Sunday 14th November, 1999 G No. 9908جريدة الجزيرة الأحد 6 ,شعبان 1420 العدد 9908


المهر
للكاتب الفرنسي الكبير: (جي دي موباسان)
*ترجمة: حصة إبراهيم العمار

ما اعترت الدهشة احدا حينما اقترن السيد (سيمون لبرومن) بالآنسة (جين كورديه) إذ كان العريس قد اشترى لتوه مكتب المحاماة الذي كان يملكه السيد (يابيلون) المحامي وهذا يتطلب في واقع الامر,, الكثير من المال وكانت الآنسة (كورديه) تملك ثلاثمائة الف فرنك مابين اوراق نقدية وسندات.
كان اليد (لبرومن) اعزب وسيما,, تجلله هالة من التميز رغم انه كان يبدو كمحام ريفي وهذا ما أفرد له مكانة خاصة في بلدته.
اما الآنسة (كورديه)فساحرة غضة,, جذابة رغم انهاكانت خرقاء بعض الشيء وفي حاجة الى شيء من الذكاء والنباهة على انها - في مجملها - كانت مليحة بهية الطلعة.
واحدث الزواج هزة كبيرة في اوساط بلدتهما فقد كانت شعبيتهما واسعة وبدلا من السفر لقضاء شهر العسل استكانا الى شيء من الراحة بعد ان عقدا العزم على السفر بعد ايام عدة,, وبمفردهما الى باريس؟
واسفرت ترتيبات العريس عن مهارة في التخطيط لا تضاهى وكذا كانت علاقته بعروسه فأما شعاره فكان من تأنى نال ما تمنى بدا صبورا متحمسا في الوقت ذاته ولذا فإنه ما لبث ان أحرز نصرا ساحقا مؤزرا.
خلال ايام اربعة بدت زوجته مأخوذة به متيمة ولهى فهو لايغيب عن سمعها وبصرها وكانت تجلس قبالته الساعات الطويلة تداعبه.
وكان يرد عليها بمداعبات لا تقل حميمية وولها قال لها فور انتهاء الاسبوع الاول.
- نذهب الى باريس الثلاثاء القادم ان احببت,, نتقمص دور العشاق فنرتاد المقاهي والمسارح.
وقفزت فرحا.
- سيكون ذلك رائعا فلنبادر اذاً علىالفور.
وتابع:
وعلينا الا ننسى شيئاً,, ذكّري اباك ان يحضر مهرك معه كيما يكون بمعيتنا حتى اذا ما لقيت السيد (يابليون) انتهت الإجراءات معه.
- سأخبره صبيحة غد بإذن الله.
وكان يوم السفر فخرج ابواها لوداعهما في المحطة:
- ان من الخطر والمجازفة بمكان ان تحمل في حقيقبتك هذا المبلغ من المال - قال له ابوها.
وابتسم المحامي الشاب.
- لا تقلق يا ابت,,أنا معتاد على ذلك فطبيعة عملي تفرض علىان احمل احيانا مالا يقل عن مليون فرنك,, بذا نتخلص من كثيرمن الشكليات والرسميات والتأخير فلا ترع وصاح الحارس .
- المسافرون الى باريس إلزموا مقاعكم.
والى مقديهما اسرعا ليكتشفا ان طاعنتين في السن هما الجالستان قبالتهما!
وتمتم (لبرومن) هامسا في اذن زوجته في ضيق.
- ياللضجر الواعد,,, سوف لن اتمكن من اشعال لفافة همست مجيبة .
- اجل سيكون ذلك ملامً بالنسبة لي كذلك ولكن ليس للسبب ذاته!
وصفر القطار ثم انتفض منطلقا ولم يتمكنا إبان فترة السفر التي دامت ساعة من تبادل الحديث إذ ان العجوزين لم تخلدا - لسوء الحظ - إلى النوم.
في المحطة قال (لبرومن) لحليلته:
- فلنذهب لتناول طعام الغداء وبعدها نعود لاستلام العفش ثم نتجه الى الفندق.
ووافقت على الفور.
- اجل اعشق تناول الغداء في مطعم,, اهو بعيد؟
- نعم,, نوعاً,, سنستقل حافلة اليه
وارتفع حاجباها دهشة:
- ولم لا نكتري سيارة اجرة؟!
وعاتبها مبتسماً:
- اهذه طريقتك في توفير المال؟ نكتري سيارة لرحلة تستغرق خمس دقائق ندفع فرنكا لكل دقيقة منها؟
لا شيء يرضيك تذكري ان القناعة كنز لا يفنى.
وتراجعت بسرعة:
- انت محق تماما قالت وحمرة الخجل تضرج خديها وحاذتهما حافلة كبيرة تجرها ثلاثة خيول فصاح (لبرومن) فيه:
-ايها الكمساري توقف!
وسمعت للحافلة جلبة قبل ان تتوقف فيهرع اليها المحامي وزوجته ويقول لها لاهثا:
- ادخلي عزيزتي اما انا فسأتجه الى الدور الاول لاشعل لفافة تبغ قبل الغداء.
ولم يكن ثمة وقت هناك لسماع ردها وحاول الجابي مساعدتها على الدخول الا أنها سقطت لشدة الزحام وتحرك الحافلة,, كانت الدهشة والارتباك قد عقدا لسانها وهي ترى قدمي زوجها وقد غيبهما سلم الدور العلوي.
وانحشرت في مقعدها بين رجل سمين تفوح منه رائحة التبغ وبين عجوز علقت بها رائحة كلاب اما بقية الركاب فكانوا جالسين وقد اطبق الصمت عليهم,, فتى بقال وخياطة وضابط وثري يلبس نظارات مذهبة الإطار وقبعة طويلة كمدخنة وسيدتان تنظران في خيلاء الى الناس وكأنهما تقولان:
- نعم نحن هنا ولكن الحافلة ليست من مقامنا.
كانت الحافلة تضم كذلك امرأتين وفتاة حاسرة الرأس وبدا الجميع كفرقة هزلية,, كمتحف عجائب او هو سلسلة من أنماط ضاحكة لوجه الإنسان كصنوف الدمى الهزلية التي يربح مرتاد المهرجان اما نجح في ايقاعها بالكرة ارضا وكانت الرؤوس تهتز باهتزاز الحافلة فتضطرب الوجنات المتكنزة كحلوى الهلام (الجيلي) وقد خدر الرؤوس ذلك القرع الرتيب المتصل للعجلات فبدت النظرات خاوية,, خالية كأنما هي تحدق في اعماق اللاشيء.
وكانت الشابة تجلس في ملل وضيق وحيرة وتسال نفسها:
- لم لم يأت معي؟ وخالجها استفسار غير مريح اعتقد انه كان بإمكانه الاستغناء عن لفافة التبغ تلك واشارت المرأتان الى الجابي بوقف الحافلة ثم نزلتا مخلفتين رائحة خزانة ملابس عتيقة.
ومضت الحافة تمخر عباب الطريق ثم توقفت بعد ان قفزت طباخة اليها فجلست واضعة سلة التسوق على ركبتيها ورائحة مسحوق غسيل تغزو جزئيات العربية.
- انه ابعد مما تخيلت قالت جين لنفسها ونزل ركاب وصعد آخرون فأما الفتاة حاسرة الرأس فجلس في مقعدها الشاغر صبي لحذاءية رائحة.
واحست المسكينة - جين - بغرابة الموقف وبدت متوعكة بعض الشيء,, شعرت برغبة شديدة في البكاء دون ان تدري كنه ذلك.
واخترقت الحافلة شوارع عدة والناس بين صاعد وهابط - ما أطول الطريق -همست لنفسها - ارجو مخلصة الا يكون غارقا في نوبة شرود ذهن او نوم لقد بدا متعبا جدا في الايام القليلة الماضية وخلا (الباص) من ركابه طرّاً سوى المسكينة فصاح الموظف (فوجيرار) ولم تحرك ساكنا فأعاد الإسم سألته: اين نحن؟ فرد في حدة وتعجب:
- يا إلهي نحن في (فوجيرار) قلت ذلك حتى بح صوتي.
- أيبعد ذلك عن شارع الطليان كثيراً.
- لقد اجتزناه منذ ساعة.
-حسنا فهلا اخبرت زوجي؟
- زوجك؟! وأين هو؟
- في الدور العلوي!
