(ونتعلم: ان الحيوان يعلمنا بصمت كيف نصبر، وكيف نتجاهل، وكيف نميت حواسنا أمام نزعات المرض المرتسمة على أوجه او النابعة من تصرف الآخرين، ونحن نمضي من جوار الحيوان ونسب الواحد منه بصفة الآخر,, نقول للحمار كلباً,, ونصف الكلب بالحمار,, ويسمع الحيوان شتائمنا ويعلمنا درسا في الإِعراض بكسر الألف,,)
خيرية السقاف
جريدة الرياض 2/7/1401هـ
كانت تلك الكلمات منذ تسعة عشر عاماً,, أوجزت لنا فيها الحياة والناس بما يعلن فيه الواقع عن نفسه,, حيث يظل مشوار البشرية غائصا ومنغمسا ومنكبا على الدروب نفسها التي سبقنا إليها السابقون وأدركوا الحكمة السرية فيها بعد ان يتبقى من العمر بما لا يفي ولا يعد بأي تغيير,, بمعنى اصح لم تكن تلك الكلمات تخص زمنا معينا,,، ولو تخاطبت مع أستاذتي الفاضلة حول ذلك لافادت بأن حقيقة الامر اليوم متفاقمة بمنظور أشد بشاعة وأصدق احترافا,, فالكلب بالرغم من شراسته إلا انه عرف عنه الوفاء,, والحمار بغبائه إلا انه عرف عنه الصبر والتحمل والتعبير عن غضبه حينما يزداد الامر مع صاحبه سوءاً,.
إنسان اليوم,, عموماً,, وفي دول العالم الثالث خصوصاً,, يعكس الصورة,, فبينما يرق للحيوان ويعطف عليه، يدهس من حوله من بني البشر باسم مصلحة الانجاز,, أو التنافس، او حتى الضبط,, وان كان في حقيقة الامر ليس هذا ما يشغله، إنه يبحث عن موقوع (الأنا)، الأنا العظمى المجنونة التي تخرق كل المسميات الانسانية من اجل التحصيل الشخصي,, وفي ذلك يجد من يؤازرونه في نزعاته المبرمجة جهراً وسراً,, سلوكاً,, وتنفيذاً.
والانسان يعلمنا انك ما دمت في الضوء وعلى مقعد المسؤولية فكلهم يلتفون حولك، يتحولون إلى فراشات ملونة بريئة تقدم لك اللون والفرحة وهي تأخذ منك الحياة، وإذا ما طوح بك الزمن فالباقي نفر من الألف، جزء من المائة شيء من كل شيء والانسان يعلمنا ان ليس كل الذي يقوله حقيقة وانك إذا أردت ان تعرف الحقيقة فلا تتحدث، اعمل وبالعمل وحده ستقود نفسك الى شاطئها,, والانسان يعلمنا ان الوفاء والصدق، والايثار والتضحية وكل المعاني المجردة اصبحت اشياء ثمينة تنام في الذاكرة وانها تنهض فقط في الزمن كجوال يطوف بالأرض لمرات ليست مؤرخة ولا زمن لها ولا موعد,, والناس يعلموننا ونحن منهم فليس كل الذين يبكون حزانى، فقد يكونون مقهورين، وقهر الانسان له اوجه عديدة الناجح يقهره الآخرون بمحاربته واعلان الحرب عليه يأتي بطرق عديدة يألفها الناس والفاشل يقهره الآخرون بمحاربته ولكن بأساليب اخرى,, الناجح يغلبه الحاسدون,, والفاشل يغلبه الظالمون!!).
الكاتبة
تلك كانت ومازالت نظرية في النفس البشرية اليومية، نظرية بها من الدقة ما يدفعنا إلى القول كأنها المعيار الذي نكتشفه كل دقيقة,, وكل يوم,, ومع كل مفاجأة من ضمن المفاجآت المذهلة التي تباغتنا ونحن نمد الأكف البريئة بأحسن النوايا,, واطهرها,.
ذكرني ذلك باستفسار قارئ حينما سألني ما هو تفسيرك للحياة حين اجبت,.
