كانت الشمس تبعث أشعتها الدافئة إلى الوجود، وقد استيقظ كل شيء في الحي، واختلطت الأصوات: من مناد، ومن مجيب، وتصهال خيل، خلال ذاك رغاء.
وكان صاحبنا يجلس في صدر البيت، وقد اتخذ من الرحل له تكأة، وامتد أمامه رواق البيت المسبطر وكأنما هو في ايوان كسرى، يلقي نظره، فيرى تلك الهجمات، من الابل والقطعان من الغنم وقد انقادت في سلسلتها المتلاحقة، وقطارها الطويل، فيزيد فخراً واعتزازاً، يشتد منه الضغط، على محزمه المليء - بالفشك -.
ولم تطل جلسة صاحبنا حتى أقبل عليه ابنه ووحيده - فالح - طويلاً، قويماً كعود الاسل فصبحه بالخير، ودعا له بالجنة، ثم جلس إلى احد الأقتاب، المبثوثة على جوانب الرواق,, وبعد أن أخذا بأطراف الأحاديث، دخلت ربة البيت بقصعة، تنبعث منها أشهى رائحة، ويخرج أطيب عبير، مما يدل على مهارة في الصنعة، وخبرة في طهو هذا اللون المرغوب من المطعم، وتعود مرة أخرى بقدح كاد اللبن أن يغرقه، فيتناولان ما طاب لهم من الطعام، وبين كل لقمة وأخرى يعبان من ذلك القدح، وينظران الشمس، فيعرفان أن وقت الصيد قد حان، وأن ساعة القنص قد أزفت، فيعمد الوالد إلى حمل الصقر، أما فالح فقد انطلق إلى الكلب، الذي طال انتظاره، ونفد صبره، يتجلى ذلك في تحريك ذيله وتلاحق حركاته,.
ثم بدآ رحلتهما: يقص عليه والده شيئاً من مغامراته في جمع هذه الثروة الواسعة تارة، وتارة يروي له طرق ختل الصيد، وانتهاز غرته، وكيف ان الصباح الباكر أوان ذلك وفرصته، ويعرج على الصباح، فيقول ان الصباح تقسم فيه الأرزاق، وتوزع البركات,, وتتشعب أمامهما طرق الحديث، وتمتد أوديته,, ولكن أرنباً تنفج من جحرها، فينطلق أثرها الكلب ويختطفها، أما الصقر، فقد حل الوالد برقعه، فأخذ يحرك جناحيه، ويتطاول برأسه، استئذاناً وتأهباً، اذ رأى على بعد حبارى تدرج في روضة هنالك، وكأنها لم تعلم به، أو استهترت بوجوده فحلق في جو السماء، ثم انقض عليها لتكون فريسة بين مخالبه.
أما فالح فقد راح يرقب الكلب وكيف انساب بين الصخور والشجر انسياب الحية الرقطاء، يطرد أرنباً أخرى حتى اصطادها، واستمر القنص حتى ساعة متأخرة من النهار,, حيث عادا إلى الحي وقد احتملا عدداً من الحبارى والأرانب.
,,ويأتي الرعاة، فيحدثون سيدهم بما شاهدوه في رحلتهم اليومية، وبعد أن يوهن الليل، يأوي كل إلى فراشه,.
على هذا النهج الرتيب، وفي ظلال هذه النعمة الوارفة، والثروة الطائلة: من ابل وغنم ورياش، وبين احضان هذين الوالدين نشأ فالح غرا، يجهل صروف الدهر، وتقلبات الأيام,.
