كان ابناء الشاعر عمر بهاء الدين الأميري الى جانبه في مصيف قرنايل بلبنان، وغادروه عائدين الى حلب في سوريا وخلّفوه وراءهم وحيدا فكانت هذه الابيات:
ذهبوا أجل ذهبوا ومسكنهم في القلب ما شطوا وما اقتربوا اني أراهم اينما التفتت نفسي، وقد سكنوا وقد وثبوا بالأمس في قرنايل نزلوا واليوم قد ضمتهم حلب دمعي الذي كتمته جلداً لما تباكوا عندما ركبوا حتى اذا ساروا وقد نزعوا من اضلعي قلباً بهم يجب ألفيتني كالطفل عاطفة فاذا به كالغيث ينسكب قد يعجب العذال من رجل يبكي ولو لم ابك فالعجب هيهات ما كل البكا خور اني وبي عزم الرجال أب |
لقد أفاض الشاعر على سامعه بهذه الأحاسيس الصادقة ذات الشعور الأبوي الفياض، كان الأميري قبل رحيل ابنائه في نعيم مستديم وأمن روحي شامل وفجأة رحل الابناء ذخر الشاعر وعدته حتى اذا ابصر رحيلهم وأيقن بفراقهم كانت هذه الابيات صورة اجتماعية قائمة نشهدها جميعاً وتلك في جملتها من محاسن هذه الحياة ومتاعبها تزول بلمّ الشمل وجمع الشتات وتحل بدواعي الفراق ومرارته وفي كل ذلك يسعد المرء بأمر الله وتقديرهأقول: هذه الأبوة التي يحملها الآباء عبر سني حياتهم وفي مواقف مشاعرهم تلوح للأبناء دون تقص وروية، فليس حنان الآباء مثل حنان أبنائهم، بل هو اشد واقوى يأملون في سد حاجاتهم بالحنان ويرغبون في رفع آلامهم بالاحساس الصادق وربما يفقدونه,هذه الأبوة التي يهدرها بعض الأبناء دون تثمينها ويسعون في هدمها دون مقياس، ليست بهينة ولا قليلة، بل رفيعة المكانة عالية القدر انها السعادة المفقودة عند اولئك الأبناء، بل هي ضرب من الجحود والغفلة يقابلها هذا الهاجس الأبوي ذو المشاعر الفياضة الذي يغمر الأبوة بصدق الحنان، وقوة العاطفة فما احرى الأبناء بذلك العطف وما اسعد الآباء بذلك الينبوع الانساني الفياض.