لغة لانفهمها احيانا,, فترهقنا ألغازها وتغشنا مفاتيحها,, فمنا المغامر والمكتشف، والنائي تبعا لذلك عن الاتجاه نحو مستنقعاتها,,
ومنا خائف,, وحبيس,.
لا يهوى لعبة الالغاز,, فيأخذها على ما هي عليه وهو يعلم في قرارة نفسه ان هناك عبثا ما,, ولكنه يغمض عينيه دونه ويكمل مسيرته,.
تخيلت كل قطعة اثاث في هذه الحجرة تتفرج على الانسان: الطاولة ماذا تقول عن كل الذين مروا بالجلوس إليها ولامستها بصمات ايديهم، المقاعد ماذا تقول عن كل الذين مروا بالجلوس فوقها لا تختلف هي في شكلها وتكوينها بينما يختلف الجالسون عليها,, ويفترض ان كل الذين مروا بها من اولئك المقلدين بأوسمة المناصب والمراكز او الدرجات العلمية او الرتب وحدث ولا حرج كيف هو وزن كل من جلس عليها اخفيف تهزه الريح وتعصف به الحوارات ويطوحه الجدل ام ثقيل لا يتحرك الا بحساب ولا ينطق إلى بميزان، وهل الاوسمة ثابتة فوق رأسه او كتفه او صدره ام هي تميل مع كل حركة فعل او حركة رد فعل,, ترى لو نطقت كل قطعة في هذه الحجرة ما تقول:
ما مدى الصدق فيما قيل؟
ما حجم التجرد فيما قيل؟
ما هي نتائج ما اجتمعوا له
كيف يكون الفعل لكل الاقوال التي هدرت؟
ما مصير الاوراق التي حبرت؟
وربما من قبل ومن بعد تقول لنا المقاعد وحدها دون سواها شيئا عن اوزان الذين جلسوا إليها؟
د, خيرية السقاف
الجزيرة العدد 9897
25/7/1420هـ
هذا هو قلم استاذتي منذ تسعة عشر عاما حتى تاريخه قلمٌ أضناه فقدان الصدق ولكن بقي يدعو إليه,,
خبرة أدهشتها الالوان في الاوجه والمواقف ولكن بقيت تزداد بياضا ونقاء,, قلم استاذتي في المرحلة الجامعية وأستاذتي في الحياة,, فعلمتني قبل كل شيء الا أحزن على من اتخذ من الصدق وسيلة لتحقيق غاية فخانته حيلته والا أرثي لحال المتنافسين الراكضين في الاتجاه العائب,,
حينما ينقلب عليهم الحال وتبدو الرؤى في ابشع صورها.
علمتني حجم المسؤولية التي يتحملها قلمي حينما احتضنت اسمي منذ عشرين عاما,, ان ما نكتبه هو ملامحنا الحقيقية بكل تعابيرها التي تختبرها الحياة,, ان الاعماق المطمئنة بصدقها,, باستقامتها هي الموقف,, موقع المسؤولية,, الكراسي التي نجلس إليها هل هي تمحو القيم,, أم تزيدها؟
لان الضمير الصحي مثل اشارة المرور,, الضوء الاحمر,, يرغمنا على التوقف,, والاخضر يدفعنا للسير بسلام,, وما بينهما شعرة فاصلة بين الخطر والسلامة,.
إنها نفس المقاييس,, والمعايير، والتأملات، والصبر والابعاد التي تمتلئ بها تلك الاعماق الطاهرة,.
التي فجرت في بحثي عن الحقيقة ان ابدأ دائما,, بما خلف الابعاد,.
القارئ عبدالله: احيي فيك تواصلك الثقافي معنا في ملحقنا وآخذ بعين الاعتبار ايضا سؤالك عن اختفاء ملحق الخميس، لان سؤالك مطابق لسؤالي تماماً,.
*القارئة :
ل : لست متشائمة بالقدر الذي يتحدثون عنه,.
كل ما هنالك انني ارى الواقع بمنظور فرضه عليَّ الفضول والمتابعة والتعاطف والمغامرة,, والبحث الذي لا يهدأ أبداً,.
إيمان الدباغ