ولكن الصفو لا بد وأن يتكدر، والجمع لا بد وأن يتشتت، فقد اخترمت يد المنون ثالث هذا الوكر، وعميده بعد ان ترك لابنه ووالدته نعما واسعة طيبة وذكرى حسنة نعما بها، وتقلبا في بحبوحتها، ولكن الولد كان يشعر بخمول ذكر، فما كانت السمعة التي تبوأها والده، والمكانة التي احتلها بالسهل تحصيلها، وما كان المركز الاجتماعي بين رجال الحي باليسير ادراكه,, وكان فالح يسمر في الليل مع بعض رجال الحي - وعلى ضوء القمر يحلو السمر - وكان هؤلاء يستولون على المجلس بما يعرضونه، من روائع ذكرياتهم، وغريب مغامراتهم، أما هو فكان نصيبه من ذلك قليلاً، وما كان يرضى بهذا الوضع وهو ابن نوار ، وما كان من الذين يقنعون بميسور عيشهم,, ولكنه كان شاباً طموحاً، لا بد وأن يقوم بعمل يذكر، ولا بد وأن يكون له بالتاريخ نصيب,, وقد صارح والدته بهذه الرغبة الأكيدة فرفضت، ولكنه استطاع أن يقنعها، وهنا أعد لوازم السفر وشد الرحل، وسافر على بركة الله,, وعلى مورد من الموارد أناخ راحلته، وأوقد النار,, فلما صارت جمراً يلتهب شقها، وألقى القرص فيها، وبينما هو يحش النار، وينتظر نضج ما فيها، خالياً بنفسه,, مستسلماً لأفكاره وهواجسه وآماله,, لا يمر على سمعه الا مكاء الطير، وصفير الرياح، هنالك انبعث ليعلو نشزاً حوله لينظر ما يحيط به، واذا بخيط من الغبار يحيط به من بعيد,, واذا خلفه شخوص تبدو تارة وتختفى أخرى، وسرعان ما تكشف عن نعم يملأ الفضاء وخيل ورجل,, انه حي من الاعراب يريد هذا المنهل الذي يقيم عليه فالح، وسيكون هو وراحلته طعمة سائغة لمن سبق اليه من هؤلاء اذا لم ينج بنفسه، ويجعل من الفرار مطية نجاته، ولكنه سوف يُرى ولا شك حينما يفارق كثبان الماء ومخابئه، ومن ثم تدركه الخيل فتجعل منه غنيمة باردة، ولكن لماذا لا يميل إلى كهف هنالك تستر فمه سدرة تخفيه هو وراحلته عن أعين الناظرين، ويظل في مخبئه حتى يريم القوم عن الماء، فرأى أن هذه هي الوسيلة المجدية لانقاذه، وهكذا عمد إلى تنفيذ فكرته، أما القوم فسرعان ما ملأوا محيط المنهل، وضج حوله الثغاء والرغاء والصهيل والنداء، وبُنيت الخيام، وأوقدت النيران، وحلبت النوق، وسقى القوم حتى ضربوا بعطن، وانعقدت النوادي وأديرت كؤوس القهوة، وقد بدا الليل يرخى جلابيبه، وانتثرت نيران الحي الحلول كأنها الأنجم في صفحة السماء,.
أما صاحبنا فكان الجوع ضجيعه والخوف ملازمه، والدنيا تضيق وتضيق في عينيه، حتى لييأس من النجاة، ثم يعود ويستذكر ما كان يقص عليه والده، وما كان شيوخ قبيلته يروونه في نواديهم، ويتباهون به في مجتمعاتهم من المغامرات والتضحيات، والفتك والاقدام، يستذكر هذا فتعود اليه قوة نفسه وشدة معنويته، وهكذا حتى خمدت النيران وهمدت الأصوات، وغاب قمير ليلته العاشرة، ولم يعد يسمع سوى حنين بعض الفصلان أو نباح بعض الكلاب، وهنا دارت في رأسه فكر وآراء,, أيركب الليل مطية أمينة، وينأى بنفسه عن الخطر؟، أم يظل في مكمنه حتى يرحل القوم، ومن ثم يتزود بالماء، وينبش قرصه الذي ألقى عليه التراب حينما هم بالاختباء، فيقتات ويشرب أم ماذا؟,, ولكن فكرة جديدة قفزت إلى رأسه، ودعته لأن يغامر ويكتب في صفحة حياته ما يشارك به القصاص، والمغامرين، لماذا لا ينسل إلى حيث ترك قرصه المدفون وينبشه ويستسقى من الماء,, ومن ثم يذهب لطيته؟، ولكن موقد ناره الذي دفن فيه قرصه قد ضربت عليه خيمة هناك,, رأى حولها نسوة محتشمات كريمات، يحف بخيمتهن من الهيبة والوقار ما يزيد في تعقيد مشكلته، ويحول دون بلوغ هدفه، إلا أنه صمم على أن ينفذ فكرته، ومن ثم انسل إلى الخيمة حيث عرف طريقه,, قبل أن يضرب الظلام رواقه,, فدنا,, ودنا حتى رفع جانب الخيمة,, ودخل لتكون أول مصادفة يلقاها,, بعد أن ضرب بيده فيما حوله، هي أن تقع على قدم (صيتة) الغادة البكر,, ابنة شيخ القبيلة والتي لم تمتد يد قبلها على قدمها,, ففزعت مرعوبة لهول ما داهمها,, وأمسكت بيد اللامس ونهرته وهددته,, فهمهم,, وغمغم,, وكاد ينعقد لسانه للمفاجأة التي لم تكن في الحسبان,, ولكنه استطاع أن يعيد قوته، ويملك أعصابه ليهمس إلى (صيتة) بالحكاية كاملة، ويدلل على صحة ما يقول، بقرصه المختبىء تحت قدميها,, وهنا ينبشه ويريها اياه,, فسكن روعها، وهدأت أعصابها، وأخذت تفكر في الطريقة التي تنقذ بها هذا اللاجىء المضطر,, وكان أول شيء يهمه هو الماء,, الماء الذي بفقده انعقد لسانه وحمله ذلك على المغامرة,, فكان ما أحس به من (صيتة) من رأفة ورحمة حمله ليطلب اليها أن تسقيه ماء,, ولكنها أشارت إلى دلو معلقة في جانب الخيمة أن يأخذها ويذهب ليسقي نفسه، ومن ثم يذهب لسبيله، فأخذ الدلو، وذهب إلى البئر، ولكن سوء حظه ابى إلا أن تنفلت منه الدلو لتستقر في قعر البئر,, ويبقى على شفيره صفر اليدين، فحمله الظمأ والتشبث بالحياة أن يعود إلى (صيتة) فيخبرها الخبر,, فما كان منها وهي الحرة الكريمة الوفية الأمينة الا أن اضطرت إلى أخذ بعض حبال الأقتاب والطنب، وذهبت به لتحدره في البئر ليخرج الدلو,, وبعد أن استقر في قاع البئر كان القدر يخبىء لصيتة ما ليس في الحسبان,, لقد انزلقت رجلها فهوت إلى حيث فالح في قعر البئر,, وكانت الصدمة المروعة والصعقة الهائلة، والمشكلة التي انتقلت من دور التهمة والاحتمال إلى دور الخيانة والخنا، لقد دارت الفكر في رأسي كل من فالح وصيتة وجعلا يضربان أخماساً بأسداس,, ماذا تكون النتيجة؟ ماذا يفعل بهما؟,, كيف يعزى أمرهما؟,, هل هناك أمر محتمل غير القتل؟,, انه هو الأمر الأقرب إلى الحقيقة.
