القصة ليست في النقل الجماعي ولكنها حدثت بالصدفة المحضة في باص من باصات النقل الجماعي، ويمكن ان تحدث في أي مكان يجتمع فيه أخلاط من الناس قبل سنوات في عز الظهر في عز الصيف حانت فرصة ركوب النقل الجماعي, كانت سيارتي معطلة وكنت حينها في ضيافة صديق اعزب لا يسوق سيارة ساكن في طرف شارع الوزير الشمالي, خرجنا لتناول الغداء في واحد من اشهر المطاعم في الرياض يعرف بسميرآميس، فركبنا النقل الجماعي وللحق كانت رحلة لطيفة وهادئة ولولا الحر لما ميزت بينها وبين باصات لندن الشهيرة نزلنا من الباص وتناولنا الغداء وكعادة الشباب المتحمس لرأيه تحول حوارنا الى مشادة لا اعرف هل كان الحوار عن الكورة ام كان عن الادب أم السياسة؟ من يتذكر مشادة حدثت قبل اكثر من عشرين سنة؟ على كل حال هذا لا قيمة له في قصتنا هذه المهم عدنا الى باص النقل الجماعي ونحن متمشكلين مبرطمين واذا اضفنا الحر وكسل الشبع, باختصار ركبنا الباص في طريق العودة ومزاجنا في غاية السوء ومعنوياتنا في غاية الانخفاض والتدهور وكان فراغ الباص وندرة الحركة في شارع الوزير يشجعان على سلوك الكآبة, جلسنا على مقاعد الباص لا نملك أي احساس بما يدور حولنا, كانت كل منافذ الاتصال بالعالم في عقلينا مغلقة تماما, وبعد محطة او محطتين ركب رجل فأصبحنا ثلاثة ركاب فقط لم أوله اي اهتمام فهو رجل عادي مغرق في عاديته حتى انك لا تستطيع ان تحدد عمره، هل هو في العشرينات ام في الثلاثينيات أم في الاربعينيات؟ من هؤلاء الذين يمنحونك الشعور بالتصالح التام مع ما حولهم, فمثلا ملابسه وطريقة تصفيف شنبه لا تعطيك اي انطباع عن علاقة خاصة بطبقة معينة او بعمر معين او على الاقل بموضة من موضات ايامه، يلبس نعالا زبيرية وغترة بيضاء احرقها النيل وفي جيب صدره قلم باركر متوسط الطول الخ بإمكانك ان تضيف ما تشاء من الاوصاف العادية.
على كل هذا الكلام يأتي بعد عشرين سنة ففي حينها لم اتأمل فيه جيدا لم انظر الى سحنته بما فيه الكفاية فهو كأي إنسان عابر تأخذه بهدوء واهمال وتستطيع ان تركب عليه ما تريد من شخصية فبعد قليل كما جرت العادة في الحياة سيخرج من وجودك الى الابد فهو مجرد ركام يمكن ان ينسى بعد ثوان,, ولكن الله قيض لهذا الرجل ن يبقى في ذاكرتي سنوات طويلة فليس بالتميز يخلد الانسان فهناك شخصيات تافهة يمكن ان تبقى في ذاكرتك فترات طويلة إذا اقترنت بحادثة او قضية, وهذه الحادثة من الحوادث التي لا انساها ابدا فهي بالنسبة لي نوع من صراع المرء مع وجوده وكينونته عندما يلقي الانسان مسؤولية وجوده على الآخرين,, الى اللقاء بعد غد الاثنين لندخل في تفاصيل القصة.
لمراسلة الكاتب
yara2222 *hotmail.com