- لم يصعد الى هناك احد منذ قرون؟
وصرخت في رعب:
- ماذا تقصد ؟ هذا مستحيل لقد ركب معي لابد أنه هناك وغدا الموظف عدوانيا بعض الشيء.
- يكفي هذا,, يا ابنتي,, انه ليس الحصوة الوحيدة على الشاطىء - هيا,, غادري الحافلة فورا ولسوف تجدين في الشارع بديلا له.
واغرورقت بالدموع عيناها فأصرت.
- انت مخطىء تماماً اؤكد لك,لقد كان يحمل حقيبة كبيرة وضحك الموظف.
- حقيبة كبيرة؟ اجل تذكرت لقد هبط في محطة (مادلين) لقد خدعك الرجل, ها,, ها قهقه كمن لاهم له, وتوقفت الحافلة اخيرا في مركزها فنهضت والقت نظرة فطرية على الدور العلوي الذي بدا لها خاليا تماما عندها ما تمالكت دموعها فهمت مدرارا,, وما دار في خلدها ان الناس قد شرعوا يحدقون فيها بعد إذ استرعى نحيبها انتباههم ومضت تسائل نفسها - ترى ماذا سيحل بي؟
وجاء مفتش المركز فسأل موظف الحافلة عن الامر فرد الاخير ساخراً
- انها سيدة خدعها زوجها تخلى عنها وجاء تعليق الأول: اهذا كل ما في الامر؟ لا شأن لك بها وتابع عملك وسارت (جين) في خط مستقيم غزاها الرعب والحيرة فيما عساها تقدم عليه - الى اين تذهب؟ دهمها التساؤل الذي افرزته مجريات الامور فهو حتمي - وطوقتها شبكة الاحتمالات,, ثم عادت تفكر فيه - ما الامر أتراه فقد ذاكرته وكان في جيبها (فرنكان)تساءلت في نفسها ثانية عمن يمكن ان تلجأ اليه! وتذكرت فجأة ابن خالتها الموظف في الاميرالية فانتعشت آمالها واكترت سيارة اجرة اعطت سائقها عنوان ابن خالتها ووصلت الى داره لحسن طالعها - وهو يهم بالخروج إلى مقر عمله وما ان رأته حتى انطلقت من السيارة لا تلوي على شيء,, كان يحمل تحت يده مثل (لبرومن) حقيبة كبيرة.
- هنري صاحت به.
- وتوقف مصعوقا بالدهشة.
- (جين) انت هنا,, لوحدك ماذا تفعلين هنا ومن اين اتيت؟
وترنحت لا تكاد من سيل الدموع تبصر ما أمامها
- لقد اختفى زوجي فجأة؟
- اختفى,, أين؟ سألها
- على متن الحافلة!
- على متن الحافلة؟ آه
وانبثقت قصتها مع ذرات دموعها,,روت له كل شيء واستمع هو في صمت حزين ثم سالها:
- أكان طبيعياً هذا الصباح؟
- أجل.
- حسناً - اكان معه شيء من المال؟
-اجل كامل مبلغ مهري
- مهرك كله؟
- اجل كل قرش منه كان على وشك دفع ثمن مكتب المحاماة الذي اشتراه حديثاً.
- حسنا ابنة خالتي العزيزة اظن انه الان قد توغل في الطريق الى بلجيكا.
- ولم تفهم - وما استوعبت شيئا فتمتمت.
- زوجي,, تقصد.
- اجل اعني انه قد هرب بمهرك هذا كل ما في الامر.
- وتوقفت فوقفت متسمرة مشدوهة تكاد تختنق,, وقالت اخيرا.
- إذاً فهو لص- ثم انهارت باكية امام ابن خالتها.
وفيما تجمهر الناس حولهما دفعها برفق حتى اوصلها داخل بيته وعندما اطلت الخادمة المهولة قال لها.
- (صوفي) بادري من فورك بالذهاب الى مطعم قريب اجلبي غداء لاثنين لن اذهب اليوم إلى الوزارة.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولـــــــــــــــى
محليــــــــــــــات
مقـــــــــــــــالات
المجتمـــــــــــــع
الفنيـــــــــــــــــة
الثقافية
الاقتصـــادية
عزيزتـي الجزيرة
الريـــــــاضيــــة
ملحق السيـارات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved