية الالكترونية
منوعـــــــــــــات
لقــــــــــــــــــاء
تقــــــاريــــــــر
عزيزتـي الجزيرة
الريـــــــاضيــــة
مـــدارات شعبية
العـــالـــــم اليـوم
الاخيـــــــــــــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved