نظرة مقارنة المشروع الغربي والتعددية في الحضارات (22) د, محمد عمارة |
إذا كانت بضدها تتميز الاشياء,, والشيء يظهر حسنه الضد,, فإن هذا الذي تميزت به الحضارة الاسلامية في الايمان بالتعددية، وتجلى في تطبيقاتها بمختلف الميادين، وعلى كل المستويات، لاتتبدى حقيقته الكاملة، ولا تتألق دلالاته العظيمة، إلا إذا قورن ولو بإشارات لما كانت عليه بل ولاتزال الحضارة الغربية في هذا الميدان,, فبالمقارنة، سيتأكد أن الفارق بين الحضارتين، في هذه القضية، ليس مرجعه التسامح الذي تحلى به حكام مسلمون، وافتقر إليه حكام غربيون,, إذ التسامح ، في النهاية، خُلُق فردي، لايثمر قاعدة مطردة على مر تاريخ حضارة من الحضارات، وفي مختلف ميادين عمرانها,, بل إن هذا التسامح ذاته، هو في جوهره ثمرة إن في وجوده أو غيابه لموقف حضاري، ويكون من مكونات الحضارة، التي تحييه او تواريه!,.
وبالمقارنة، سنعرف كيف أن الشعب المصري، مثلا، عندما تدين بتوحيد آتون في عصر أخناتون (13721354ق,م)، اضطهد كهنة آمون وأتباعه,, فلما انتصر كهنة آمون اقتلعوا توحيد دعوة أخناتون من الجذور، وطاردوا أتباعه في كل مكان!,, وكيف أن هذا الشعب المصري عندما تدين بالنصرانية لم يعرف التسامح مع الديانة المصرية القديمة، فمارس الاضطهاد، بل والإبادة مع كهنتها وفلاسفتها ومدارسها ومكتباتها ومتاحفها ومعابدها وأتباعها جميعا,, فلما تدينت الدولة الرومانية الحاكمة بذات الديانة النصرانية (313م)، ولكن بمذهب متميز عن مذهب المصريين النصارى، لم تعرف التسامح معهم، بل لقد عاشوا حقبة اضطهادهم، وعصر الشهداء الذي تؤرخ به النصرانية المصرية حتى الآن!,.
لكن هذا الشعب المصري ذاته الذي لم يعرف التسامح الديني في تاريخه القديم هو ذاته الذي اصبح مضرب الامثال في كل بلاد الدنيا على التسامح الديني، عندما تدين بالاسلام؟!,, فعاشت في ظلال إسلامه أكبر الأقليات النصرانية في بلد إسلامي، وازدهرت في حضارته الإسلامية اعرق كنائس النصرانية على الاطلاق، وتعانقت في ثوراته وافراحه واتراحه شعارات الهلال والصليب !,, بل إن أغلبية هذا الشعب قد ظلت على نصرانيتها، في ظل الحكم الاسلامي، عدة قرون,, ولم تدخل هذه الأغلبية في الاسلام أفواجا إلا عندما عجزت كنيستها عن تلبية حاجاتها الروحية، وبدا لها بالمقارنة مع بساطة عقيدة التوحيد الإسلامية تفوق الإسلام في تلبية هذه الحاجات، فاندفعت أفواجها إلى الإسلام، دون ترهيب ولاترغيب,, ويشهد على هذه الحقيقة بعد وقائع التاريخ أحد علماء النصرانية (كيتاني) Caetani فيقول: إن انتشار الإسلام بين نصارى الكنائس الشرقيةإنما كان نتيجة شعور باستياء من السفسطة المذهبية التي جلبتها الروح الهلينية إلى اللاهوت المسيحي, أما الشرق، الذي عرف بحبه للأفكار الواضحة البسيطة، فقد كانت الثقافة الهلينية وبالا عليه من الوجهة الدينية، لأنها أحالت تعاليم المسيح البسيطة السامية إلى عقيدة محفوفة بمذاهب عويصة، مليئة بالشكوك والشبهات، فأدى ذلك إلى خلق شعور من اليأس، بل زعزع أصول العقيدة الدينية ذاتها, فلما أَهَلَّت، آخر الأمر، أنباء الوحي الجديد فجأة من الصحراء، لم تعد تلك المسيحية الشرقية التي اختلطت بالغش والزيف، وتمزقت بفعل الانقسامات الداخلية، وتزعزعت قواعدها الأساسية، واستولى على رجالها اليأس والقنوط من مثل هذه الريب، لم تعد المسيحية بعد ذلك قادرة على مقاومة إغراء هذا الدين الجديد، الذي بدد بضربة من ضرباته كل الشكوك التافهة، وقدم مزايا جليلة، إلى جانب مبادئه الواضحة البسيطة التي لاتقبل الجدل, وحينئذ ترك الشرق المسيح وارتمى في احضان نبي العرب !
لقد أقبل الناس على الاسلام، الذي رأوه كما يقول مونتيه : عقلاني الجوهر، بأوسع معاني هذه الكلمة ,, اقبلوا عليه دون أية محاولة للإرغام والاضطهاد كما يقول أرنولد (1864ب 1930م) في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) (7) ,, فتم تحول جمهور المصريين إلى الاسلام، في ظل التعددية ، المؤسسة على الحرية والاختيار، وعبر قرون عدة، فكانت التجربة العظمى التي تعلم فيها هذا الشعب التسامح الديني لأول مرة في تاريخه الطويل!,,
وبالمقارنة، سنجد أن دار الاسلام قد تفردت بين اوطان الحضارات ببقاء الديانات، السابقة على الاسلام، جميعها فيها، بعد ظهوره، وفي ظل دولته وحاكمية شريعته، مع ازدهار مدارس لاهوتها كلها، بل لقد تمتعت هذه الديانات كلها، في ظل الاسلام،بالتعددية التي حافظت على علاقاتها، والتي ضبطت وقننت هذه العلاقات السلمية لاول مرة في تاريخها ، حيث طوى الإسلام نهائيا صفحة الحروب الدينية بين اتباع كل الديانات! وكان تاريخيا المنظم لتعددية المذاهب داخل مختلف الديانات! ولم يقف ذلك عند أتباع الديانات الكتابية المعروفة، وإنما شمل ديانات وضعية وشبه وضعية مثل ديانات فارس والهند والصين أدخلها الفقهاء المسلمون في عداد الديانات الكتابية، وقالوا: لقد كانت لها كتب فضاعت، اولعل امرها كان كذلك ؟!,.
حدث هذا الانجاز في ميدان التعددية بدار الإسلام، وعلى امتداد تاريخه,, في الوقت الذي ضاقت فيه صدور اوربا الوثنية بكل ماهو آخر وغير وثني,, فلما تدينت بالنصرانية ضاقت صدورها بكل ماهو غير نصراني,, بل وضاقت حتى بالتعددية المذهبية داخل النصرانية الواحدة,.
ف شارلمان (742 814م) فرض النصرانية على السكسونيين بحد السيف,, وفي الدانمرك، استأصل الملك كنوت Cnut الديانات غير المسيحية من بلاده بالقوة والارهاب,, وفي بروسيا، فرضت جماعة إخوان السيف Bretheren of The Sward المسيحية على الناس بالسيف والنار,, وفي ليفونيا، فرض فرسان Drdo Fratrum Militiae Christ المسيحية على الشعب فرضا,, وفي جنوب النرويج، ذبح الملك اولاف ترايجفيون كل من ابى اعتناق المسيحية، أو قطع أيديهم وأرجلهم، ونفاهم وشردهم، حتى انفردت المسيحية بالبلاد, وفي روسيا، فرض فلاديمير Vladimir عام 988م المسيحية على كل الروس، سادة وعبيدا، أغنياء وفقراء، غداة اعتناقه لها!,, ولم يعترف فيها بإمكانية تعدد الأديان إلا في مرسوم صدر عام 1905م!,,, وفي الجبل الاسود بالبلقان قاد الأسقف الحاكم دانيال بيتروفتش D.Petrovich عملية ذبح غير المسيحيين بمن فيهم من المسلمين ليلة عيد الميلاد عام 1703م!,, وفي المجر، أرغم الملك شارل روبرت غير المسيحيين على التنصر او النفي من البلاد عام 1340م,, وفي اسبانيا قبل الفتح الإسلامي كان المجمع السادس،، في طليطلة، قد حرم كل المذاهب غير المذهب الكاثوليكي,, واقسم الملوك على تنفيذ هذا القانون بالقوة,, ؟!,.
وحيثما امتد نفوذ وحكم الحضارة الغربية، امتد الإنكار للتعددية فاليعاقبة ، في مصر والشرق، اضطهدهم الارثوذكس الملكانيون، بالقتل والنفي والتشريد ,, وقتل جستنيان الاول (527 565م) مائتي ألف من القبط في مدينة الاسكندرية وحدها، حتى اضطر من نجا من القتل إلى الهرب في الصحراء!,, وفي أنطاكية، حدث نفس القهر والاضطهاد لمعتنقي غير المسيحية، بل وغير مذهب الدولة الرومانية بالذات!,, وفي الحبشة، قضى الملك سيف أرعد (1342 1370م) بإعدام كل من ابى الدخول في المسيحية أو نفيهم من البلاد,, وصنع مثل ذلك الملك جون ، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي ! ,, ناهيك عن مأساة المسلمين وايضا اليهود في الأندلس على يد فرديناندو (1452 1516م) وإيزابيلا (1451 1504م) (8)
وبعد ظهور البروتستانتية، كانت إقامة قداس بروتستانتي في بلد كاثوليكي عقوبتها: سجن النساء مدى الحياة، وإرسال الرجال للتجديف حتى الموت، وإعدام الكهنة!,, وكانت المواكب تسير، في ذكرى المذابح الدينية، شكرا الله ؟! (9)
وعندما يحتفل الغرب في برشلونة سنة 1992م بالدورة الأولمبية إحياء لذكرى خمسمائة عام على إبادة المسلمين في الأندلس؟! ,, ثم يتبع ذلك بمجزرة إبادتهم في البلقان ؟!,, فإنه يعلمنا أن رفضه للتعددية ليس بالصفحة التي طواها تطور التاريخ؟!,, ففارق بين حضارة لاتريد للآخر الديني وجودا علىخريطة أوطانها,, وبين حضارة حافظت وتحافظ على وجود الآخر الديني حفاظها على الشعائر الدينية التي تتقرب بالحفاظ عليها إلى الله، سبحانه وتعالى، وتنفذ به سنة رسوله، صلى الله عليه وسلم ,, بل لقد تجاوزت في ذلك مستوى الحفاظ على وجود الآخر، إلى حيث تستطيع أن تقرأ أسماء أعلام الأقليات الدينية في تراجم وزراء دول الإسلام على مر التاريخ!,.
وإذا كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه عندما فتحت القدس قد أبى أن يصلي في كنيسة القيامة، كي لاتكون هناك شبهة، لمن يأتي من بعده، بوجود حق للمسلمين فيها,, فإن الصليبيين الذين اغتصبوها (492ه 1099م) لم يكتفوا بإبادة المسلمين في مذبحة سبحت فيها خيولهم بدماء المسلمين في مسجد عمر؟!,,, وإنما حولوا المسجد الأقصى إلى كنيسة,, وإبان سنوات الاغتصاب الصليبي للقدس والأقصى، اشتاقت نفس الأمير المؤرخ اسامة بن منقذ (488 584ه 10951188م) للصلاة في الأقصى، فذهب إليه بواسطة علاقات كانت له مع بعض الفرسان الصليبيين,, فلما توجه إلى القبلة، ودخل في الصلاة، إذا بمن يحول وجهته عن قبلة الإسلام قسرا,, عاد إلى قبلة الإسلام اعاده إلى قبلتهم هم,, فهم لايعرفون وإن عرفوا لايطيقون التعددية حتى في التوجه الى رب المشارق والمغارب جميعا ؟! (10) ,,.
وبالمقارنة، بين الفتح الاسلامي الذي كان يسلك للتعايش مع الآخرين طريق التعددية وعليها يتأسس التسامح، الذي تقننه الشريعة، لا المرهون بسجايا حاكم من الحكام، أو خلق امير من الامراء بمقارنة هذا الفتح بما صنعه بونابرت (1769 1821م) نموذج الحرية,, والإخاء,, والمساواة الغربية، في أرقى وأحدث صورها مع المصريين عندما جاءهم طليعة للغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة,, نكتشف الفارق بين حضارتين في هذا الميدان.
فإبان الفتوحات العثمانية في البلقان ووسط أوربا، صاغ القصص الغربي اسطورة تناقلها الناس اثناء وعقب الحرب بين السلطان العثماني والأمير المجري هينادي ,, تقول : إنهم سألوا الأمير المجري:
ماذا تصنع لو انتصرت على المسلمين؟
فقال : أؤسس العقيدة الرومانية الكاثوليكية.
فلما سألوا السلطان العثماني:
ماذا تصنع لديننا لو انتصرت؟
قال :أقيم كنيسة الى جانب كل مسجد، وأدع مطلق الحرية لكل فرد ان يصلي في أيهما شاء ؟!,, (11)
أما بونابرت، الذي لم يتعلم التعددية، ولم يعرفها سبيلا للتعايش مع الآخر ، فلقد رأيناه يسلك إلى التعايش من المصريين سبيل الكذب عندما ادعى أن الفرنساوية هم ايضا مسلمين خالصين ,, وأنه أكثر من المماليك، يعبد الله سبحانه وتعالى، ويحترم نبيه محمد والقرآن العظيم ,, (12) ,, وانه محب الملة المحمدية (13) ,.
فهذا فاتح يمثل حضارة لم تعرف التعددية سبيلا إلى التعايش مع الآخرين,, وذاك فاتح كانت التعددية سبيل حضارته إلى التعايش مع الآخرين، داخليا وخارجيا,, وعلى كل المستويات!,.
(7) آرنولد (الدعوة إلى الاسلام) ص 89، 90، 455، 98، 99 ترجمة: د, حسن إبراهيم حسن، د عبدالمجيد عابدين،إسماعيل النحراوي طبعة القاهرة سنة 1970م, وانظر كتابنا الغزو الفكري,, وهم أم حقيقة؟ ص155 وما بعدها,, طبعة القاهرة سنة 1989م.
(8)(الدعوة إلى الاسلام) ص 30 32، 72، 73، 122 124، 135 ،136، 141 ،143،154 156، 223، 226، 274، 276.
(9)وول ديورنت (قصة الحضارة) الطبعة العربية, القاهرة
(10)أسامة بن منقذ (الاعتبار) ص134، 135 , تحقيق: فيليب حتى, طبعة جامعة برنستون سنة 1930م.
(11)(الدعوة الى الاسلام) ص223.
(12)د, أحمد حسين الصاوي (المعلم يعقوب بين الاسطورة والحقيقة ) ص106, طبعة القاهرة سنة 1986.
(13)الجبرتي (عجائب الآثار) تحقيق: حسن محمد جوهر، عمر الدسوقي، السيد ابراهيم سالم, طبعة القاهرة سنة 1965م.
|
|
|