*متابعة:
علي احمد زعلة
(,, هل أقدم الشعر,,؟! لا,, لأن الشعر ذو هيبة عظيمة وسلطان متمرد عنيد، فهو أولى أن يقدم نفسه,, وتلك إحدى خصوصياته,, ولأن الشعر,.
خفقة قلب في الهوى غارقِ ودمعةً تهزأ بالوامق ورعشة الأهداب إن أبحرت عين الضنى في ليلها الغاسق وفرحة الملهوف بالملتقى وطعنة المكلوم في الخافق ذاك هو الشعر فلا تعجبوا ان يجمع الأضداد في العاشق |
وهل أقدم شعراء الأمية,,؟ نعم,, فأقول: كم هو جميل ان تداعب نسمات العقيق الندية جبين فيفاء المخضل بالطل والمطر، وكم هو جميل ايضاً أن يسافر شاطئ نصف القمر بلألائه ليعتنق جيد رغدان المضمخ برائحة البشام,, والأجمل,, أن يلتقي الجميع ليغنوا لجازان,, وفي جازان,, عاشقة الشعر,, وشاعرية العشق، جازان التي تحتفي بالجميع قائلة:
يا عقيق الحسن,, أفضيت إلى دوحة الشعر ومهد الطرب وتهادي يا ذرا زهران,, في شاطئ يجلو غبار التعب وابتهج يا صادح الشرق إذا ما سرى بارقنا عن كثب واسكبي شدوك يا فيفا بها واصبغيه بأصيل المغرب,,) |
بهذه الكلمات العذبة، والابيات الندية، وهذا الاسلوب الرائع المبتكر,, افتتح استاذنا الشاعر الاديب محمد بن عبده شبيلي، الامسية الشعرية الجميلة التي اقيمت مساء الاربعاء 11/7/1420ه في قاعة صاحب السمو الملكي الامير فيصل بن فهد - رحمه الله - بنادي جازان الادبي، وقد احياها أربعة من شعراء المملكة المعروفين وهم: الدكتور محمد العيد الخطرواي، نائب رئيس النادي الادبي بالمدينة المنورة، والاستاذ محمد سعيد البريكي، والدكتور صالح بن سعيد الزهراني، الاستاذ بجامعة ام القرى، والدكتور عبدالله بن احمد المغامري الفيفي,, الاديب والناقد والاستاذ بجامعة الملك سعود.
بدأت الجولة الاولي بمشاركة الدكتور محمد الخطراوي حيث شكر جازان,, النادي والمنطقة، على كرم الدعوة وحفاوة اللقاء، ثم ذكر ان فرسان هذه الامسية كلهم من (الشعراء الاكاديميين) الذين اثيرت حول شاعريتهم زوابع كثيرة في الساحة الادبية، بل إن بعض المثقفين قد وصف (شعراء الدال) بأنهم دخلاء على الشعر,,! ويضيف الخطرواي: ولست ادري هل اراد نادي جازان حين جمع اربعة منهم ان يثبت هذه المقولة ام ينفيها؟!.
ثم القى الخطرواي أولى قصائده وكانت بعنوان (القرائن الأربع) منها:
فلجة:
أبحث عن مساحة دافئة
صالحة للبذر
,, عن ساعدين أحمقين,, يؤنسان غربتي
ويملآن الصحو بالضوضاء
القرينة الاولى:
وحين تصبح الأحلام ذروة مفخخة
وترفع السفوح راية العصيان
وتعلن الدروب رفضها,, هناك تفرق الأرحام
وتلتقي جيناتها على الغضب
وتؤثر النسيان,.
وتوالت بعد ذلك قرائنه حتى استكملت عدتها الاربع.
انتقل الدور بعد ذلك الى الاستاذ محمد البركي,, وهو احد شعراء المنطقة الشرقية، يحمل عدة شهادات اكاديمية في علم الاحياء الطبي والكيمياء من الولايات المتحدة الامريكية,, له عدة مؤلفات وديوان شعر بعنوان (ربيع الامل),, افتتح مشاركته بقصيدة قصيرة اسماها (بطاقة) ثم اردف بقصيد عن المرأة يقول فيها:
لو جاء الكون بلا امرأة لهجرت الكون وما فيه إذ كيف اسير بلا إلف في درب أشبه بالتيه؟! وإلى من ابعث اشواقي؟ وإلى من زهري أهديه؟ المرأة سفر لم ينشر عن سر الكون وما فيه |
انتقل الدور بعد ذلك الى الدكتور صالح الزهراني، الاستاذ بجامعة ام القرى,, شاعر له مشاركات كثيرة, وله ديوانان (تراتيل حارس الكلأ المباح) و(فصول من سيرة الرماد) وله ديوان سيصدر قريباً عن نادي جازان بعنوان (ستذكرون ما اقول لكم)، الدكتور الزهراني وبعد ان قدم الشكر منثورا لجازان واهلها وبحرها,, قدم تحية شعرية عاطرة بعنوان (سلة الفل) يقول فيها:
سامحيني إذا نسيت السلاما واعذريني إذا جهلت الكلاما وامنحيني من كفك الحر فلًّا وازرعيني فوق الثغور خزامى (سلة الفل) احرفي احرقتني شيبت عارضا ودقت عظاما أنا ما جئت شاعرا جئت طيرا ساحليا أتيت جيش يتامى فاقبليني في (دولة العشق) فردا فلقد جئت عاشقا مستهاما انت بدء لكل شيء جميل وستبقين للجمال ختاما |
ثم جاء دور الشاعر الدكتور عبدالله بن احمد الفيفي وهو احد ابناء منطقة جازان,, استاذ بجامعة الملك سعود له ديوان شعر (إذا ما الليل اغرقني) وله دراسات ادبية كثيرة منشورة.
ألقى الدكتور الفيفي اول قصيدة له بعنوان (مكاشفات اخيرة في مهب الليل) في ذكرى قرطبة (1023) بدأها بمقدمة قصيرة,, (واقع الحال لا يدع الشاعر يقول في غير ما يحرق اصابعنا شعرا,,)
أطفئ سؤالك موج الليل معتكر والفجر مرتهن والوقت محتكر هذا الموات تنامى في محاجرنا حتى تناهى بنا في عمرنا العمر يدك فينا عمود البيت من يدنا يبعثر الشمس والآماس يأتسر يا ايها المسجد الاقصى السلام دنا فادخل عليك سلام الله يا (عمر)!! |
ثم ابتدأ الشعراء جولة جديدة حيث القى الشاعر الخطراوي قصيدة عاطفية جميلة تفيض بالشوق وتطفح بلهيبه بعنوان (عودي إليَّ) من ابياتها:
لمن سيهدي الصباح البكر قبلته إن انت سافرت او من يلثم الزهر؟! ومن يريق (صباح الخير) في اذني دفيئة فيغار الناي والوتر؟ اكنت تصغين مثلي للهوى زجلا لمثل ما نتمنى,, يترك السفر عودي اليَّ فإني بالأسى ثمل يهزه الاحمقان,, الورد والصدر!! |
وحينما انتقل الدور الى الاستاذ البريكي احب ان ينوع فالقى قصيدة جميلة عن الاطفال وبعض ألقهم اللذيذ,, جاء في قصيدته:
لا تقهروا الاطفال
لا,, تقتلو في قلبهم
براءة السؤال
وتكسروا البسمة في ثغورهم,.
وأما الدكتور الزهراني فقد اختار لجولته الثانية قصيدة ذاتية,, جاءت راقصة من مجزوء الخفيف على (فاعلاتن متفعلن) يقول فيها:
كنت شعرا منمقا
وغناء مدوزنا
وصباحا وديمة
وبشاما وسوسنا
ونشيدي غمامة
تحتها يورق السنا
يبعث الروح في الحصا
كلما انداح,, دندنا
فاستباح الهوى دمي وبشطآنه ثنى
فالأسى لم يجد له
غير جنبي مسكنا!!
ألقى بعد ذلك الدكتور الفيفي قصيدة بعنوان (يومية فارس) يتحدث فيها عن مجد اثيل قد اندثر وتلاشى,.
أغمد السيف مرهف الانسلال وثنى شهوة الحصان الخيال وتمشي في شكه الوقت رهوا يستعيد احتماله باحتمال كان يلهو به السؤال ويلغو جدد اللهو جده وهو بال يتروى ماء الملالات صرفا في كؤوس من الغليل الزلال |
وثنى بقصيدة اخرى بعنوان (اقرأ نقشا على باب أخرى المدن) جاء فيها,.
يستبد العشق
يا ساكني,, يا وطني
على فائض من كفني
,, ما الذي اعجلهم,, كفنوني
ما الذي غيرهم قد كفنوا
كلهم,, في كفني!!
ودارت رحى الأمسية دورتها الثالثة والاخيرة، والتي كانت مثيرة بحق حيث ألقى الدكتور الخطرواي قصيدة وصفها بأنها (مهربة) من شرفات سنينه الخوالي كانت بعنوان (الغيمة المسافرة),, شفعها بقصيدته الاخيرة التي ارسلها (الى عروة بن الورد):
تابط شرا,, تأبط خيرا!!
وجاءك يعدو
يحاصر ناديك يا عروة الورد
,, أبى عروة ان يعشر
أن يغمد الحرف
توقف قليلاً أبا الورد
وادع جميع الصعاليك حولي
كما كنت تفعل في الازمات
وفي الغزوات,, واطعمهم بعض عزمك
وختم الاستاذ البريكي مشاركته بقصيدة يذكر فيه جمال الماضي بصفائه ونقائه، ببسمته المرسومة على شفاه الجميع,, بالرغم من كل صور الفقر والفاقة,, كان عنوانها (الفقر والسعادة),.
عندما كنت صغيرا
كان إفشاء السلام
لجميع الناس في امر المحبة
لم اكن انظر ما تحوي السرائر
بل تركت الامر للرحمن علام الضمائر
كان في الشارع بسمة
,, وكان في الشارع فئران,, وبق وذباب
وقذارات وحر وخراب
إنما كانت على الاوجه بسمة,.
وحينما جاء الدور الى الدكتور الزهراني اختار ان ينهي مشاركته بقصيدة وطنية جميلة تغنى فيها بالوطن وامجاده بعنوان (ورقة من اسفار الرؤيا,,)
من هذه الصحراء شعّ صباحنا وهمت حروف كالزلال عذاب فبنت لتاريخ الهداية دولة دكت قلاع الشرك والانصاب واهلّ وجه النور لما استحكمت حلق الدجى من اجدل وجواب (عبدالعزيز),, ونخل طيبة ينتشي وتفيق نجد على ضياء شهاب |
وكانت قصيدة الدكتور عبدالله الفيفي خاتمة مسك لهذه الامسية الحافلة بالفن والشعر والجمال الجازاني الخصيب، حيث ألقى قصيدة عاطفية عذبة بعنوان (الغريق) من ابياتها:
يا من لصب إذا ما الليل أغرقه وشمر الشوق في برديه فاشتعلا الناس كلهم ما فيهم أحد أرضاه عنك صفيا او ارى بدلا إلاك يا انت لا اهوى الهوى ابدا فيك انتهيت وفيك العمر قد افلا انت التي بالمنى استافت نسائمها كل الدروب فأمست كلها املا |
وفي نهاية الأمسية تقدم الاستاذ/ محمد الشبيلي بالشكر للشعراء الافاضل على ما قدموا، ثم اتاح الفرصة للمداخلات,, ولضيق الوقت فقد كانت مداخلة وحيدة القاها محرر (الجزيرة) وتركزت حول اربع نقاط للشعراء الاربعة: الاولى: خبرة الدكتور الخطرواي الكبيرة في التعامل مع النص الشعري صياغة ومضمونا,, وليس ذلك غريبا على رجل يقرض الشعر منذ ما يزيد على نصف قرن من الزمان.
الثانية: الدكتور البريكي,, يتضح في شعره التأثر بالثقافة الغربية (الانجليزية) والتخصص العلمي الاكاديمي، افاد من ذلك اثراء الصور وتنويع الاغراض واقتناص اللمحات الشعرية.
الثالثة: يمثل شعر الدكتور الزهراني الاتجاه الإسلامي الراقي، فهو يمتح من تيار ملتزم اصيل، تسنده لغة رفيعة مكثفة، وعاطفة صادقة تغمر اجواء القصيدة, الرابعة الشاعر الدكتور عبدالله الفيفي,, عندما تستمع لقصائده يجابهك ذلك التوظيف والاستدعاء الكثيف للعناصر التاريخية,, زمانا ومكانا وشخصيات، ولعل في ذلك نوعا من هجرة القافية واغتراب الكلمة.
اختتمت الامسية بكلمة لسعادة رئيس نادي جازان الادبي الاستاذ الاديب الكبير/ حجاب بن يحيى الحازمي، شكر فيها الشعراء على تلبية الدعوة والحضور على مشاركتهم وتمنى للجميع التوفيق لما فيه خير الامة الإسلامية والعربية.
من الامسية:
* مقدم الأمسية الاستاذ الشاعر محمد الشبيلي كان متألقاً ورائعا بحسن تقديمه وادارته للأمسية وكان حقا في مستوى هذه الامسية الكبيرة.
* ازدحمت مدرجات قاعة الامير فيصل بن فهد بالجمهور، مما اضطر بعضهم للجلوس في المدرج العلوي للقاعة.
* يبدو ان اجندة النشاطات الثقافية لنادي جازان حافلة بكل مثير وغزير,, كما وعدت ادارة النادي من قبل,, تمنياتنا بالتوفيق.