وبينما هما كذلك يلتجىء كل منهما إلى جانب من جوانب البئر ضحلة الماء، مجوفة الجوانب,, بينما هما كذلك اذا - بمرجان - مملوك سيد القوم أبي صيتة يأتي إلى البئر قبيل الفجر ليملأ أحواض الماء قبل الصباح,, وهنا أحس بأصوات خافتة وتلوم وأنين في جوف البئر فجعل يقبل ويدبر ويفكر ويقدر,, ولم ير بداً من اطلاع سيده على القصة ويخبره بأن الصوت صوت رجل وامرأة,, فكان اخشى ما يخشاه على ابنته (صيتة) ذات الجمال والكمال ومطمح أنظار الشبان وموضع اهتمامهم,, فذهب من توه إلى الخيمة، وطفق يفتش عن (صتة) ولكن عبثاً يحاول,, فانطلق إلى البئر ليسمع صوت ابنته وبجانبها رجل جمعهما هذا الجب المشؤوم,, فحوقل وجمجم,, فكانت العاطفة الأبوية والرحمة الطبيعية تلحان عليه بانقاذ (صيتة) من هذه الهوة التي تردت فيها، ولكن النخوة العربية وخشية العار وعلك الناس لألسنتهم بأن فلانة كان منها كذا يوم كذا، وسنة قصة فلانة مع فلان,, الخ,, لا,, ان عرضه وشرفه أهم عنده من العاطفة ومن رحمة ابنته,, يا مرجان,, قف هنا وامنع سائر الحي من ورود هذه البئر بعينها,, لأن سيده قد حجزها له وحده,, واذا سقى القوم وارتحلوا فليجمع ما حوله من شجر وثمام ونحوه ويلقه عليهما في البئر، حتى اذا ظن كفاية هذا الشجر لاحراقهما يوقد فيه ناراً ويلحق بالقوم,, ففعل مرجان ما اوصى به سيده,, ولما ارتحل القوم جعل ينفذ فكرة سيده في القاء الشجر والحطب عليهما، وكلما قذف بحزمة عليهما جعلا منها مرتفعاً يعلوان عليه حتى استطاع فالح أن يقفز من البئر، ويبتدر راحلة مرجان، ويجرد سيفه، ويعدو نحوه ويضربه به ليلقى حتفه من توه,, ويذهبان لطيتهما، ليتزوجها فالح ويكون منها زوجة بارة كريمة منجبة,, وعاشا جميعاً في وئام وحب ووفاء أعواماً متلاحقة، كاد أن ينسيها خلالها القصة المذهلة النادرة,, ولكن لأمر ما,, كان والد (صيتة) وأخوتها يمرون بحي فالح مسافرين ويستضيفونه,, وقد تحرك قلب (صيتة) لهذه الأصوات وهذه الركاب التي ليست بغريبة عليها,, وهنا رفعت جانب الخيمة قليلاً لتنظر,, ماذا تنظر؟,, انه والدها واخوانها,, فاختلجت واضطرب احساسها، واحمرت وجنتاها ونادت فالحاً لتقول له: ان هؤلاء هم أبوها واخوانها فما الحيلة؟,, وما العمل؟,, انني لا استطيع أن أعيش بعد اليوم وقد رأيت من تلاحق السنين بيني وبينهم,, وهم أحب الناس اليّ,, فقال: هوني عليك فسوف تكون النتيجة سارة إن شاء الله,, ومن ثم أمر ساقي القهوة أن يتفقد كئوسها بعد سكبها، وقد أضمر أن يلقي بكأس في حجر والد (صيتة) حتى اذا تفقد الساقي الكؤوس وجد الكأس المفقودة في حجر الوالد,, وهكذا يفعل ليجد والد صيتة أنه محرج بهذه المفاجأة غير الحسنة، ولكن فالحاً أراد أن يخفف ما علق في نفس والد (صيتة) بما أضمر ان تكون نتيجته هي مفتاح ما أراد,, لقد قال فالح لضيوفه: ان الدنيا لتأتي بالعجائب والغرائب، وترمي بما لا يكون في الحسبان وما لا يدور بالأذهان، ولأدلل على ذلك بقصة وقعت لي أنا,, ثم يورد قصته كاملة مع (صيتة) والوالد والاخوة منصتون,, وكأن كل فقرة من كلامه تحل طلسماً معمى عليهم إلى أن وصل إلى نهاية القصة,, وهنا التفت كل من الأب وأولاده إلى الآخر في ذهول واستسلام، وبينما هم كذلك اذا بصيتة ترتمي بأحضان والدها وتنشج، وينقلب البيت كله نشيجاً وبكاء,, ومن ثم تعارفوا,, وعاشوا جميعاً حياة جديدة بعد يأس وحزن وغم!!,.
من يَفعل الخيرَ لا يعدم جَوازِيه لا يذهب العرف بين الله والناس |